صعدة (2004-2007): هل ينتصر "السلم" على "الحرب"؟
بقلم/ دكتور/عبد الله الفقيه
نشر منذ: 11 سنة و شهرين و 24 يوماً
الأربعاء 27 يونيو-حزيران 2007 05:13 ص

أختلف الطرفان المتصارعان في صعدة خلال فترة المواجهات الأخيرة بينهما في موقفيهما من الدور الخارجي في حل الصراع. ففي الوقت الذي أرادت فيه السلطة أن يقتصر الدور الخارجي أيا كان مصدره على دعم مجهودها الحربي والسياسي والإعلامي بأي شكل، فان الحوثيين ظلوا مصرين على ضرورة وجود طرف خارجي يمثل الشاهد والضامن على التزام كل طرف بما يتم التوصل إليه من اتفاقات. وكان من الواضح ان السلطة لا يمكن ان تقبل بدور إيراني لأنها وبرغم التطمينات والتأكيدات الإيرانية ظلت تنظر إلى إيران على أنها طرف من اطراف الصراع. وبنفس الطريقة فان الحوثيين، وبغض النظر عن المواقف الحقيقية من الصراع لكل من السعودية والولايات المتحدة، قد نظروا إلى الدولتين على أنهما تقفان في المعسكر المعادي لهما. 

وبدت قطر ولأسباب كثيرة فصلها المحامي اليمني المقيم في كندا عادل الذهب في مقال له في إحدى الصحف العربية أكثر الدول قدرة على القيام بدور الوسيط في الصراع اليمني-اليمني. ولعل أهم تلك الأسباب هو أنها تحظى بثقة مختلف الأطراف على الساحة اليمنية. ولذلك طلب النائب يحي الحوثي المقيم في المانيا من دولة قطر التوسط في حل الصراع القائم. ولم يرد القطريون بسرعة على الطلب. ويبدو أنهم قاموا بحملة مشاورات واسعة وتقييم للموقف للتأكد من مسالتين: وجود دعم سياسي دولي (أمريكي على نحو خاص) لتوجه المصالحة واحتواء الصراع، ووصول طرفي الصراع إلى مرحلة الإنهاك والاقتناع بان الحرب التي يخوضانها لا جدوى منها. كما أن القطريين، وكما تقول بعض المصادر، استعانوا بإحدى المعاهد الأوروبية المتخصصة في حل الصراعات للعمل على إعداد سيناريوهات الحل. 

وبينما كان القطريون يقومون بكل ذلك كان النائب يحيى الحوثي، وقد طال انتظاره للرد القطري، يقوم باتصالات استهدفت دول أخرى من ضمنها المانيا التي يقيم فيها. ورغم تأخر الرد القطري الإ انه قد جاء على شكل دعوة للنائب الحوثي لتناول طعام الغداء على مائدة السفير القطري في المانيا. وخلال وجبة الغداء تم إبلاغ النائب الحوثي بموافقة قطر على لعب دور الوسيط في حل الأزمة.

وبدأ الدور القطري في ظل مساندة أمريكية واضحة بدت ابرز ملامحها في التصريحات الأمريكية الحذرة حول الحرب وفي تحول تلك التصريحات مع مرور الأيام إلى تحذيرات من الآثار السلبية للحرب في حال استمرارها. ويبدو ان الأمريكيين وصلوا إلى قناعة بضرورة وضع حد للصراع خوف ان يشجع جماعات أخرى داخل البلاد على التمرد. وقد تم دعوة صالح لزيارة الولايات المتحدة بشكل فجائي ربما ليتم إبلاغه من قبل الرئيس بوش شخصيا بالمخاوف الأمريكية وليطلب منه العمل على احتواء الصراع. ويبدو ان التقارب بين الرئيس والسلفيين، وهو التقارب الذي ربما اقتضته من ضمن أسباب أخرى ظروف الحرب الدائرة في صعدة، وبروز السلفيين كقوة محتملة يمكن توظيفها في مواجهة الحوثيين، قد أثار قلقا بالغا في الدوائر الأمريكية وربما العربية أيضا من ما اسماه الدكتور ياسين سعيد نعمان الأمين العام للحزب الإشتراكي ب"المشروع الطالباني في اليمن." ولا يختلف موقف الأوروبيين، الذين يشكلون الداعم الرئيسي للتنمية في اليمن، عن موقف الأمريكيين من حيث الدعم للمبادرة القطرية وللحل السلمي وخصوصا في ظل مطالبات النائب يحي الحوثي لهم بالتدخل في الصراع.

