الإرهاب – القاعدة والمماحكات السياسية
بقلم/ د. محمد البنا
نشر منذ: 7 سنوات و 7 أشهر و 26 يوماً
الجمعة 16 مارس - آذار 2012 03:06 م

لا أظن بان أحدا من اليمنيين لم يلحض في الإعلام والواقع ظهور الجماعات المسلحة المسماة بالقاعدة أثناء اشتداد الخلاف السياسي بين الائتلاف الهجين لسلطة المرحلة الانتقالية. في السابق كان ظهور تلك الجماعات رمزيا كإشارات تحذيرية او إعلاميا فقط لاستجداء المساعدات, غير انه في الفترة القريبة الماضية لوحظ تغيرا جوهريا في استخدام هذه الورقة ليس لاستجداء المساعدات بل للتهديد الهستيري والوعيد الجنوني للداخل والخارج في آن واحد, حيث تم تسليم الجماعات المسلحة مدينة زنجبار في محافظة ابين الجنوبية بطريقة مسرحية مضحكة ومبكية في نفس الوقت.

إن تسليم محافظة أبين للجماعات المسلحة لم تكن عملية عبثية للاستجداء او التهديد, بل عملية إستراتيجية مدروسة بعناية وعمق. فمن حيث التوقيت, تزامن التسليم مع اشتداد الثورة الشبابية السلمية وبروز مؤشرات انهيار نظام صالح وعصابته. ومن حيث المكان, فان اختيار محافظة ابين كان متعمدا لاسباب منها:

1- موقعها الاستراتيجي الذي يقسم الجنوب الى قسمين ويرتبط بمناطق شمالية عديدة, تسمح بحرية الحركة والتنقل, إضافة الى قربها من قيادة المنطقة العسكرية الجنوبية في عدن.

2-عدم وجود نظام قبلي معقد شبيه بالمناطق الشمالية قد يعرقل تواجدهم ولا يسمح لهم بالبقاء في مناطق مسلحة. إضافة الى توفر عدد غير قليل من أبناء المنطقة في قيادة المؤسسات العسكرية التابعة لعائلة صالح, يعرفون المنطقة وسكانها. 

ان التحول الاستراتيجي بتسليم الجماعات المسلحة مناطق مهمة بمعسكراتها وعتادها العسكري, يهدف الى تحويلها من مجرد أفراد يظهرون من حين الى أخر عند الحاجة, الى واقع فعلي علني يؤسس لإنشاء قاعدة انطلاق عسكرية مكتملة للانتشار العسكري وتفجير الوضع, حتى اذا سقط نظام صالح كاملا فان تلك القاعدة العسكرية المحصنة والمزودة بكل أنواع السلاح الثقيل يمكنها سريعا تحويل الجنوب الى محرقة عبر انتشارها الفعلي في الفترة الماضية الى المحافظات المجاورة بكل يسر وسهولة وتأسيس مواقع انطلاق في عدن وشبوة وحضرموت ولحج.

ان ما يثير الاستغراب والتعجب في النشاط المحموم والمتسارع لتلك الجماعات في المناطق الجنوبية, هو أنها ليست من يعلن عن نشاطاتها وتحركاتها, بل ان موضوع الإعلان والنشر والترويج ترك للمؤسسات الإعلامية التابعة لجماعة صالح تصيغه بالطريقة المناسبة, متناسية بان هناك متغيرات جديدة في تركيبة السلطة. ففي السابق كانت تلك الأجهزة الإعلامية تتعامل على أنها هي أجهزة الدولة لا تنطق عن الهوى, بل وفقا لمعطيات ومعلومات رسمية مؤكدة, في حين ان الوضع الحالي لا يجعل منها سوى أبواق لارهاب المواطن وإرسال الإشارات التوجيهية لتلك الجماعات بالتحرك. فالمتابع لأخبار الإرهاب والقاعدة والجماعات المسلحة لن يجد صعوبة في اكتشاف ان الصفحات الإعلامية الالكترونية التابعة لأبناء صالح والتي تنتهي بكلمة برس, مثل عدن برس الجنوب برس ظفار برس شبوة برس لحج برس الخ, وكذا حشد نت ونبا نيوز وغيرها الكثير, هي الوحيدة التي تنفرد بالسبق ليس في نشر الأخبار التي قامت بها تلك الجماعات بل والتميز بالتحضير والنشر للأعمال التي سوف تقوم بها تفصيلا من حيث نوع العمل والموقع المستهدف. فعلى سبيل المثال نلاحظ بدأ تلك المواقع الإعلامية بنشر الأخبار عن وصول مقاتلين للقاعدة من خارج اليمن مع تحديد عددهم وهدفهم, ثم تنتقل الى التحذير من عمليات للقاعدة عبر سيارات مفخخة او هجوم على مواقع رسمية او تفجيرات في مناطق بعينها, يتبع ذلك أخبار عن اكتشاف أسلحة والقبض على عناصر إرهابية في مناطق محددة, يليها تفجيرات محدودة تربط بمعلومات عن انتشار وسيطرة ورفع أعلام الجماعات المسلحة في المناطق التي حددتها. في الوقت ذاته لا نسمع من الاجهزة الرسمية مثل تلك المعلومات ولا نرى في وسائل الاعلام الرسمي صورا للمقبوض عليهم والأسلحة التي تم ضبطها, ولا صورا للمناطق التي رفعت فيها الاعلام السوداء للجماعات المسلحة, ولا اية معلومات عن التحقيق او المحاكمة.

