دعه يكذب.. دعه يمر
بقلم/ سارة عبدالله حسن
نشر منذ: 5 سنوات و شهر و 21 يوماً
الخميس 01 أغسطس-آب 2013 12:23 ص


"دعه يعمل، دعه يمر.. إن العالم يسير من تلقاء نفسه" عبارة أطلقها فنست دي جورناي وقد أصبحت هذه العبارة شعاراً للفيزيوقراط، بل أصبحت شعارًا للفكر الليبرالي بوجه عام.. نفس الشعار اتخذه الفيلسوف والباحث الاقتصادي الاسكتلندي آدم سميث بغرض تحرير الأسواق والتعاملات الاقتصادية، وتحجيم تدخّل الدولة إلى أضيق الحدود في الجانب الاقتصادي، وتوسيع العلاقات الدولية في هذا الجانب. لكن المستفيد من هذا الاتجاه لم يكن الجميع، ومع ذلك فهذه السياسة مرت ونجحت. لا أعرف كيف طرأت على ذهني عبارة (دعه يكذب.. دعه يمر)، وأنا أشاهد السقوط المهني والاخلاقي لعدد كبير من وسائل الإعلام العربية، خاصة تلك التابعة للإعلام المصري (رسمي وغير رسمي)، وكذلك السقوط المدوي لقناة العربية.. لم يعد هناك رادع لكثير من هذه القنوات عن الكذب وتلفيق القصص والصور كذلك، لهجة العِداء والتحريض تعالت لديهم، وأصبحت أقرب لِأن تكون منابر للفتنة والدعوة للعنف، صحيح أن الحياد هو أكذوبة الإعلام الكبرى، لكن كان على هذه القنوات والصحف أن تتحلى بشيء من الموضوعية والمهنية إن لم نقل المصداقية، لكن أن تميل كل الميل لصف لا يُشكّل إلا جزء معين من الشعب المصري مهما كان لن يمثل الأغلبية، ولا تكتفي بهذا الميل، بل تتعداه لتلعب دور القائد المحرّض والمزيِّف للحقيقة، بحيث تنقل للعالم صورة مغايرة تمامًا عما يدور، فهذا هو السقوط الأخلاقي الذي لن يغفره التاريخ لها، فكيف إن تعدى الأمر كل هذا، وصارت الوسيلة الاعلامية شريكة أساسية في المؤامرة، فنجد الجيش المصري هنا يُقدم طائراته لتنفيذ المشهد الذي يخرجه المخرج خالد يوسف ليوحي للعالم بحجم المتظاهرين يفوق الحقيقة بكثير والقنوات المصرية تنقل هذا التزييف والتضليل الاعلامي ! يحاول الجميع هنا التغطية على الحقيقة.. حقيقة ان ما حدث في مصر هو مجرد انقلاب عسكري تآمرت فيه دول خارجية مع الجيش المصري والفلول وبعض المحسوبين على قوى وطنية وثورية معينة لم تجد ان مصلحتها الحزبية أو الشخصية ممكن أن تتفق مع الإخوان بأيّ حال من الأحوال، وارتأت أن المشاركة في الانقلاب سيسهل وصولها للسلطة التي فشلت في الوصول إليها عبر الديمقراطية والانتخابات النزيهة، أو على الأقل سيخلصها ممّن اقتنعت أنه عدوها اللدود. كما يحاولون التغطية على حقيقة أخرى هي أن هناك ملايين مؤيدة لبقاء الرئيس مرسي وترفض الانقلاب على الشرعية.. لا تنقل هذه القنوات والصحف المشهد الحقيقي من ميادين كثيرة في رابعة والنهضة ورمسيس وحول مسجد القائد ابراهيم في الاسكندرية وغيرها من المحافظات، حتى إن سقوط النساء شهيدات في المنصورة لم يستحق من وجهة نظرها أي تعاطف، وكأن دماء من سقطوا ليست مصرية!. ووصلت هذه القنوات لِقمّة بشاعتها في اليوم الذي دعا السيسي فيه شعبه في ميدان التحرير للخروج وكان عنوان هذه القنوات الواضح (مصر تخرج ضد الارهاب)؟؟، أي إرهاب عنته هذه الأبواق المتحدثة بلسان السيسي؟؟.. لم يكن الحديث مركّزًا عما يحدث في سيناء بقدر ما كان مركّزًا حول المتظاهرين السلميين في كل مكان.. كانت هذه الأبواق السيسية تروّج لتفويض للقائد المنقلب ليقوم بالقضاء على الاحتجاجات السلمية بحجة مكافحة الارهاب، وذلك كي يُمهدوا الطريق جيّداً لتمرير الانقلاب.. دعه يكذب إذن، دعه يمر.. أو كما قال جوبلز وزير دعاية هتلر: "اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس"، هكذا تعمل الماكينة الإعلامية الانقلابية الآن دون أدنى شعور من حياء ودون حتى مبالاة في استغباء الجماهير والوقوع في أخطاء فادحة تتكرر منهم مثلما حدث يوم الجمعة الماضية، وهم ينقلون صورًا لمظاهرة قام بها أنصار مرسي، وكان المذيع وضيفه يظنان أنها ضده، وكان الضيف فرحًا وهو يقول: ما شاء الله، وقال كلامًا فيما معناه: وأخيرًا خرجوا.. ثم انتبه هو والمذيع إلى أن المتظاهرين من أنصار مرسي، فقال الضيف متضايقًا عندها، وبالحرف الواحد: دول تبعهم!! "دعه يعمل.. دعه يمر".. سياسة اقتصادية لم تعمل بها مصر يومًا على الوجه الصحيح، وتركت اقتصادها ليعبث به الفاسدون من المقربين للسلطة وغيرهم – طبعًا نحن في اليمن في حال أسوأ بكثير -واليوم هناك من يحاول في مصر أن يمرر بالقوة شعار: "دعه يكذب دعه يمر"، ينقلبون على الديمقراطية ويعزلون رئيسًا منتخبًا ويقتلون متظاهرين سلميين ويصورون للعالم الأحداث بصورة مغايرة تمامًا للحقيقة.. لم ينتبهوا حتى اللحظة متعمدين أو عن غير قصد أننا في عصر المعلومة، حيث أصبح العالم قرية صغيرة ينتقل فيه الخبر بثوانٍ، وكل شخص في الشارع يمكن أن يكون ناقلًا للحدث في لحظته، وأن العقلية المخابراتية التي سادت في مصر الستينيات لن تجدي اليوم أو أن نظام جوبلز الذي ساد أثناء الحرب العالمية وتطبقه الآن الصحافة والقنوات المصرية، ومعهم العربية، والميادين، وغيرها من القنوات المتآمرة أو المؤيدة للانقلاب، لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يصلح أو يمر، ونحن في العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرين.. فإلى متى سيغالط هؤلاء أنفسهم في الاعتقاد أنهم سينجحون؟.