بالعدني .. أحلى
بقلم/ سارة عبدالله حسن
نشر منذ: 6 سنوات و 7 أشهر و 11 يوماً
الخميس 09 فبراير-شباط 2012 07:22 م

من حسن الحظ أن ليلة رأس السنة صادفت وجودي في عدن .... يومها قررت أن لا أضيع الفرصة في الاحتفال بهذا اليوم في أفضل مكان عند أهل عدن ... على البحر ...

....

طبعا لست من أولئك المغرمين بالاحتفال بأعياد النصارى - كما يسميها البعض – ولكني من أولئك الذين يتصيدون كل المناسبات للاحتفال ، ولو كان الاحتفال فقط على شمعة واحدة و كأس شاي بالحليب محضر بعناية على الطريقة العدنية ، و سيكون من الأروع لو خالطه شئ من الشقاوة وقمنا بإشعال الألعاب النارية التي تزين السماء بالألوان والتي صارت منتشرة في عدن بكثرة لدى الصغار قبل الكبار، والمهم في الاحتفالات كلها هو الشعور بالبهجة والحبور واستراق لحظة من الزمن رغم انشغالاتنا أو همومنا لنروح عن أنفسنا باستغلال المناسبة .

ولم أكن لأجد أنا و أسرتي شئ أجمل من الاحتفال برأس السنة على الطريقة العدنية ، صحيح تغيرت ملامح الاحتفال بهذا اليوم عن الماضي فلم يعد الطلاب مثلا يحضرون الى المدارس محملين بالجاتوهات والحلوى وكل ما لذ وطاب من أصناف الطعام وينهون دراستهم بعد الحصة الثانية ويبدأون في تشغيل آلات التسجيل بمختلف الأغاني و تزيين الفصول بورق الكريشة و كل أدوات الزينة ، كما لم تعد كثير من الأسر تحتفل ليلا بهذه المناسبة لاكتشافهم فجأة ان هذا العيد بدعة من بدع الزمان.

لكن مع ذلك مازال يحلو للبعض منهم الخروج ليلتها للشواطئ والمتنزهات للاستمتاع – على طريقتي – بهذه المناسبة شأنها شأن كثير من المناسبات ، أما الاحتفال على الطريقة العدنية التي حالفني الحظ و أسرتي للاستمتاع بها على البحر ، فكان هو أن يجاورنا في المكان مجموعة من الشباب في سن المراهقة يزيد عددهم عن العشرة ، قرروا يومها أن يبدأوا احتفالهم بممارسة كثير من الألعاب العدنية التراثية الجميلة مثل : من كبته طيار ، بيع التيس ، وغيرها

ألعاب كنا نلعبها صغارا وكنت أشعر بأسف شديد لاندثارها وعدم معرفة أطفالنا بها أو ممارستها ، و قد تفاجأتكثيرا بأن أولئك الشباب يتذكرون هذه الألعاب جميعها بل وتعلمت منهم لعبة قديمة لم أكن أعرفها من قبل كانوا يسمونها ( ليش تبكي يا سلوى ) والتي جذبت ابنتي الصغيرة لتشاركهم لعب دور سلوى هذه .

كان المكان ممتلئ بالعائلات و شباب آخرين ، و كم كنت سعيدة عندما لم ألحظ فيهم من يدخن سيجارة أو يحمل شيشة أو يتعاطى القات .

هؤلاء الشباب ذكروني أيضا بشباب و شابات في مقتبل العمر ، قابلتهم قبل أيام عندما حضرت حفلا أقامته جمعية الاحياء الشعبية بالشراكة مع مؤسسة تنمية القيادات الشابة ، لقد لاحظت ان لدى شبابنا مشاريع صغيرة ملفتة و أفكار خلاقة ، منها مشاريع تتعلق بتقنيات حديثة ، لكن ما لفت انتباهي اكثر تبني أحدهم لفكرة مشروع من تراثنا ، لقد كانت فكرة الشاب أن يفتتح مخبزا لعمل ما كان يعرف في عدن بخبز – الموفا – وكانت منطقة مصعبين مشهورة ببيع الألذ منه .

هذا الخبز لم يعد موجودا في المدينة و هو صعب التحضير بكميات كبيرة لكن كثير من الأسر لازالت تتوق اليهو لقد تهافت الحاضرون على شرائه من الشاب الذي أحضر كمية منه كنموذج .

 

شباب عدن الذين يعانون من الظروف الاقتصادية الصعبة التي تكاد تفتك بالبلاد وترتفع نسبة البطالة بينهم بدرجة مخيفة ، مخالفون تماما للصورة المشوهة التي تحاول أن تلصقها بهم بعض أبواق النظام من انهم شباب – محببين – يتعاطون الديزبم أو ما يعرف بحبوب القذافي المخدرة و من أجلها ممكن أن يشاركوا في اي أعمال فوضى أو المشاركة في اي تظاهرة ولو لم يكونوا مقتنعين بأهدافها ، صحيح هناك نموذج ملحوظ من هذه النوعية لكن في الجانب الأكبر هناك شباب مجتهد لايستسلم للضياع ، حتى الشباب المشغولين بدراستهم وأعمالهم وجدناهم يستغلون أوقات فراغهم في أشياء مفيدة وقد لفت نظري المعرض الاول الذي أقامه شباب نادي عدن للتصوير وكم أذهلتني اللقطات الفنية المبدعة التي وجدتها في المعرض والتقنيات المستخدمة في بعض الصور خاصة أن جميع المشاركين من الهواة ، هؤلاء الشباب ينقصهم فقط التشجيع والدعم المادي والمعنوي على كافة الأصعدة و نعلم ان النتيجة فعلا ستكون مذهلة .

