عشر دقائق بساعة «ترامب» كافية لابتزاز الخليج
بقلم/ إحسان الفقيه
نشر منذ: 3 أشهر و 26 يوماً
الإثنين 24 يونيو-حزيران 2019 04:38 م
 

عشر دقائق بساعة «ترامب» كافية لابتزاز الخليج

عندما وصل النازيون إلى السلطة في ألمانيا هاجر الفيلسوف والناقد الألماني وولتر بنجامين إلى جزر البليار ثم إلى باريس، ولما اندلعت الحرب العالمية الثانية احتجز لأنه مواطن ألماني، وبعد إطلاق سراحه توجه رفقة مجموعة من اللاجئين إلى الحدود الإسبانية، وما إن دخلوا إحدى القرى حتى شرع رئيس الشرطة في ابتزازهم، وهددهم بإعادتهم إلى النازيين، ولم يتحمل بنجامين هذه التهديدات فانتحر بتناول جرعة زائدة من المورفين.

الولايات المتحدة الأمريكية تمارس دور قائد الشرطة، وتبتز العرب ودول الخليج، فتشهر أمامهم سيف التهديدات الإيرانية التي جعلت منها شبحًا يؤرق المضاجع، لكن العجب كل العجب، في أن العرب يستجيبون لهذا الابتزاز عن طيب خاطر، وكان الأشرف لهم أن يصنعوا كصنيع بنجامين.

عشر دقائق فحسب، كانت تفصل أمريكا عن إطلاق شرارة حرب ضروس في المنطقة بتوجيه ضربة عسكرية رادعة لمواقع إيرانية، ردًا على استهدافها طائرة أمريكية مُسيّرة، لكن على طريقة أفلام هوليوود، زالت المخاطر عندما بدأ العد التنازلي لإطلاق الدمار.

الأمريكان: «الموت لإيران»..

الإيرانيون: «الموت لأمريكا»..

لكن لا هؤلاء يموتون، ولا هؤلاء يموتون، فقط يموت العرب وإن شئتَ التحديد فقل: يموت السُّنَّة منهم.

عقود مضت، وما زالت أمريكا وإيران تغازلان العرب بتلك العداوة الهزلية، فلطالما سعت الولايات المتحدة إلى تخويف العرب من البعبع الإيراني، وأنه لولا الحماية الأمريكية لوقعت دول الخليج في الاحتلال الفارسي. عندما يقول ترامب: «ملك السعودية يمتلك تريليونات من الدولارات… من دون الولايات المتحدة الأمريكية، الله وحده يعلم ماذا سيحدث للمملكة»، ألا يعد هذا ابتزازًا؟

وعندما يخاطب ترامب العاهل السعودي قائلًا: «ربما لن تكون قادرا على الاحتفاظ بطائراتك، لأن السعودية ستتعرض للهجوم، لكن معنا أنتم في أمان تام، لكننا لا نحصل في المقابل على ما يجب أن نحصل عليه»، ألا يُعد هذا ابتزازًا؟ كما يستخدم اليهود فزاعة الهولوكوست لابتزاز العالم، يستخدم ترامب فزاعة الأخطار الإيرانية لابتزاز دول منطقة الخليج، لأنه يعلم تمامًا كما يعلمون هم، أن المشروع الإيراني يركز على منطقة الخليج والعراق، وأن أنظار الملالي تتجه إلى السعودية كآخر محطاتها في حلم الهلال الشيعي الذي كرّس له الخميني، ولا يكون ذلك إلا من خلال الزحف على منطقة الخليج، وأنها بالسيطرة على العراق ونجاحها في تهديد الجنوب السعودي عن طريق ذراعها الحوثي، تكون قد قطعت خطوات على طريق ذلك الهدف. قيل عن السياسة الإمبراطورية في العهد الروماني: «الراعي الصالح يجزّ صوف غنمه ولا ينتفه»، فكانوا يسلبون أموال السكان، ويحمونهم في الوقت نفسه من العدو الخارجي، فتلك هي سياسة أمريكا في المنطقة، تجز الخليجيين تحت مظلة الحماية من إيران، ولا أدل على ذلك من قمة الرياض التي رجع منها ترامب إلى بلاده مبشرًا بصفقات تقدر بـ400 مليار، حصيلة الابتزاز بالورقة الإيرانية. الكثيرون حبسوا أنفاسهم وهم يترقبون الضربة الأمريكية الموجعة لإيران، وكأن التاريخ المعاصر قد أسقط من صفحاته طبيعة العلاقات الأمريكية الإيرانية، التي تبدأ بالجعجعة والضجيج وتنتهي بالنبرة اللطيفة الوديعة التي تنهي الأزمة وتخمد النار. «لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابل وبغداد بهذه السهولة»، هكذا بكل ببساطة يُصرح محمد علي أبطحي نائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية والبرلمانية، بالتعاون الأمريكي الإيراني على حساب العالم العربي والإسلامي السني، وهو غيض من فيض التنسيقات بين القوتين.

