مأرب.. أبين.. الضالع.. على غير العادة
بقلم/ رأي مأرب برس
نشر منذ: 8 سنوات و شهر و 5 أيام
الثلاثاء 15 يونيو-حزيران 2010 07:14 م

بدت الأوضاع الأمنية والسياسية في اليمن على نحو من التداخل المريب بين شماله وجنوبه, ففي الوقت الذي تستهدف فيه طائرة مجهولة الهوية حتى اللحظة الشيخ جابر بن علي الشبواني, وترديه صريعا نهاية مايو المنصرم, نجد الدولة تقوم بعدتها وعتادها على قصف منازل المواطنين العزل بوادي عبيدة بمحافظة مأرب؛ بحجة البحث عن تنظيم القاعدة, وهذا الأخير وجد لنفسه متسعا, بغرابة, وأعلن أنه هو من استهدف الشبواني وقال فيه ما لم يقله مالك في الخمر .

وجنبا إلى جنب راحت الدولة أيضا لتدمر مدينة الضالع بأكملها سكانا ومساكن لتضع كل شيء أمام فوهة المدفع مباشرة دون رادع من ضمير, أو دين أو عرف أو حياء أو خجل, فحصدت خمسة قتلى وما يقارب خمسة عشر مصابا, وبعدها بأيام قلائل أسقطت عشرة جرحى, ما يعني أن الموت هناك أصبح مدعاة للتسلية واستعراض القوة .

صحيح أن ردت فعل قبائل عبيدة على مقتل الشبواني كان عنيفا, إلا أنه كان متوقعا, إذ أن البادي في عرف القبيلة أظلم. وكان الجميع ينظر على أنها غيمة وسينقشع غبارها فور تحكيم العقل وتدخل العقلاء, إلا أن أطرافا من هنا وهناك كانت قد أعطت للعقل إجازة منذ زمن, ولم يعد أمامها إلا التصرف بعنجهية حمقاء وخرقاء لا تعرف سيادة لأرض, ولا حرمة لدم مسلم, ولا كرامة لإنسان ولعلها أطرافا متغلغلة في الدولة, وأدمنت إثارة المشاكل والتسلي بالحروب, وبناء المجد على أنقاض الضحايا .

وعلى رقعة اليمن الواسعة, وبالقرب مما يذكر بحادثة الشبواني - الذي قالت أجهزة في الحكومة إنه راح ضحية ضربة خاطئة, وتوعدت على أثرها تنظيم القاعدة الذي لم يقصر معها وراح يعلن مسئوليته بكل سهولة وبإيعاز ربما - فجعنا ودهشنا من المعلومات الجديدة التي تناقلتها وسائل إعلامية عن الضربة التي استهدفت منطقة المعجلة بمحافظة أبين وهي ما قالت عنه الحكومة حينها انها أوكارا للقاعدة والتي تراجعت فيما بعد لتعترف أنها كانت خطأ فادحا أودى بعشرات المدنيين بينهم نساء وأطفال, تلك المعومات أظهرت أن العملية لم تنفذ بواسطة الطائرات فقط, ولكن كانت هناك بقايا حطام لصاروخ (توماهوك) أمريكي الصنع لا يطلق إلا من على ظهر سفينة أو غواصه إضافة إلى قنابل عنقودية, وهذا لا يضعنا في مسألة اللامبالاة في حياة اليمنيين من قبل نظامهم فحسب, بل ويضعنا أيضا في دائرة انتهاك السيادة اليمنية من قبل سلاح الجو الأمريكي الذي بات يعبث بما يريد دون أي رادع .

وفيما يتعلق بمأرب تلك المحافظة التاريخية الذي تخطئ السلطة ومعها الأمريكان في توقعاتهم بأنها وزريستان ثانية؛ لأن تاريخها يضرب في الأعماق، وقبائلها تختلف عن مثيلتها في باكستان. فالقاعدة لم تجد لها نصيرا في مأرب سوى قلة قليلة من الشباب لا يتجاوزوا الـ15 شخصا، والسلطات في صنعاء ترفض إلا أن تكون مأرب مأوى لها .

وما تم خلال الأسبوع الماضي من مواجهات بين السلطات وقبائل عبيدة بمأرب بعد مقتل العميد الشائف وتفجير لأنبوب النفط هو المتوقع؛ لأن (لكل فعل ردة فعل مساوية له في القوة ومعاكسة له في الاتجاه)، ولأن قصف منازل المواطنيين الأبرياء عمل وحشي ومرفوض في جميع الأعراف والأديان، وعلى السلطة التيقن أن ليس لدى البدوي في صحراء مأرب ما يفقده، فيما لديها كثير من المصالح والمنافع على تلك الصحراء التي قد تمكنه من لوي ذراعها .

وعلى الدولة أن تعلم أنها إن تمادت في أعمالها الصبيانية الطائشة, فإنها بذلك تضع موضع قدم للقاعدة في حاضنة القبيلة؛ لأن من شأن تلك الأعمال العسكرية بث السخط وروح الكراهية والحقد على السلطة، وكسب القاعدة تعاطف هي في حاجة ماسة له خصوصاً وسط الشباب العاطل عن العمل .

وعناصر التنظيم المطلوبين للأجهزة الأمنية يمكن الحصول عليهم واصطيادهم بطرق أكثر دقة وأمناً، ولا داعي للطائرات سواء بطيار يمني لا يستطيع تحديد الهدف أو بدون طيار أمريكية الصنع دأبت على إراقة دماء الأبرياء سواء في العراق أو في باكستان أو في أفغانستان وأخيراً باليمن .

والعجيب في الأمر التصريحات الأمنية التي كشفت أمراً جللا مفاده أن القاعدة استطاعت قتل 37 مسئولا عسكريا من ضمن قائمة تضم 40 مسئولا، وهو تصريح يعطي القاعدة نصراً معنوياً وهالة إعلامية قد تزيد عن حجمها، ويثبت أن القاعدة هي من تتحكم في قواعد اللعبة، بل إنها تستطيع الوصول الى أهدافها بكل دقة، وتبعث برسالة مفادها "لا أحد بعيد عن سهامنا"، وفي الوقت التي استطاع فيه التنظيم حماية عناصره ، لم تستطع السلطات من حماية مسئوليها الأمنيين مما يثير الخوف لدى البقية منهم .

وعلى السلطة ان تتيقن ان كلما زادت عثراتها وأخطائها في مأرب او ابين او الضالع او أي محافظة بالجمهورية فأنها بذلك رقعة الغضب والسخط تزداد .. وهي بذلك تؤلب أعداء جدد.

فلابد للسلطة أن تعمل جاهدة مع حلفائها من مشائخ وعقلاء مأرب على إيجاد حل للمشكلة القائمة بعيدا عن لغة السلاح والعنف، والبدء في مد يد الحوار مع تلك العناصر المغرر بها، برغم صعوبة الأمر خصوصاً بعد مقتل الشبواني؛ لأن الثقة انعدمت بينهم وبين السلطة التي لم تتورع من التضحية بأحد أهم عناصرها في مأرب .