كي نتجاوز التحديات.!
بقلم/ كاتب/رداد السلامي
نشر منذ: 5 سنوات و 7 أشهر و 3 أيام
الإثنين 14 يناير-كانون الثاني 2013 06:22 م

لكي نجدد علينا أن نوثق صلتنا بالنص أولا الى درجة القدرة على تدبره وفهمه والانفعال والعمل به ، وبالتالي الانطلاق منه في العملية التجديدية لأن التدبر ينتج قدرة تواصلية رفيعة أساسها حضور الجانب الكثيف للروح الامر الذي ينتج المعنى الجديد المنفعل بالنص والمنجذب بقدرته على تحريك الوجدان والفكر..

عندما يتمرد العقل على النص يفقد معنى وجوده لأن العقل لا يمكن أن يحقق صفته المتعقلة الا من خلال النص القرآني والنبوي ، ولذلك فظاهرة تقديس العقل والاهتمام الكبير به في تناول القضايا الفكرية وجعله حاكمًا مطلقًا فيها؛ يعتبر من مكرّسات هذا الواقع الفكري المأزوم..والذي هزم من قبل في معركة الصراع الحضاري ...

الحقيقة أننا اليوم نعاني من اختراقات متعددة قادرة على التكييف والتفكيك باسم الحوار عادة يجري التحوير وباسم التسامح يجري الاستنساخ ، وباسم المساواة تجرى المساومات ، لم نستطع كإسلاميين انجاز المجتمع المتكافل والمتكامل الذي يحفظ ايمان بعضه البعض وقيم بعضه ويتعاون على البر والتقوى عملا بأمر الله ،ولم نصل- خصوصا في بلادنا - الى انتاج الدولة الاسلامية التي تتولى مهمة نهضة المجتمع وتلبية احتياجاته وفق الشريعة الاسلامية وشروطها الإنسانية الأرقى ، التغيير حدث بشكل سطحي والرغبة في التغيير مع عدم تحديد المنطق الصحيح له، وابتعاد النخب الفكريّة تنظيرًا عن الواقع المعاش، مستعلين عن هموم العامة، مستبدين بلغة عالية، مع الاكتفاء بالتأكيد على عموميات دون التنظير للجزئيّات المؤثرة في الحراك الفكري والاجتماعي- ونلحظ العجز الكبير عن وضع منظومة فكرية منهجيّة وسائلية لتحويل القيم والعقائد ومضامين الوحي إلى سلوك اجتماعي سليم- من مسببات ذلك –

في هذه الحالة لابد من تفعيل مصادر قيمنا ، وتنمية دور العقل وترشيد حركته الفكرية على ضوء الشرع كي لا يصبح وسيلة للشر ومرجعية معتمده في انتاجه ، ذلك ان ارتباط العقل بالشرع يعزز من عملية تحسين تعاطيه للوحي ومتطلبات الواقع، وضرورة تأسيس البناء الفكري، والاهتمام بمراكز البحوث وتطويرها، ومراجعة أفكار الساحة غلوًّا وإفراطًا، ووضع خطة وطنية تشارك فيها مؤسسات التعليم كالجامعات والمؤسسات الفكرية للقيام بدورها في الإصلاح الفكري والتربوي. والقول بحتمية تجديد الفكر خاصة الإسلامي منه، واستثمار تكنولوجيا المعلومات كأداة لتعميق الفكر، وإعمال الخطاب الفكري فيما يعود على المجتمع والحراك الفاعل بنماء ونتاج، مع الحفاظ على أمانة الفكر والصدق والوضوح والتجرد، ثم إيجاد أوعية للعمل والنشاط الفكري وتبادل الرؤى وإشراك الشباب، واستثمار المناسبات الفكرية والثقافية لخدمة ذلك، وإيجاد ما اسماه أحد المفكرين الإسلاميين\" فقه البدائل الفكرية \"وضبط مسألة التفكير وفق قواعد فكرية محكمة مع مواجهة معوقات العلاج أو الإصلاح، والمتمثل في الجمود، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، والغلو المذهبي، علاوة على مصادر تثقيف سيئة، وتراجع دور مؤسسات العلم الشرعي، ومحاولات الاستلاب الفكري والثقافي والأدبي، والآثار السلبية للعولمة على الساحة الفكرية.

ويجب تكثيف عملية القراءة والحوار والتشجيع عليهما وفتح مكتبات مجانية تعمل على ترقية المعارف الذاتية وتراكم مخزون القدرات التفكيرية والتعبيرية فالقراءة والاحتكاك المتثاقف بالواقع يمنح أبناء الحركة الاسلامية قدرات فذة في أن يكتب بقوة واقتدار يسد مسامات فكر الأخر ويرخي قدراته العقلية والنفسية. ويوهن تقدمه نحو اختراق الدماغ المسلم ليطعمه بالجدل الفلسفي الكلامي التفكيكي الذي يحمل مضامين فكره وفلسفته .

إذ لابد من اختراق منظومة التفكير التي ينطوي عليها الأخر والتي غالبا ما تخدعنا جمال العبارات والشعارات الأنيقة الجذابة لتحجبنا عن حقائق ما يراد لنا اصلا من خلاله فكره وأدبه وفلسفته ومجمل منظومته الثقافية ومنطلقاته الفكرية .

حياة الإنسان فكر، والفكر إبداع، والإبداع تجديد، والتجديد تجاوز للمألوف، وتجاوز المألوف مخالفة، والمخالفة تحدٍ ، والتحدي ينتج الآخر، والآخر تنوع، والتنوع تعدد، والتعدد يثير الاحتكاك والتصادم، ومن الاحتكاك والتصادم ينبعث البرق نوراً يضيء ظلام الطريق، يتبعه الرعد قعقعةً تخرق الصمت، وعلى نور البرق وطبول الرعد يتحرك الإنسان باحثا عن الحقيقة، والبحث عن الحقيقة حوار، والحوار برهان \"كذلك يضرِب الله الحق وَالباطل، فَأَما الزبد فَيذهب جُفَاء وأما مَا ينفَع الناس فَيمكث فِي الأَرضِ \".

كما يجب أن لا نكتفي بمظاهر التدين الجديد ..لا بد من اختباره واقعيا حتى نفحص مضمونه العميق وهل ينطوي على ايمان بالله حقيقي أم أنه مجرد شكليات تبحث عن النجومية مظهرة التدين ومستبطنة قيم الفكر الغربي بكل توجهاته.

وسبق أن أكدت أننا إسلاميو الحاضر كي نمسك بمواقع التأثير في هذا البلد و كل بلد علينا أن ندرك أن هناك أكثر من جهة تريد ذلك ،وأن تحقيق تقدمنا نحو امتلاك القرار والمستقبل يستلزم منا إيجاد القاعدة التي تمنحنا القدرة على فعل ذلك ، بحيث يكون هناك تناسق إرادات وتكاملها ، تدعم ما نريده وتمنحه الشرعية الكاملة.

لابد من إنتاج الفرد والمجتمع الواعي ، الذي يحمل إستراتيجيتنا ، ولا بد أن تنطلق هذه الإستراتيجية من العقل الجمعي لأمتنا ، وشعوبنا ، ولابد من تحويل الوعي البسيط الى وعي مركب ، أي إنتاج الوعي الاستراتيجي الذي يستطيع معنا صبرا في معركة امتلاك المستقبل ، وحركة النهضة القادمة. ومواجهة مجمل التحديات.