الى اين يمضي علي المُقري؟
بقلم/ د.عبدالمنعم الشيباني
نشر منذ: 7 سنوات و 5 أشهر و 12 يوماً
الخميس 08 مارس - آذار 2012 05:14 م

اتصل بي البروفيسور الهندي المتخصص في الادب- وخاصة الرواية- قال لي هل قرأتَ جريدة (ذا هندو)-معناها بالإنجليزية "الهندوسي"- لهذا الصباح؟ هناك مؤتمر ادبي اكاديمي سينعقد في نيودلهي، سيحضره روائي من اليمن اسمه مستر علي المُقري.. اريد ان ادرس اعمال هذا الكاتب وخاصة روايته "اليهودي الوسيم" : قال لي البروفيسور.. قلتُ: انه صديقي، قال البروفيسور: ريالي (حقاً؟).. قلتُ: نعم سيدي، علي المقري كاتب روائي من اليمن وشاعر ايضاُ وكتب روايتين شهيرتين نالتا حضوراً في أوساط القراء والمتابعين خارج اليمن هما: (اليهودي الحالي-او اليهودي الوسيم) ورواية عن الاخدام في اليمن (رائحة سوداء.. طعم اسود)..

تشرفتُ بتغطية خبر حضور الروائي علي المقري المؤتمر بالعاصمة الهندية دلهي وكان قبلها قد شارك بورقة عن الربيع العربي في مؤتمرٍ عالميٍّ في نيويورك للاستماع الى افكار الأدباء العرب الذين يمكن ترجمة اعمالهم الى الانجليزية بالتحديد كمشروع يقدم الادب العربي للقارئ الغربي ومن هؤلاء علي المُقري وهشام شرابي ومنصورة عز الدِّين.

الكاتب الروائي علي المقري إنسان فريد ذو فكر علماني إخواني يساري شيوعي صوفي وتحرري من غير حدود، يكره التصنيف والقولبة الايديولوجية والفكرية الضيقة، يبحث عن الانسان الجميل في هذا الكون،الانسان الذي لا يؤذي شعور الآخرين ولا يتدخل في خصوصياتهم، قال لي علي المقري بعد ان سألته عن تجربته النفسية في كتابة روايته عن الاخدام آنفة الذكر.. (قرأتُ يا أستاذ علي انك تقمصتَ شخصية الخادم..) قال: "نعم انا خادم حين كتبتُ الرواية، كانت مهمتي ان اترجم شعور الاخدام وحين عرضتُ روايتي على شيخ الاخدام قال لي يا استاذ علي اشعر انك واحد منا".. الخادم انسان ومهمة الكاتب ابراز شخصية هذا الإنسان، ولاعجب، قال لي علي المقري: انا عشتُ في عصيفرة بـ تعز قرية الاخدام فترة طويلة، انا إنسان بسيط، اريد ان أرى الإنسان في اسمى رقيه الإنساني.

اخذ علي المُقري يشرح لي ان الايديولوجيات فهمها الناس خطأَّ واحتربوا بفهم مغلوط ، غلفوها بغلاف التعصب والعنف وسوء الظن بالآخرين :( يا أخي انا لستُ ضد الإخوان المسلمين ولامعهم، ولكن من يأتني اليوم برجل عظيم مثل حسن البنا الذي ان عطس بالقاهرة تشمته الاسماعيلية...؟ هل تعلم ان اول من كتب عن شخصية حسن البنا المفكر المصري الشيوعي رفعت السعيد... اعطني الانسان ولا أحب التصنيف... ربما يقال لك فلان شيوعي وفلان يساري معادٍ للدين .. انا كل الايديولوجيات ولكن مع لغة الإنسان الراقي الذي يحترم حرية الآخرين انا مع تعامل راقٍ يجل الإنسان ويحترم خياراته).

اخجلني علي المقري الذي يرفض بشدة ان يجعلك تتصل به أنت، بل هو يسارع الى الاتصال بك ويشتري ( كرتاً جديداً مخصوصاً) ليهاتفك بلغة الإنسان الأديب الراقي، لا يحب الشهرة، ويستحيي ان كتبتَ عنه ويرجوك الاتفعل ذلك، ومع ذلك هو مطلوب في الهند على الاقل لدراسة اعماله الروائية، بالإضافة الى أعمال زيد مطيع دماج ومحمد عبد الولي، علي المقري كاتب واعد عالمياً شد انتباه المتابعين الغربيين الذين بدأو بترجمة أعماله الى الانجليزية والفرنسية والايطالية شأنه اليوم شأن البروفيسور اليمني الروائي المرشح لجائزة نوبل البروفيسور حبيب عبد الرب السروري.. (الى اين يمضي علي المقري؟)