لماذا هوجم العراق ودُمِّر بسبب تقارير مشبوهة حول امتلاكها أسلحة كيميائية، في حين بقيت أمريكا على مدى عقود تتفاوض مع إيران بشأن برنامجها النووي المعروف للعالم؟ كيف دخلت قوات الحرس الثوري الإيراني إلى سوريا لإنقاذ الأسد ومعها ميليشيات موالية لإيران من شتى الدول؟ هل دخلت بدون الحصول على ضوء أخضر من الأمريكيين الذين يمسكون بخيوط اللعبة؟ كيف تحركت قوات حزب الله اللبناني الموالية لإيران للقتال في سوريا إلى جانب الأسد من دون أن تتعرض لها الطائرات الإسرائيلية؟

لماذا هاجمت أمريكا حكومة طالبان الإسلامية عندما حكمت أفغانستان وأسقطتها، في الوقت الذي تتعامل فيه مع دولة دينية أخرى وهي إيران؟

لقد بنت إيران مفاعلها النووي تحت علم الإدارة الأمريكية، لكن لما أرادت السعودية بناء مفاعلات نووية خاصة بها، كان رد جون كيري وزير الخارجية الأمريكي السابق: «أمريكا مستعدة لإقامة مظلة أمنية تحمي دول الخليج من النووي الإيراني»، ألا يعد هذا إقرارًا بهزلية العداوة بين أمريكا وإيران وانتهاجا لسياسة الابتزاز مع السعودية والخليج؟

فضيحة «إيران جيت»، التي تعرف أيضًا بفضيحة «إيران كونترا»، واحدة من أشهر الفضائح السياسية، حدثت في أواسط ثمانينيات القرن المنصرم، وقيل إنها كانت سببًا في خروج الرئيس الأمريكي رونالد ريغان من البيت الأبيض، حيث باع أسلحة إلى إيران لاستخدامها في الحرب مع العراق، في الوقت الذي كان الإيرانيون يتغنون ليلا ونهارا بالعداوة للأمريكيين.

تلك هي طبيعة العلاقة بين إيران وأمريكا «كثير من الصراخ، قليل من العمل» بحسب تعبير الباحث الأمريكي إيراني الأصل تريتا بارسي، وعندما نتحدث عن العلاقات الأمريكية الإيرانية فإنه بالتبعية يكون الحديث عن العلاقات الإسرائيلية الإيرانية باعتبارها فرعًا لها، وقد كشفت صحيفة «التايمز» البريطانية عام 1981 عن تسليم حكومة الاحتلال ثلاث شحنات من السلاح لإيران، وفي العام ذاته ذكرت مجلة «ميدل إيست» البريطانية أن الكيان الإسرائيلي أمدّ إيران بالسلاح مقابل النفط.

لا أدّعي أن أمريكا وإيران حليفتان، لكن أمريكا تتعامل مع إيران وفق تقاطع المصالح، وفي الوقت نفسه تقوم بقص ما زاد من جناحها عن الحد الذي تستقيم به المصالح الأمريكية، لكنها لا تريد حربًا معها، بل هي ورقة رابحة تبتز بها أمريكا دول الخليج تحت مظلة الحماية من الأخطار الإيرانية، واستفادت أمريكا والكيان الصهيوني من إعطاء إيران الضوء الأخضر للتمدد في المنطقة، في أنها خففت الضغط كثيرًا عن الاحتلال الإسرائيلي، حيث اتجهت العلاقات العربية إلى التطبيع مع الكيان المحتل وإلى التصعيد والتوتر مع إيران باعتبارها الخطر الأعظم.

ستظل أمريكا وإيران تقفان عند حد حرب التصريحات من دون الدخول في قتال، فإيران تخشى من حرب كهذه ربما يتم فيها القضاء على بنيتها التحتية، وأمريكا ستفتح على نفسها جبهة قتالية جديدة لا تتفق مع اتجاهات الإدارة الجديدة، ومن مصلحتها الاستمرار في ابتزاز الخليج عن طريق إيران، ويا ليت قومي يعلمون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.