وظهر من أول وهلة أن كل مقومات النجاح متوفرة للدور القطري. ولتعزيز قوة المبادرة وزيادة فرص النجاح وتقليل احتمالات الإخفاق، فقد لجأ القطريون، وفي انتقاله لا تخلو من الدهاء السياسي، إلى إستراتيجية تتكون من شقين. وتمثل الشق الأول، في التدخل بقوة في البداية وعلى أعلى مستوى دبلوماسي حيث قام صاحب السمو أمير دولة قطر الشيخ حمد بن خليفة ال ثاني شخصيا بزيارة مفاجأة إلى اليمن في الثلث الأول من شهر مايو ثم من خلال الزيارة التي قام بها بعد ذلك صاحب السمو الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس الوزراء وزير الخارجية في دولة قطر. وكان واضحا ومن خلال مستوى الزيارة الأولى والثانية ان دولة قطر قد قررت استثمار رأسمالها السياسي في علاقتها باليمن بالكامل في سبيل نجاح وساطتها ووضع نهاية للصراع. أما الشق الثاني فقد تمثل في حرص الجانب القطري على العمل بعيدا عن الأضواء وبطريقة اقرب ما تكون إلى الدبلوماسية الهادئة والواثقة والساعية إلى ضمان النجاح عن طريق تحييد الأطراف التي يمكن ان تساهم في تعقيد المشكلة وتقليل فرص النجاح. 

وبقي بعد ذلك معرفة الرد السعودي على الدور القطري والآثار التي يمكن ان يتركها ذلك الرد. كان الموقف السعودي خلال مراحل المواجهات المختلفة، وبرغم محاولات السلطة لضمه إلى صفها قد التزام الحياد إلى حد كبير. ولم يتحمس السعوديون كثيرا للاتهامات اليمنية لليبيا وإيران بمحاولة زعزعة استقرار المملكة من خلال دعم الحوثيين، أو لاتهامات الحوثيين للسعودية بدعم النظام والسلفية. وأرسل السعوديون إشارات عديدة إلى مختلف الأطراف بأنهم يفضلون الحل السلمي للصراع. لكن دخول قطر في معادلة الصراع قد أثار كما يبدو بعض القلق لدى السعوديين ربما بسبب الحالة غير المثالية للعلاقات السعودية القطرية. ولعل أبرز مؤشرات ذلك القلق قد تمثلت في العودة المفاجئة للشيخ عبد الله بن حسين الأحمر رئيس مجلس النواب وشيخ مشايخ قبيلة حاشد والذي كان يتلقى العلاج في السعودية إلى اليمن وهو في حالة صحية صعبة بدت ظاهرة للعيان وهو يستقبل الأخ رئيس الجمهورية في منزله في اليوم التالي لعودته ثم عندما ظهر إلى جوار الرئيس في احتفالات عيد الوحدة بمدينة أب. 

لكن التحرك السعودي الموازي خلال مرحلة التدخل القطري كان رمزيا جدا. ومن المحتمل أن الهدف من ذلك التحرك لم يكن لدعم طرف في مواجهة الطرف الآخر أو لإفشال التحرك القطري بقدر ما كان عبارة عن رسالة للجانب القطري بان السعودية تراقب الوضع بحذر شديد وتملك العديد من خيارات الرد إذا ما شعرت بتهديد لأمنها من قبل أي طرف. 

وبالرغم من ان الوساطة القطرية كان يمكن وبسبب الوضع الإقليمي الصعب أن تتحول إلى عامل تصعيد للصراع الإ ان القطريين قد تصرفوا منذ البداية بمنتهى المسئولية والتزموا في وساطتهم بما يمكن ان يطلق عليه دبلوماسية "النوايا الحسنة" حيث لجئوا إلى العمل الهادئ ووظفوا قنوات غير مسيسة. وأظهر القطريون كما يبدو تفهما للقلق السعودي ليس فقط من خلال الطريقة التي تم بها التدخل ولكن أيضا من خلال صياغة نصوص الاتفاق المتعلقة بإعادة البناء وبالدور القطري في العملية. وقد نجح القطريون من خلال ذلك في إخراج وساطتهم في الصراع من دائرة المماحكات. ولم يستعجل القطريون في قطف الثمار. ففي الوقت الذي لم يقبلوا فيه كلمة "لا" من السلطات اليمنية، فإنهم لم يستعجلوا سماع كلمة "نعم." وأعطوا النظام في اليمن الوقت الكافي ليفكر في المسألة وليجرب آخر كروته.