لقد تابعنا جميعا منذ تعيين محافظ عدن الجديد, الاخبار التي تنشرها تلك الوسائل الإعلامية عن ضبط شاحنة محملة بالأسلحة في جولة العاقل بخورمكسر, والتفجير في طريق الجسر خلف مطار عدن بخورمكسر, والتفجير في الطريق امام مطار عدن بخور مكسر, متبوعة بأخبار رفع الجماعات المسلحة لاعلامها السوداء في مناطق مديرية البريقة حيث تقع مصافي النفط في عدن. وتزامن تصاعد المطالبات الشعبية بهيكلة المؤسسات العسكرية والأمنية وإخراج صالح وأولاده او محاكمتهم, مع تصاعد الاخبار عن توسع الجماعات المسلحة في عدن وشبوة وحضرموت والتلميح لتوجه سقطرى نحو الانفصال. حيث كتبت صفحة (نبأ نيوز) "قالت مصادر رفيعة ان القاعدة تخطط للاستيلاء على مدينة عدن بعد ان تمكنت من بسط سيطرتها على اجزاء كبيرة من محافظة أبين وتسعى للسيطرة على حضرموت وشبوة والبيضاء... وهناك مئات المسلحين الصوماليين وصلوا للاستيلاء على عدن وغيرها من المدن". وتضيف صفحة يمن بر س ان "تنظيم أنصار الشريعة شكل فرقة انتحارية أغلبيتها يمنيين وسعوديين ومتطوعين أفارقة, لتنفيذ هجمات على منشآت عسكرية وأمنية وحكومية في كل من صنعاء وعدن وعدد من المناطق في البلاد". وتكمل صفحة ظفار برس المعلومات بالاتفاق بين ابناء سقطرى على المطالبة بمكون إداري يحظى بصلاحيات تشريعية، تنفيذية، قضائية, كاملة تعتمد مبدأ فصل السلطات وممارسة السيادة برا وبحرا وجوا, ورسم السياسات الاقتصادية والإدارية, والتفاوض والتعاقد واستلام المنح والهبات مباشرة من المانحين داخليا وخارجيا.

ان المعلومات المنشورة مؤخرا يشتم منها رائحة مؤامرة شيطانية تشير بوضوح الى مخطط إجرامي دموي بشع يستهدف الجنوب ومقدراته الاقتصادية, بسيناريو شبيه الى حد ما بسيناريو تدمير أبين. فمدينة خورمكسر تحتضن مطار عدن الدولي المجاور للواء المدرعات في معسكر بدر, ومدينة البريقة تحتضن مصافي النفط الإستراتيجية وميناء التصدير, المجاورة لقواعد عسكرية بكل ترسانتها العسكرية. وفي الطريق بين مدينة خورمكسر ومدينة البريقة يقع ميناء عدن وميناء الحاويات والمحطة الكهروحرارية لانتاج الكهرباء وتحلية مياه البحر. وكما حدث في ابين فان المقدمات موجودة في اخبار تلك الوسائل الإعلامية ولم يتبقى سوى انسحاب القيادات العسكرية والحكومية من المحافظة ليقوم مئة شخص بإعلان عدن إمارة إسلامية, يتبعها قصف الطيران والبحرية والمدفعية والصواريخ للمطار والمواني والمصافي ومحطات الكهرباء والماء, وترك المحافظة قاعا صفصاف خاوية لمن يأتي بعدهم, علما بان الضرر هذه المرة يشمل اليمن بطولها وعرضها في الكهرباء والنفط والموارد.

إن العداء الفاجر والواضح للعيان بين المؤتمر والإصلاح هو السبب الرئيسي لكل المآسي التي يعيشها الشعب اليمني كاملا, فلو كان لدى هذين الحزبين قليلا من أخلاق او وطنية او إيثار لمصلحة الوطن والشعب, فلن يتأخروا عن الخروج من الحياة السياسية الدامية وترك السلطة لجيل جديد من الشباب غير ملوث بملفات الماضي الأسود لكليهما, حتى تنعم اليمن بالهدوء والاستقرار والسكينة وتتجه نحو البناء. فهل هم فاعلين؟