من المقاطرة إلى سبتمبر حكاية شعب قرر ألا يركع
بقلم/ عبدالمالك الشميري
نشر منذ: أسبوعين و يومين و 22 ساعة
السبت 26 سبتمبر-أيلول 2026 04:33 م

لم تُهدَ الجمهورية اليمنية لأحد، وأيضاً لم تكن انقلاباً عسكرياً معزولاً وُلد في ليلة وضحاها، بل مرت بمراحل نضالية تخللها اتتفاضات وانتكاسات حتى انتُزعت الجمهورية العربية اليمنية انتزاعاً من بين أنياب نظام ملكي قمعي لا يعرف إلا لغة القهر، ولم يستوعب إلا منطق الجباية، وحين أشرقت شمس السادس والعشرين من سبتمبر 1962م، لم تكن تلك الشمس وليدة ساعتها، بل كانت حصيلة ثلاثة عقود من الرفض، بدأت بدماء الأبطال في قلعة المقاطرة، ومرت بأحراش تهامة، وسجون حجة، ومنافي القاهرة وعدن وأديس أبابا، واعتصامات الطلاب، وانتفاضات القبائل، وحناجر الضباط الأحرار.

 

البندقية قبل البيان

 

في عام 1921م، لم تكن هناك أحزاب ولا مواثيق، كان هناك إمام يريد أن يبسط سلطته على كل شبر، وقبائل ترفض أن تُذلّ، ففي قلعة المقاطرة، صمد الأهالي في وجه الجيش الإمامي حتى نفدت ذخيرتهم، وحين اقتحم المهاجمون القلعة، فضّل الكثير منهم أن يلقوا بأنفسهم من فوق الشواهق على أن يستسلموا.

  

ثم جاءت انتفاضة الزرانيق في تهامة (1925–1929م)، بقيادة الشيخ أحمد فتيني القعقاع، ليؤكدوا أن الرفض ليس محصوراً في منطقة واحدة، أربع سنوات من المقاومة في أحراش تهامة انتهت بسقوطها وسوق المئات إلى سجون حجة، حيث قضى معظمهم تحت التعذيب.

  

لكن الدرس كان واضحاً، المواجهة المسلحة المنفردة، رغم بطولتها، لا تكفي، و لا بد من التنظيم.

 

حين وُلد التنظيم

 

وفي عام 1936م، تأسست «هيئة النضال»، ونُقل العمل الوطني من الميدان القبلي إلى السياسة السرية المنظمة، جاءت بعدها مجلة «الحكمة اليمانية» لتحمل الفكر التنويري إلى النخبة، ثم تأسس «حزب الأحرار» في عدن عام 1944م، الذي جعل من المدينة الجنوبية قاعدة للعمل السياسي والإعلامي، كون الرصاص وحده لا يُسقط الإمامة، ولا بد من وعي شعبي وشرعية سياسية.

  

لقد انفجرت ثورة الدستور في فبراير 1948م،

 قُتل الإمام يحيى، وأُعلنت حكومة دستورية برئاسة عبد الله الوزير، وصدر «الميثاق الوطني المقدس» الذي تحدث عن المساواة وسيادة القانون وتقييد السلطة، كانت لحظة واعدة، لكن الإمام أحمد استطاع بدعم القبائل الموالية أن يُخمد الثورة في أسبوعين، وأن يُعدم رموزها في حجة، الوزير، الكبسي، المطاع، جمال جميل، وغيرهم، فشلت الثورة لكنها لم تمت، وتركت إرثاً دستورياً ودرساً واضحاً للأحرار، النخبة وحدها لا تصنع ثورة، ولا بد من الجيش والقبيلة والشارع.

  

الخمسينيات عشرية الحسم

 

عقد الخمسينيات كان مختبراً حقيقياً للتجربة الثورية، ففي عام 1955م، تحرّك المقدم أحمد الثلايا وحاصر الإمام أحمد في قصر العرضي، وأرغمه على التنازل عن العرش، لكن الإمام اشترى ولاءات المدفعية، وانحل الحصار، وأُعدم الثلايا ورفاقه، ورغم الفشل، كانت 1955م نقطة تحول أثبتت قدرة الجيش على التحرك ودفعت الأحرار إلى مزيد من الاستعداد للحسم.

