التحذير الكبير
بقلم/ الحبيب علي زين العابدين الجفري
نشر منذ: 6 سنوات و 9 أشهر و 24 يوماً
الثلاثاء 18 ديسمبر-كانون الأول 2012 08:05 م

الحمد لله على كل حال.. ألتمس بدايةً العفو والمسامحة على ورود بعض ألفاظ وعبارات قد تؤذى أعينكم عند قراءة هذه الخاطرة.. غير أن الإنتشار، المؤسف، لهذه اللغة فيما بيننا اليوم جعلها في الغالب غير صادمة للقارئ، والله المستعان وإليه المشتكى.

كثيراً ما نسمع أنواعاً من التحذيرات المختلفة بل المتناقضة من قبيل:

احذروا من اليهود أو النصارى أو الكفار أعداء الإسلام ومن مؤامراتهم التي باتت تتحكم في كل شيء يجرى في العالم عبر الماسونية العالمية ومخططاتها السرية النافذة..

أو:احذروا من الليبراليين والعلمانيين الكفار أو القوى المدنية الماسونية أو الخونة الأناركية عملاء الغرب وفاقدي الانتماء..وأتباعهم من الشواذ والسكارى المحششين ممسوخى الهوية الحالمين بنشر النموذج الغربي الفاسد..

أو: احذروا من الكنيسة ورجالها فهم أعداء الدين والوطن المتآمرون أو المستقوون بالخارج المدعومون لضرب الإسلام، الذين يخططون لتمزيق الأمة.. وأتباعهم المواطنين النصارى الحاقدين على المسلمين، الحالمين بقيام الدولة القبطية..

أو:احذروا من الشيعة الروافض أو المجوس الفرس أبناء المتعة الكفار سابِّى الصحابة أصحاب المشروع اليهودي..وأتباعهم من مرتزقة الصوفية أو طالبي المال والمندفعين خلف خرافة الثورة الإسلامية ليقعوا في العمالة الإيرانية..

أو:احذروا من الوهابية النواصب المجسمة أو السلفيين التكفيريين الجهاديين و«القاعدة» الإرهابيين أو الظلاميين المتخلفين الرجعيين عملاء السلطان..وأتباعهم الفاشلين والبسطاء المغفلين والمندفعين وراء حلم تطبيق شرع الله دون وعى أو الطامعين في البتروريال السعودي..

أو:احذروا الإخوان المتأسلمين القطبيين وأمثالهم من تنظيمات (الإسلام السياسي) ومستغلي الدين للأغراض السياسية أو ميليشيات تجّار الدين الكاذبين اللاهثين خلف السلطة وليس لهم ولاء للوطن..وأتباعهم قطيع الخرفان المندفع وراء حلم الخلافة دون وعى والذين ألغوا عقولهم وسلّموها لبيعة السمع والطاعة في المنشط والمكره أو البسطاء المحتاجين للسكر والزيت والغاز والعلاج..

أو:احذروا الصوفية المبتدعين والقبوريين المشركين أو الخرافيين أو مرتزقة السلطان وحلفاء بني علمان البائعين دينهم لنسخة الإسلام الأمريكى المذكورة في تقرير راند..وأتباعهم من الدراويش والجهلة والفاسدين اللاهثين خلف الرقص في الموالد والتجمع على موائد الفتة والطواف حول القبور.. وعليه:

فلا تستغرب حينئذ عندما تتحول مجتمعات الأمة الواحدة إلى مجموعة أعداء يناضلون أو يجاهدون للقضاء على بعضهم بوهم محبة للوطن أو وهم الجهاد فى سبيل الله.. ولا تستغرب إذا أصبحت النظرة إلى البقاء مرتبطة بالفناء.. فتنازع البقاء يؤدى إلى الفناء.. كما قال شيخنا الإمام عبدالله بن بيه..

إلا أنّ الحذر الراشد مطلوب فقد قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ»..

ولكن.. إذا التزم الحذر صفة (الرشد).. والحذر الراشد لا يحمل صفة التعالي ولا الاحتقار ولا سوء الظن.. والحذر الراشد لا يحمل لغة التعميم ولا الحكم على النيات ولا تبرير العدوان.. والحذر الراشد لا يجعل من الصراع غاية.. ومن الخصومة منهجاً.. والحذر الراشد لا يجعل من الكراهية أصلاً.. ومن البذاءة لغة.. والحذر الراشد لا يحوّل الاختلاف الفكري إلى عداء شخصي وتحريض جماعي..غير أننا مع هذا كله ننسى التحذير من الخطر الحقيقي.. نعم التحذير من الخطر الحقيقي.. فلا نسمع جيداً وبوضوح من يقول:

حذروا ضياع القيم الأخلاقية والمبادئ التى فطر اللهُ الناسَ عليها..احذروا تفشى الغش والكذب والسرقة والظلم..

