المعنى لا المبنىر
بقلم/ رشاد الشرعبي
نشر منذ: 10 سنوات و شهرين و 15 يوماً
الثلاثاء 02 يونيو-حزيران 2009 09:45 ص

بحسب وكالة (سبأ), فإن رئيس مجلس النواب شدد, أثناء إطلاعه على المبنى الجديد للمجلس, على ضرورة إنجاز "المرحلة الثانية خلال فترة زمنية مناسبة ومن خلال عمل متقن يليق بهذا الصرح الديمقراطي الذي يعكس مستوى نمو وتقدم التجربة الديمقراطية والبرلمانية في بلادنا, وبمايدفع من السير الحثيث لنجاحها وتطورها بصورة مثلى".

 طبعاً الفقرة الأخيرة (مخيطة بصميل) ولم أفهم المقصود بها, أما الأولى فهي تعكس العقلية الحاكمة, حيث أنهم يفهمون ويؤمنون - ويريدوننا أن نفهم ونؤمن- أن المبنى هو ما يعكس نمو وتقدم تجربتنا الديمقراطية والبرلمانية, لكن المعنى والروح أمر ليس مطلوباً تحققه سواءاً فيمايتعلق بالديمقراطية والبرلمان وفصل السلطات أو الدولة والنظام والقانون, وكذلك الحال بالنسبة للثورة والوحدة.

وعلى العكس من التقدم لتجربة مجلس النواب والذي قصده رئيسه من خلال المبنى الذي سيشيد, فقد شهد تراجعاً مخزياً في قدرته وممارسة دوره الرقابي والتشريعي, خاصة في الأعوام الأخيرة.

فكلما لاحظنا محاولات متواضعة للتقدم إلى الأمام خطوة والتمرد على الدور التمثيلي المرسوم له من (المُخرج), تكون النتائج سلبية لتعيده إلى الوراء 10 خطوات, وبالتالي - كمواطنين - لا فائدة لنا تُرجى من مجلس نواب بمبنى ضخم وإمكانيات حديثة وأعضاء (منتفخو الكروش والأوداج) ويتقنون إستخدام الموبايل والكمبيوتر وربط (الكرافتة), في حين أنه كسلطة تشريعية يفتقد للروح والمعنى ولا يمارس دوره ووظائفه وأهداف وجوده.

والحال كذلك بالنسبة للديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان, فهي إن لم تتحقق واقعاً, وإذا لم تحدث تغييراً وإصلاحاً وتداولاً سلمياً للسلطة, ولو لم تمنح المواطنين حياة حرة وكريمة ولم توفر لهم الحد الأدنى من حقوقهم الأساسية, وإذا لم تمكنهم من إختيار من يديرون شئون حياتهم, فإنها تصير مجرد إدعاء زائف وديكور خادع وزور فاضح.

وبالتالي تكون بالنسبة للناس الذين كان يفترض أنها لأجلهم ومستفيدين منها وتحقق مصالحهم لا تعنيهم وتشكل أهمية لديهم ولن يحتشدوا للدفاع عنها إذا تعرضت للتهديد والخطر.

قبل عامين تقريباً كتبتُ في ذكرى 26 سبتمبر عن الثورة التي ناضل لأجلها أحرار اليمن وسالت فداءاً لها الدماء وأزهقت الأرواح وقدم ابناء اليمن الغالي والنفيس دفاعاً عنها ولترسيخ أركانها.

فالثورة لم تنطلق فقط لتغيير نظام حكم ظالم ومتخلف وسلالي وإستبداله بآخر, لكنها حملت مباديء وقيم سامية تهدف في الأول والأخير لتحقيق العدل والمساواة وحماية الإنسان وحقوقه ليعيش حياة حرة وكريمة بإعتباره المخلوق الذي أهتم لأمره الخالق عزوجل وسخر الكون ومخلوقاته كلها لأجله.

حينها كان الدافع للكتابة تعرض مواطنون للضرب والاعتقال والإهانة والإبتزاز لأنهم لم يحتفوا بذكرى الثورة بوضع العلم الوطني على واجهات محلاتهم أو طلاء الأرصفة أو وضع (اللمبات), فقد أستغربت كيف أن هذا الإنسان الذي كانت الثورة لأجله وليعيش حراً كريماً له حقوق مثلما عليه واجبات, صارت (الثورة الديكورية) سبباً لإهانته وتقييد حريته والإعتداء عليه وإبتزازه.

والمؤكد أن المواطن سيحترم الثورة ويحافظ عليها ويدافع عنها, ليس بقطعة القماش أو الطلاء أو لمبة الإنارة, لكن بالإلتزام بالنظام والقانون وواجباته تجاه الدولة والمجتمع وقد يستدعي الأمر أن يحمل السلاح ويضحي بروحه, وذلك يكون حينما يجد نفسه مواطناً يتمتع بحقوقه وتظلله المساواة والعدالة, حراً كريماً يمتلك إرادة إختيار من يديرون شئون حياته, وتتوفر أمامه القدوة الحسنة في الإلتزام بمباديء الثورة وقيمها ونصوص الدستور والقانون.

فالدين والثورة والوحدة والديمقراطية والحقوق والحريات جميعها هدفها الإنسان (فرداً ومجتمع) وروحها ومعناها ومضمونها غرضه الإنسان الذي كرمه الله, فهي العدالة والمواطنة المتساوية والحياة الحرة والكريمة والمشاركة السياسية, وهنا سيدافع عنها الجميع وسيعضون عليها بالنواجذ.

والثورة والوحدة والديمقراطية وحتى الوطن لن تحمى بالأعلام والطلاء واللمبات, ولن تترسخ في قناعات الناس وإيمانهم وسلوكهم بخطب المنافقين ولا بيانات الزيف أو قصائد المديح, والثورة هم أولئك البشر الذين تدافعوا للتضحية, حينما أُشعل فتيلها, دفاعاً عن مصالحهم المتمثلة في قيمها ومبادءها وأهدافها, والوحدة والديمقراطية كذلك هي مصالح الناس وأحلامهم وآمالهم وتطلعاتهم وهي التفاصيل الدقيقة التي يعيشونها في حياتهم اليومية ويلمسونها كمواطنة متساوية وعدالة يسيرة وشراكة سياسية وطريق ومدرسة ومستشفى ودواء وفرصة عمل وماء وكهرباء و..و...وحياة حرة وكريمة بكل مافي الكلمات الثلاث من معنى.