  

وفي العام نفسه، تأسست «الجبهة الوطنية المتحدة» في عدن، وضمّت النقابات والأندية والهيئات، لتصبح المنصة المدنية للثورة، ثم جاء الحراك الطلابي (1956–1958م)، واعتصام باب رجب بصنعاء، ليُدخل الجماهير الشابة إلى المعادلة، وفي عام 1959م، عادت القبيلة إلى الميدان عبر انتفاضة حاشد بقيادة الشيخ حسين الأحمر ونجله حميد، لكن الإمام أعدمهما في حجة.

  

الظهير الخفي

 

لم تكن الثورة عملاً رجالياً فقط، في الظل، نساء اليمن حملن الرسائل في أرغفة الخبز، ونقلن الديناميت، وصمدن أمام التفتيش، وربّين أسر السجناء، والتجار الوطنيون كجازم الحروي الذي اشترى المطبعة، وشايف محمد سعيد الذي أنفق ثروته، وناصر الكميم الذي جعل من محله في سوق الملح مقراً سرياً كانوا شريان التمويل والغطاء اللوجستي للنضال، كما لا ننسى دور الأحرار في المهجر في القاهرة وعدن وأديس أبابا وبريطانيا أداروا الحرب الإعلامية، وكسروا احتكار الإمامة للكلمة عبر «صوت اليمن» و«الفضول» و«السلام»، وكفلوا أسر الشهداء، كان هؤلاء جميعاً جزءاً من صناعة الثورة.

 

الطريق إلى سبتمبر

 

في عام 1956م، أُقر «برنامج العمل الوطني» الذي تجاوز أخطاء 1948م و1955م، ونصّ صراحة على تحالف الجيش والقبائل والمثقفين، وعلى تأسيس مجلس وطني انتقالي، ومجلس شورى، ورفع المظالم، ومجانية التعليم، وكفالة الحريات، وفي مارس 1961م، جاءت محاولة اغتيال الإمام أحمد في مستشفى الحديدة لتُعلن أن العمل الفدائي أصبح خياراً مطروحاً، وفي ديسمبر 1961م، تأسس تنظيم الضباط الأحرار من العسكريين والأحرار والقبائل والتجار والمهجر، كانت كل العناصر جاهزة، ولم يكن ينقصها سوى اللحظة.

  

وفي صبيحة 26 سبتمبر 1962م، تحركت الدبابات نحو قصر البشائر، وأُعلنت الجمهورية العربية اليمنية، لم يكن انقلاباً عسكرياً كما يزعم السلاليون، بل كان انتصارًا مستحقاً وتتويجاً لحصيلة ثلاثين عاماً من النضال المتواصل، الأهداف الستة التي أُعلنت في ذلك اليوم وهي التحرر من الاستبداد، وبناء جيش وطني، ورفع مستوى الشعب، وإنشاء مجتمع ديمقراطي تعاوني، والوحدة العربية، والحياد الإيجابي كانت خلاصة كل المواثيق السابقة، وذروة التطور الفكري والسياسي للحركة الوطنية.

  

ما تبقى من حكاية الثلاثين عاماً

 

وحين نُعيد النظر في هذه المسيرة الطويلة، ندرك أن الحرية في اليمن لم تُهدَ يوماً على طبق من ذهب، بل انتُزعت انتزاعاً، وكلما تفرقت الصفوف، عاد الوطن يدفع الثمن غالياً، وكلما اجتمعت القوى الجيش والقبيلة والطلاب والمرأة والتجار والمهجر اقتربت اللحظة الحاسمة خطوة إلى الأمام.

  

ومن المقاطرة إلى حجة، سقط آلاف الشهداء، ورُزح آلاف الأسرى تحت الأغلال، وسُجنت نساء ورُمل أطفال، وحين أشرقت شمس السادس والعشرين من سبتمبر، لم تكن تلك الشمس وليدة ساعتها، بل كانت حصيلة إرادة شعب قرر ألا يركع، وأبى أن يبيع وطنه بثمن بخس.

  

ونحن اليوم نحيي الذكرى الـ64 لثورة 26 سبتمبر المجيدة 1962م علينا أن نعود إلى جذور النضال ضد الإمامة في اليمن، ومن يريد أن يفهم اليمن اليوم، عليه أن يقرأ هذا التاريخ بعناية، لا كسرد لماضٍ ولى، بل كمرآة يرى فيها الحاضر، وكبوصلة تدلّه على المستقبل.