ويبدو ان موقف النظام اليمني من الوساطة القطرية ومن مسألة الحل السلمي كمبدأ قد أتسم بالانقسام الحاد بين جناح "الصقور" وجناح "الحمائم" داخل السلطة في اليمن. وقد أدى ذلك الانقسام إلى إعاقة الحل السلمي لأسابيع. وكان من الواضح ان جناح الصقور، الذي يرى ان الحل العسكري هو الطريقة الوحيدة لوضع نهاية للصراع، قد أكد للرئيس المرة بعد الأخرى ان قوات الجيش والأمن ستحسم المعركة في أيام قليلة، وهو ما لم يحدث بالطبع. 

تقييم الاتفاق

هناك الكثير من الأمور التي تبعث على التفاؤل في نجاح الاتفاق هذه المرة وطي هذا الملف نهائيا. أولا، خاض الطرفان المتحاربان أطول معركة لهما منذ اندلاع الحرب في يونيو 2004 وعرفا بالتأكيد الآثار المدمرة للحرب. وقد أتاح طول الحرب لكل طرف أن يحاول استخدام كل أوراقه. حاولت السلطة، دون نجاح، تصوير الحرب بأنها جزءا من الحرب الدولية على الإرهاب بغية جر أمريكا إلى دعمها في الحرب. وحاولت، دون نجاح أيضا ، إقناع السعوديين بأنها تخوض حرب صعدة لإيقاف المد الشيعي الإثنى عشري المدعوم من قبل إيران وليبيا والذي يستهدف المملكة واستقرارها. وواجهت السلطة معارضة قوية للحرب من قبل أحزاب اللقاء المشترك ولا مبالاة من قبل الكثير من اليمنيين.

ولم تكن حظوظ الحوثيين بأفضل من حظوظ السلطة على الصعيدين الداخلي والخارجي. فقد فشلوا في البداية في رص صفوف اليمنيين والعرب والمسلمين خلفهم في حربهم ضد أمريكا وإسرائيل والتي تبدأ من صعدة، ثم فشلوا في مرحلة تالية في إقناع الهاشميين بان الحرب هي دفاعا عنهم وفي إقناع أتباع المذهب الزيدي بان الحرب يتم خوضها دفاعا عن المذهب في مواجهة المد السلفي والسعودي.

ثانيا، على عكس المرات السابقة فان الاتفاق هذه المرة لم يكن معبرا عن إرادات فردية ولم يتم التكتم على مضمونه. وهذا يعني فيما يعني انتقال المشكلة برمتها من دائرة "الخصوص" إلى "دائرة العموم" وإكسابها بالتالي طابعا وطنيا.

ثالثا، برغم محاولات تدويل الصراع غير الناجحة من قبل الطرفين في المواجهات السابقة الا ان الصراع ظل يتسم بالطابع المحلي البحت. أما هذه المرة فقد أختلف الأمر. فالدور الذي لعبته دولة قطر قد أعطى مصداقية وموثوقية لأي اتفاق يتم التوصل إليه. وكما يبدو فان القطريين وبرغم أنهم لم يظهروا في الصورة بشكل واضح وملفت الإ أنهم يقومون بدور الضامن لتنفيذ الاتفاق من قبل الطرفين. وقد ذهبوا في لعب ذلك الدور إلى الحد الذي قرروا فيه التواجد على الأرض في منطقة الصراع لمراقبة وقف إطلاق النار. 

رابعا، يعتبر الاتفاق الذي تم التوصل إليه أول اتفاق مكتوب بين الحكومة اليمنية والحوثيين وبوساطة دولية. ولأنه كذلك فانه يعني بالضرورة اعتراف كل جانب بالآخر، تعريف الصراع بأنه "تمرد" من قبل الحوثيين وهو ما يساعد على تبسيط عملية الاحتواء لآثاره المختلفة وعلى تحديد التزامات ومسئوليات وحقوق الأطراف المختلفة.

خامسا، بالنظر إلى نصوص الاتفاق فإنها في مجملها قد صبت في خدمة المصلحة العامة للبلاد بتأكيدها على حقوق الحوثيين كمواطنين في الدولة (وقف العمليات العسكرية ضدهم، العفو العام، اطلاق المعتقلين، الكشف عن المفقودين، معالجة المصابين، تسليم الجثث، الحياة المستقرة الامنة، الحقوق السياسية والحريات المدنية‘ إعادة الأعمار) وعلى واجباتهم تجاه الدولة (إنهاء التمرد، الالتزام بالنظام الجمهوري والدستور والقانون، الخضوع لسلطات الدولة، تسليم الأسلحة المتوسطة والثقيلة).

