من يستفيد من الأزمات السياسية في اليمن ؟؟
بقلم/ د.فيصل الحذيفي
نشر منذ: 10 سنوات و أسبوع و 4 أيام
الخميس 06 أغسطس-آب 2009 05:41 م

حققت اليمن بعد الثورتين اليمنيتين (سبتمبر وأكتوبر) منجزا وحيدا وهو الوحدة اليمنية، وما عداه لا يعد منجزات ولكنها تطور اجتماعي ذاتي- فردي، وتحصيل حاصل كمؤدى اجتماعي حسب الظروف، وقد تعرضت اليمن بعد الوحدة إلى أزمتين أربكتا الوعي العام وأفشلتا المراقبين من القدرة على التنبؤ بالمآلات، وأوصلتا المواطن إلى درجة عالية من التحفز والاستسلام للخوف على مصيره كفرد، وعلى مصير البلاد كوطن، وعلى الوحدة كمنجز صار معرضا للزوال على المستويين السياسي والاجتماعي. والمثير للدهشة أن اليمن يتمزق اجتماعيا حين صار أبناؤه موحدين سياسيا وكان اليمنيون عشاقا للوحدة اجتماعيا حين كانوا ممزقين سياسيا.

وفي هذه السطور سنستعرض هاتين الأزمتين ومآلاتهما، والنتائج المتوقعة في كليهما : «1- الأزمة الأولى فيما بعد الانتخابات النيابية 1993 والمتمثلة في صراع شريكي الوحدة » المؤتمر والاشتراكي. والنتيجة : « الاستفراد بالسلطة» . « 2- والأزمة الثانية فيما بعد انتخابات 2006 الرئاسية » والمتمثلة في صراع السلطة مع المجتمع، صراعها في صعدة ، والجنوب ، ومع أحزاب المعارضة ، ومع الصحفيين ومنظمات المجتمع المدني ، ومع التجار في ضريبة المبيعات وأشياء أخرى». والنتيجة : « التهيئة لتوريث السلطة ».

أولا: نحو الاستفراد بالسلطة « الأزمة الأولى فيما بعد الانتخابات النيابية 1993»

نتذكر أن هذه الأزمة أفضت – إجرائيا - إلى مآل دامي تمثل باندلاع الحرب في العام 1994 - وسياسيا – إلى التفرد السياسي بالسلطة فأصبح لدينا بعدها حزب حاكم محتكر لأدوات القوة وميكانيزم السياسة، والتفرد بالدولة والوطن باعتبارهما صارا ملكا للسلطة وليست مستقلة عنها. وقد كان التفرد يختمر في عقل الرئيس وأعوانه في السلطة ، بينما كان الانفصال يختمر في عقل سالم البيض وقلة من القيادات الاشتراكية معه. لقد كان بمقدور المتصارعين حينها أن يتجنبا الحرب وحقن دماء اليمنيين شمالا وجنوبا لو كان لدى المتصارعين حبا للوطن، ولدماء اليمنيين قدسية في أذهانهم ، وكان كل طرف يسعى إلى الهدف المختمر في ذهنه بالرغم من التدثر وراء شعارات كانت أبعد عن الحقيقة « مثل دولة النظام، أو قدسية الوحدة » فقد كشف مقبل الأيام هدف الاستفراد بالسلطة وتملكها عند الطرف المنتصر ، وهدف العودة إلى ما قبل 22 مايو لدى الطرف الخاسر بالرغم من إثبات ضحالة هذه الخيارات وثمنها الباهض.

والإنسان اليمني العادي خارج السلطة لا يجد امتعاضا من أن يصل إلى السلطة حاكما من حضرموت ذات الحضور التاريخي والسياسي أو من عدن أو أبين أو الضالع أو لحج أو تعز ، حاكما مدنيا من خارج سياق القبيلة التي ابتلعت الدولة والمدنية وجل همها أن نبقى قبائل، نحتكم لأعراف القبيلة ونذبح الأثوار في أي صراع اجتماعي أو سياسي أو جنائي « نموذج الاعتداء على السياسي حسن مكي» وأن المدنية هي بؤرة الانحطاط الأخلاقي في عرف القبيلة.