الأمر ينطبق أيضا على شباب باقي المحافظات ، أتذكر قبل قيام الثورة بحوالي عامين كنت أحضر لبرنامج تلفزيوني – لم يتم لعدم توفر الدعم – وكان من ضمن أهدافه تقديم الدعم للشباب ، و قد أشتركت معي بعض الأخوات في جمعية صناع الحياة في زيارة بعض الأسر المحتاجة للدعم والاطلاع على أوضاع الشباب حينها وقد لاحظت قلق بعض الأخوات في الجمعية من نشؤ ظاهرة جديدة بين بعض طلاب المدارس وهي تعاطي الحبوب المخدرة ، ولقد أصبت أيامها باكتئاب شديد بسبب ذلك وقلت على المستقبل السلام اذاً .

لكن عندما قامت الثورة وجدت أن الصورة الحقيقية لشبابنا وما يجب أن يكونوا عليه مخالف تماماً لما كنا نخشاه ، ومثلما فاجئ الشباب المصري شعب مصر ، فاجئنا شبابنا أنهم ليسوا جيل ثامر حسني وبنطلون طيحنيوالشعر المنسدل على الأكتاف كما كنا نعتقد ، هناك في الصورة وجوه أخرى ... حفظة للقرآن و أطباء ومهندسون وطلاب جامعات استقبلوا الموت بصدور عارية من أجل الحرية والكرامة ، وجميعنا نعلم أن شهداءنا الذين سقطوا ولازالوا يسقطون خلال الثورة و من قبل ...خلال الحراك السلمي في جنوب اليمن ، كانوا جميعهم من خيرة شبابنا.

لقد كنت أتألم في بداية الثورة عندما كنت أخرج من ساحة التغيير و أتجه إلى منطقة حدة مثلا لأجد عدد كبير من الشباب اللاهي بشؤونه والذي لا يبدو انه يعي ما يدور حوله ، بعضهم يمرح في المطاعم والمتنزهات ، بعضهم شغله الشاغل معاكسة الفتيات ، وكم كنت أسعد عندما أعود للساحة فأجد رغم ذلك أن أعداد الشباب هناك في ازدياد ، ولعل أكثر ما يبعث على التفاؤل خلال هذه الأيام أن شارع حدة والمطاعم والمنتزهات - التي خف الإقبال عليها - لم تعد مزدحمة كما كانت بالشباب اللاهي بشؤونه ، وتفاجات عندما دخلت سوبرماركت شهير وسمعت فيه أنشودة الأضرعي الشهيرة – ارحل – تملأ أرجاء المكان و عدد من الشباب الذين كنت أحسبه مخطئ من مظهرهم – جيل ثامر حسني و بنطلون طيحني – كانوا يرددون بحماسه بعد الأضرعي قائلين : ارحل ..ارحل .

اليمن الجديد الذي ننتظره لن يكون أبدا كما نريده اذا لم يستوعب الشباب جيدا و لم يمكنهم من المشاركة في بنائه وإدارته .

الاستهانة بالشباب و التعامل معهم بعقلية النظام القديمة يعني أن القادم سيكون أسوأ بكثير من الوضع الذي خرجنا في ثورة عليه .

 

ثقوا بالشباب فهم قادرون على صناعة المستقبل بعقلية تسبقكم كثيرا يا من تحاولون كبح جماحهم ، و هم أيضا أقدر منا و منكم على استنباط الأفضل من تاريخنا و ثراتنا الحافل بالدروس والعبر.

.........

بالعدني أحلى ... صفحة فيسبوكية مميزة أنشأتها مجموعة من شباب عدن ، يسجلون فيها كل ما يتعلق بعدن من عادات وتقاليد .... أزياء ..طعام ..العاب ..معالم تاريخية وسياحية ...الخ ، كل شئ ما عدا السياسة التي يدركون أنها لو دخلت الصفحة لعكرتها كما عكرت السياسة عدن و ضيعت حقوقها و حقوق أبناء اليمن كله .

وبرغم معاناتهم واحباطاتهم ينظر شباب عدن الى المستقبل بتفاؤل ، يرون أن الأحلى لم يأت بعد ... لكنه قادم بالتأكيد ، ربما لا يشاركهم بعض الشباب الرأي نفسه ، تدخل السياسة هنا لتلعب دورها في تكدير رؤيتهم ، ولهم أقول : انظروا لها بعيون عدنية .... بالعدني أحلى .