احذروا استغلال فقر الفقير وجهل الجاهل ومرض المريض..احذروا ضياع الرحمة والمحبة والأخوة الصادقة والألفة الحقيقية.. احذروا تفشى الحقد والكراهية والبغضاء والحسد والانتقام.. احذروا ضياع العلم والمعرفة وثقافة التوثُّق والتثبّت.. احذروا تفشى الجهل البسيط والجهل المركّب والأمية الدينية والأمية المعرفية..

احذروا التخلف عن فريضة التقدم العلمى والبناء الحضارى والاكتفاء الذاتى الضامن لخروجنا من حالة التبعية المهينة إلى مرحلة الشراكة الإنسانية العالمية..احذروا انتشار حالة التأخر والنقص فى المقومات الأساسية للبنية الصناعية والتقنية والطبية والاقتصادية مما يؤدى إلى بقاء الأمة عالة على غيرها.. احذروا تفشى البطالة والإحباط المنتشرَين بين شبابنا الذى يمتلك مقومات نهضة الأمة ومفاتيح رقيّها..احذروا إهمال الشباب وتجاهل وجودهم.. فهم قوة انطلاق الأمة.. إن (احترمنا) عقولهم.. و(آمنّا) بعلو همتهم.. و(أنصتنا) إلى طرحهم.. و(شاركناهم) كل قرار نتّخذه..وجعلناهم في (أولوية) حساباتنا في كل مرحلة نمر بها.. احذروا مواصلة التعامل مع الشباب على أنهم مجرد وقود لمعاركنا، دينيةً كانت أو وطنية.. فنستحلّ ونستحلى تعبئتهم والزج بهم في كل معترك متوهمين أنهم سيبقون أسرى لحماستهم واندفاعهم وراء شعاراتنا وخطاباتنا ومشاريعنا.. فقد بدأ الشباب يعى ويميّز..

احذروا لحظة إفاقة الأتباع.. لأنها ستكون كارثية ومدمرة لمن تُطربهم الهتافات ويروق لهم الحمل على الأكتاف.. بل ستكون مدمرة للقيم النبيلة التي ينادى بها الكبار من كل الأطراف.. وذلك عندما يكتشف التابعون أنها كانت وسائل للاستغلال والتعبئة.. احذروا.. فقد (بدأ) الشباب ثورتَه على هذا الاستغلال وإعلانَه الاشمئزاز من هذه الانتهازية ورفضَه هذا النوع من الوصاية.. وإذا تحولت هذه (البداية) إلى رؤية عامة فلن يستطيع أحد أن يوقف انطلاقتها.. وليس من حق أحد أن يلوم أصحابها..احذروا وصول الشباب إلى حالة انعدام الثقة فى الكبار.. الذين لم يعودوا في نظرهم كباراً..

لأن نتيجة ذلك هي اتخاذهم قرار الانفصال الكلى عن صلتهم بمن سبقهم ليرسموا طريقهم منقطعين عن امتدادهم الثقافي.. وعندها فإن الخسارة ستشمل الجميع..

احذروا الاكتفاء باجترار تاريخ الأمجاد أو الاقتصار على التنظير لرؤى المستقبل الحضارى.. مع الرضا بالتوقف عن (التطور) الثقافي و(الاتساع) المعرفي و(الاستيعاب) العملي لسنّة التغيير.. فالتطوير والاتساع والاستيعاب هو ما يجعل منا حلقة في سلسلة امتداد هذه الأمة وجزءاً من استمرار ارتقائها..

احذروا ضياع تعظيم حرمات كل من الدين والنفس والعقل والنسل والمال.. وتفشى تبرير العدوان اللفظي والجسدي.. والتجرؤ على الأذى والضرب والقتل والتحريض عليه.. بل والأسوأ من ذلك هو محاولة تأصيله دينياً أو تبريره وطنياً.. والتحذير الكبير الكبير الكبير الذي لم نعُد نسمع من ينادى به:

احذروا إغفال تزكية أنفسكم.. وإهمال الصدق في نقد الذات.. وضعف الإخلاص فى معاملة (عالِم السر وأخفى) سبحانه وتعالى.. فهذا هو الخطر الأعظم..

وأخيراً..التحذير النافع هو التحذير الجاد.. المصحوب بالحرص وإرادة الخير.. والصادر عن صدق المحبة والرحمة والرأفة.. «وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ».

اللهم يا رؤوفاً بالعباد آتِ نفوسنا تقواها وزكِّها أنت خير من زكَّاها أنت وليُّها ومولاها يا نعم المولى ويا نعم النصير.. اللهم قِنا شرَّ أنفسنا وسيّئات أعمالنا.. وألهمنا من الرشد ما تُبلّغنا به رضاك فننال سعادة الدارين..

اللهم احفظ شبابنا ووفقهم وخُذ بأيديهم وألهمهم سبيل الرشاد.. يا رؤوفاً بالعباد.