وعندما استطاع أحد الأطراف - إبان هذه الأزمة - بالانفراد بالسلطة تلاشت القوى السياسية من مسرح الفعل المدني لتقوم السلطة بالحضور نيابة عن الأحزاب والمجتمع في مسرح الحياة السياسية ، صحيح أن السلطة اطمأنت إلى إكمال توحيد مؤسسات الدولة بالدمج القسري، ولكنها في الوقت نفسه تعامت عن الشعور الاجتماعي الخافت بتلاشي هذه الوحدة من قلوب الناس وعقولهم بالرغم من توجه السلطة نحو الجنوب لتنفيذ سياسة الاسترضاء الفردي أو ضجيج المشاريع والموازنات الواهية. وهي أخطاء أطفأت جذوة الديمقراطية حين حل الاستفراد محل التعددية في السلطة والمجتمع فكان لها ما بعدها من أزمة سياسية أخرى متصلة بها ظهرت على السطح منذ 2004 في نهوض المتقاعدين عن التقاعد ، وانتفاضة أبناء الجنوب ضد التسلط والسلطة الفاسدة بغض النظر عن الشعارات الغاضبة والمبالغ فيها هنا أو هناك. فأهلنا في الجنوب هم أكثر وطنية وإيمانا بوحدة اليمن من قبائل الفيد والسلطة والأحزاب في الشمال .

ثانيا: نحو توريث السلطة « أزمة ما بعد انتخابات 2006 الرئاسية»

تعتبر انتخابات 2006 الرئاسية هي مؤشر التحول السياسي الفعلي حين شعرت السلطة بالتهديد الجاد لكسر الاحتكار السياسي للسلطة فكانت صراعا وتنافسا حادا وجادا بين مرشح حزب السلطة ومرشح المعارضة، ولا تزال تداعيات هذه الأزمة تتكشف يوما بعد آخر. وتعتري المواطن اليمني مخاوف جادة من هذه الأزمة بالكيفية التي شعر بها في الأزمة السابقة ، الخوف من الحرب ، والخوف من التمزق اليمني من جديد ، والخوف من المصير المجهول.

والسؤال الملح اليوم لفهم الأزمة هو : ما هي الأفكار المختمرة في وعي المتصارعين ليأخذوا البلاد والعباد إلى حيث ترسوا بهم أهدافهم ؟ ويأخذوننا معهم عنوة ؟.

في وعي الرئيس يختمر التوريث السياسي – بإصرار - كنتيجة حتمية لتطور الأزمة واستثمارها من قبله ، بينما يتجه الغاضبون في الجنوب إلى الانتقال من المطالب الحقوقية في سياق الدولة إلى مطلب الانفصال عن الدولة إزاء موجة التملك السياسي للبلاد والعباد، ولا يزال يختمر الوضع في وعي المشترك إلى إطالة الأزمة لإضعاف السلطة والتحين في الوقت المناسب إما لفرض الشروط في أقل مطالبها على السلطة أو الإزاحة السلمية للسلطة اجتماعيا إن تهيأ الوضع لها ، بينما تظل أزمة صعدة وتوسع الحوثية خارج الحدود الجغرافية لها جنوبا وشرقا يفرض شروطها على السلطة والمجتمع، فإنها لا تخفي رغبتها في الحكم المحلي كامل الصلاحيات أو الاستقلال التام إذا تهاوت سلطة الدولة وتشظت اجتماعيا.