سادسا، نص الاتفاق على "وصول عبد الملك الحوثي ويحيى الحوثي وعبد الكريم الحوثي وعبد الله عيضة الرزامي إلى قطر ودون ممارسة أي نشاط سياسي أو إعلامي معادي لليمن وعدم مغادرة قطر الا بعد موافقة الحكومة اليمنية." وإذا كان النص يبدو كما لو انه نفي للمذكورين من بلادهم الإ انه، إذا كان كذلك، فهو نفي اختياري مؤقت لا يتناقض مع نصوص الدستور أو القانون ومن شأنه ان يساعد كثيرا في إنهاء الصراع واحتواء آثاره. 

سابعا، لعل أكثر نقاط الاتفاق قوة هو النص على تشكيل لجنة من مجلسي النواب والشورى للإشراف على تنفيذ الاتفاق. فلأول مرة في هذا الصراع الذي استنزف البلاد أكثر مما ينبغي يتم إضفاء الطابع الوطني والمدني على المشكلة وتحويلها من صراع بين أشخاص أو جماعات يتم حله خارج مؤسسات الدولة إلى مشكلة وطنية تدخل في صلب اختصاصات مؤسسات الدولة. وقد كان من الطبيعي ان يؤدي اللجوء إلى المؤسسات الوطنية إلى توسيع التمثيل السياسي في عضوية اللجنة وهو أمر له الكثير من الدلالات الإيجابية. 

ثامنا، نص الاتفاق على انه "ستقوم دولة قطر مشكورة بالمساهمة في صندوق لإعادة أعمار المناطق المتضررة وتعويض المتضررين، ويكون هذا الصندوق مفتوحا لمساهمة الدول العربية والصديقة." وما يمكن ان نستخلصه من هذا النص بالإضافة إلى النص الخاص باستقبال قطر لزعماء التمرد هو أن القطريين قد دخلوا بكل ثقلهم في الصراع وأظهروا حرصا كبيرا على حقن دماء اليمنيين ورغبة أكيدة في التضحية من أجل صنع السلام.

فرص السلام

هناك العديد من المؤشرات على ان النظام في اليمن سيطبق ما تم الاتفاق عليه بشأن الصراع في صعدة لإنه يمثل اقل الخسائر بالنسبة له ان كان هناك ما يمكن ان يطلق عليه "خسائر." أولا، يواجه النظام في اليمن الكثير من الاستحقاقات الصعبة. فالأوضاع المعيشية والخدمية المتدهورة وعجز الحكومة عن تثبيت أسعار السلع الأساسية قد أدت إلى ظهور وتنامي حركة مطلبية واسعة يصعب على الحكومة في ظل وجودها ورغم طابعها السلمي ان تمضي قدما في تنفيذ برنامج الرئيس الانتخابي والقيام بالإصلاحات المطلوبة. وفي الوقت الذي تشتد فيه حدة الأزمة الاقتصادية، فان المانحين الذين التزموا بدعم التنمية في اليمن في مؤتمر لندن لن يقدموا أي جزء من ذلك الدعم قبل ان يتأكدوا من نهاية الحرب من جهة ومن المضي قدما في الإصلاحات التي التزمت بها اليمن من جهة ثانية.

ثانيا، سيكون من المكلف جدا بالنسبة للنظام في اليمن وللبلاد بشكل عام ان يتم إفشال الدور القطري (المدعوم من قبل المجتمع الدولي) والذي تدخل بكل ثقله واستثمر الكثير من الموارد وأبدى استعداده لاستثمار الكثير في المستقبل.

ثالثا، أدى استمرار الحرب وطوال الفترة الماضية إلى الآلاف من القتلى وعشرات الآلاف من المشردين والآلاف من المعتقلين. وقد دفع ذلك بالأحزاب ومنظمات المجتمع المدني إلى تبني موقف علني مناهض للحرب والى تزايد الأصوات المطالبة بحل سلمي للصراع. 

ورغم كل ذلك فان هناك الكثير من المخاطر التي تهدد "خيار السلم" والتي لا يتسع المجال لها هنا ولا يخدم استعراضها في الوقت الحالي بناء السلم الاجتماعي.