من قصيدة للشاعر علي المقري :

رسمنا جبلاً فاخضرَّ في بناته الكلام

رسمنا طائراً بلا قفص فطار

رسمنا امرأةً تشهق مبتلَّةً لا تنام

رسمنا شارعاً أنسكب في أيّامه الزِّحام

رسمنا ظِلاً يهرب من ظلام

إلى أين نمضي ؟

يقلعُ قلبه

قبل أن يجفَّ مَكْمَنُ الخيبات

ويلهث بعدَ قطعةِ ندم

إلى أين يمضي الولدُ ؟

من طوابق اللَّيل

تفيض ابتسامتها خضراء

وتنسكبُ في شقوق الكلام

إلى أين تمضي البنتُ ؟

كأنَّ أحجاراً ميّتةً بَقِيَتْ في ممرَّاتنا وواصلنا

التعثُّرَ فيها.

كلّما اقتربنا مسافةَ رعشةٍ مضينا في بُعدٍ تَطَاوَلَ فينا

مرّةً أخرى نُحاولُ أن نلمسَ أحجارَ

قلوبنا التي اسْودّتْ كفحم الكلام

إلى أين نمضي يا رفيقة ؟

تنزفُ الإشاراتُ من أصابعه

هنا كان يمضي

هنا مضى

إلى أين يمضي ؟

يُمكِنُ للشَّمس أن تُصبح رمزاً للكوليرا

والنجمة رمزاً للطاعون

أو.

لن تكونا رمزي أيَّ شيءٍ

إلى أين نمضي يا رفيقة؟

يبدأ أوهَامَهُ قبل غروب الخيل في القصيدة

تتعب الخيلُ من الرََّكض في القصيدة

إلى أين يذهب هؤلاء الجياد ؟

تكنس المقاهي مواعيدَنا

فنمشي إلى طريق مسدود بالمحاولات

نجلسُ على كَتفيِّ الطريق

لم نسأل.

أو ننتظر

لم نتبادل أيَّ شيءٍ

لم نحاول أن نحاول

إلى أين نمضي ؟

تلمعُ الجنِّياَّتُ في الليل إذ يهبطنَ

من أفواه الجدات التي ظلَت فاغرةً

إلى الآن.

إلى متى ؟

العينان ستمتدَّانِ إلى نهايةٍ متوقعة

إلى.. .. ؟

صباحٌ مُوغلٌ في الوحشةِ

تشُدّهُ أشجانُه إلى أيّام كانها رمزاً

فينفلتُ في ارتعاشاته خجلاً

ويسيل

إلى أين تمضي يا..؟

الجدار ُ أقرَبُ الطرق التي تؤدِّي إلينا

والمراثي أبقى من الأصدقاء

إلى أين مضينا ؟

ما بيننا مسافة طلقة وحروب خضراء

حريق الأيّام المكسّرة

يضيءُ حطب الأوهام في البال

إلى….؟

ضيّع أصابعه في الإشارات

ولا أحد أشار إليه

أين يمضي ؟

قطّع الأعيادَ على نفس

ولم ينس راس السَّنة

يمضي إلى أين ؟

المرارة مرّت هكذا

وبعد سنوات قصيرة

مررنا نحنُ

نحن إلى أين نمضي ؟

غرفةُ من الإخوان

كي نهدأ

مسبحةٌ من القنابل

كي ننام

إلى..؟

صنعاءُ عجوزٌ مراهقةٌ

محجَّبةٌ بالله والقبيلة

قامةٌ من الرَّصاص

ليلٌ مسلَّح

إلى أين تمضي ؟

صفَّقتُ لك في الأشياء كي نحيا

والمرّة الثانية كي نحاول أن نحيا

والمرّة الثالثة كي نحاول

والمرة الرابعة كي نحاول أن نحاول

نحن إلى أين نمضي ؟

تعصرني الحلماتُ

لتسكبني لزُوجةً بين أفخاذ تؤدّي

إلى شهقةٍ تُفني

وشهقةٍ تُعيد

يُربِكُني التعرُّجُ

فأنفلتُ مقسوماً عليَّ

علي. إلى أين تمضي ؟

الثلاثون التي في المفكّرة ليست عمري

ولا أنا في البطاقة أنا

الثلاثون التي شَهِدَت عليَّ

وزوَّرتْ أصابعي

الثلاثون التي استبدلتني بندمٍ

الثلاثون الثلاثون

إلى أين يمضي علي المقري ؟

****

*شاعر وناقد يمني مقيم في الهند