النتيجة غير المتوقعة لدى الأطراف الصانعة للأزمات والسعي لاستثمارها أن تخرج الأزمة الحالية عن السيطرة، وكان مثل هذا الاحتمال المخيف مطروحا في أزمة 93 – 94 واستطاعت سلطة الرئيس علي صالح استثمارها لصالحه – ومعه حينذاك حلفاء كثر - نحو الحسم العسكري ورفع شعار الوحدة أو الموت وتعميد الوحدة بالدم حسب مقولات الخطاب السياسي الرسمي، بينما كشفت لتجربة المريرة أن الدم يجر إلى الثأر السياسي بمزيد من الدم يدفعه أبرياء بدءا بالقباطي وانتهاء بالعسكري الفاقد للوعي السياسي في لحظات المواجهة، وكأن مثل هذا التعميد سيحول دون تعرض الدولة اليمنية الواحدة وشديدة المركزية للانفصال مرة أخرى ، وقد أثبتت الأيام أن الدم صار وبالا على الوحدة فعمـَّق جرحا اجتماعيا وثأرا سياسيا أعمى لم تنته فصوله وربما لم تبدأ بعد.

لقد كان الاحتمال الوارد في أزمة 93 ايجابيا لصالح البيض إن تشبث بخيار الوحدة وانسحب من السلطة حسب مقترح المرحوم عمر الجاوي، لكن استثمارها خطأ نحو الانفصال أضعف موقف الاشتراكي – فريق سالم البيض - وليس الجنوبيين لأن شريحة كبيرة من الاشتراكيين والجنوبين كانوا مع الوحدة وهم الذين فتحوا الطرقات والمدن والمعسكرات والبيوت لدعاة الوحدة وما سمي آنذاك قوات الشرعية وقد كانت فعلا حينها تمثل قوات شرعية في المخيال الشعبي لأن المجتمع تغاضى عن ذلك الحسم للخلاص من أزمة سياسية طاحنة ممنين أنفسهم بالانتقال إلى دولة تحقق تطلعاتهم، فجاءت الأيام لتثبت فشل السلطة وعجزها عن تحقيق الطموحات المتخيلة.

لكن الأمر في أزمة ما بعد 2006 أحدثت شرخا في النسيج الاجتماعي وغيرت علاقة المجتمع بالسلطة من علاقة تسودها الشرعية إلى علاقة يسودها التوجس وعدم الثقة، واليقين بفسادها، فكيف بسلطة متهمة في وعي المجتمع بالفساد أن يبقى لها شيئا من الشرعية ؟

اليوم لا نستطيع أن نحل القضية وتجاوز الأزمة إلا إذا غيرنا من أهدافنا من استعمال السلطة والقوة لخدمة الذات إلى خدمة المجتمع ، ولن يصدق المجتمع مثل هذا التحول إلا بعد فترة من التحول نحو المصداقية ذات الأثر الفعال في دعم مصالح الناس والإحساس بهم وبها .

علينا تغيير الأهداف من التشبث بخيارات الاستبداد والتوريث عند السلطة، وخيارات الانفصال عند بعض الجنوبيين، وخيارات التحين عند المعارضة والحوثيين، إلى أهداف مجتمعية تحقق مصالح الجميع ونفتديها بمصالحنا الضيقة ، لنتذكر أن النبي إسماعيل قدم نفسه أضحية لرؤيا أبيه فلماذا لا تقدم السلطة والأحزاب نفسها فداء للوطن، هذا هو اليقين نحو المصداقية و التي ستعيد اللحمة الاجتماعية بدلا من التمزق ، إن هذا الخيار يقتضي في أبسط مظاهره إلى دخول الجميع في دائرة الحوار وإلى التخلي عن السلطة وإعادتها إلى الأمة صاحبة السلطة والسيادة.

إن الفارق بين الأزمتين : أن الصراع في عام 94 اتجه لصالح الرئيس بتوسيع التحالفات معه شمالا وجنوبا ، لكن الأزمة اليوم تزيد الرئيس عزلة عن أي حلفاء سوى الأشخاص الذين يشتريهم بالمال وهو سيفقد حلفاءه يوما بعد يوم كلما طالت الأزمة ، والحوار المطلوب اليوم هو جلوس كل اليمنيين دون استثناء على طاولة الحوار بما في ذلك شمال جنوب ، السلم والعنف ، والداخل والخارج من أجل دولة يمنية حديثة تحقق الأمن والسلم والعدالة والرقي لليمنيين.

hodaifah@yahoo.com