ساسة اليمن !!
بقلم/ د. أحمد الدبعي
نشر منذ: 7 سنوات و 11 شهراً و 26 يوماً
الأحد 11 ديسمبر-كانون الأول 2011 03:53 م

سرقت السياسة وهمومها معظم جهد وطاقة نخب الشعب, وكأن اليمن اللاعب الدولي الوحيد في السياسة الدولية وأن الكون سيتوقف لو غفل عنه سياسيو اليمن برهة !!.

 لقد نجم عن هذا الخلل البنيوي تخلف اليمن المزمن في الجانب الإقتصادي والتنموي...

تابعت تشكيل حكومة المشاطرة بين المعارضة والمؤتمر, وكنت أتمنى على المؤتمر أن يدفع بوزراء أكثر تقبلاً وكفاءة. مازلنا نرى شيخاً وزيرا وعديمي خبرة ومؤهلات يصبحون وزراء, فقط لأنهم محسوبون على مراكز قوى تحالفت مع النظام وأدى فشلها إلى وضع كارثي. لماذا لا يكون المؤتمر صادقاً مع نفسه ولو مرة واحدة ويعترف بفشله في إدارته للبلد..المؤتمر قد لا تنقصه الكوادر لكنه يدار كقبيلة وليس كحزب !!!

آلمني تغيب شباب الثورة في صناعة القرار, كان من الأجدى تخصيص بضع وزارات لثوار الساحات..شبابنا أبهروا العالم برقيهم, ووزير الشباب الجديد هناك شكوك حول مؤهلاته وتم تعيينه على الطريقة الصالحية السحرية !! إن هذا استفزاز صارخ لشباب الثورة والساحات.

أما وقد تشكلت حكومة باسندوة , نطالب هذه الحكومة ألا تبدأ القصيدة بكفر كسابقاتها. نطالبها بإجراء بسيط وهو أن يتم إقرار الذمة المالية لكل أعضائها ومنع كل الوزراء من مزاولة أعمال تجارية ومهام خاصة تتعارض مع مسؤولياتهم الجديدة. ونريد من الحكومة أن تبين للشعب أهدافها بأرقام لا أن تقتصر مهامها بالتسول باسم الشعب !!!!

عند الحديث عن الثورة اليمنية تتدافع تساؤلات جمة حول ما آلت إليه الأمور..

السياسيون يدورون في فلكهم والعسكريون لهم دروبهم والشعب الثائر يقف حائراً أمام مفترق طرق ومسالك معقدة..لكن المتأمل والناظر بعمق إلى جوهر المشكلة ومعوقات الإنجاز الثوري في اليمن سيينتهي به المطاف إلى أن ثمة سببٍ جوهري يقف وراء كل هذا اللغط وهذا الإحتقان الثوري.. ببساطة متناهية يكمن الداء في الإقتصاد الهش المعجون بالفساد ومنظومة العلاقات اليمنية الشاذة مع الخارج والتي ترقى إلى درجة الإنتداب ! هذه العلاقات التي وظفها النظام لصالحه لإقصاء الشعب وإرهابه.

ندرك أن أطرافاً خارجية بعد أن دعمت نظام صالح عسكريا وماديا وراهنت عليه طويلاً لديها اليد العليا فيما تمر به اليمن اليوم. نحن أمام مشكلة عمالة وارتهان بغيض, فقد أدى فشل صالح الإقتصادي إلى إدمان الهيكل الإداري للبلدعلى أموال السحت والصدقات التي تجلبها حكومة المؤتمر, ليس لقلة موارد البلد ولكن لإن أموال ومصادر الشعب تضخ في قنوات البنك المركزي السويسري وغيرها من بنوك الغرب..بينما البنك المركزي اليمني في خصام نكد مع مقدرات اليمن وموارده. 

..نعم ان لصوصية النظام والتبعية الدونية للخارج هي أم المشاكل في اليمن..كنت أتألم بحرقة عندما أشاهد التلفزيون اليمني ورئيس الدولة يفتتح مدرسة ابتدائية على نفقة اليابان وترميم مستوصف على نفقة هولندا والشعب يصفق والإعلام يفتخر بمنجزات الريئس الرمز!!!..لا تجد كلمة في نشرات أخبار اليمن أكثر تكراراً من كلمة "ممولين" ..إنها قمة الدونية. لكن هذه نتيجة طبيعية لإقتصاد وطني بحجم ميزانية أسرة في دولة مجاورة..!! لقد فشل صالح بشكل مريع في تحفيز وتنمية الإقتصاد, بل أدى حكمه الفاسد إلى عزوف رأس المال المحلي والأجنبي عن اليمن.

..يتم كل هذا في الوقت الذي يتم فيه تحويل مليارات الشعب من النفط والغاز والمعادن والأسماك إلى أرصدة النظام في الخارج!! صالح ونظامه رفع يده باكراً عن التزاماته التنموية..فنحن البلد الوحيد في العالم الذي تعج به الموارد ولا توجد فيه طريق واسع وسريع بين أي مدينتين فيه !! نعم صالح أوجد طريق سريع واحد في اليمن , هو طريق اليأس والموت وهو أسرع طريق في العالم !!

نحن البلد الوحيد في العالم الذي يصدر غاز ونفط وطاقة انتاجه من الكهرباء أقل من ألف ميجاوات, يساوي استهلاك حارة في دبي !!! لا أدري ما الفائدة من وجود وزارة كهرباء أصلا في اليمن !!!!

صالح جعل كل مدينة يمنية مسورة بالمعسكرات المدججة بالدبابات ومختلف الأسلحة الثقيلة لإرهاب الناس. هذا في الوقت الذي لا تجد فيه الا سيارة اسعاف واحدة أو اثنتين للمحافظة !! هذه هي قيمة الإنسان في بورصة صالح وحكومة المؤتمر !!!

ماذا سيقول العالم عندما يعلم أن بضع ملايين من البشر في محافظة مثل تعز لها سيارة اسعاف واحدة محاطة بمعسكرت بمئات الملايين من الدولارات !!! لا توجد مستشفى تخصصي واحد للأمومة والطفولة في بلد يعد الأسوأ في العالم في وفيات الأمهات والأطفال أثناء الولادة !! بينما لدينا حرس خاص وقوات خاصة وحرس جمهوري, ومن قرح يقرح !!!!!! هذا هو حكم الصالح الرشيد !!!

هل وصل المشترك الى خيارين إما الحرب الطاحنة مع صالح وأولاده ومرتزقته أو الرضوخ لمبادرة صنعها صالح بالأساس..هناك معلومات مؤكدة أن الغرب والخليج هددوا المشترك بقطع الدعم والصدقات عن اليمن ورواتب الكثير من الطابور العاشر في حالة عدم الإنصياع لمبادرتهم !!!

..ببساطة اننا ندفع ثمن التبعية الدونية للخارج ليس إلا!!

ألم يكن هناك خيار آخر يرضي كثير من الساحات..؟ هل تحرك المشترك وفي جعبته مجرد طموحاته المحدودة المتمثلة بإحراز مكاسب سياسية متواضعة لا ترقى لطموحات شعب عظيم ثائر على واقعه ونظامه البائس..؟ هذه أسئلة جادة تبحث عن مجيب في المشترك..

ترى لو كان المشترك لم يلق بالاً للتدخلات الخارجية ..كيف سيكون الحال؟ للأسف البلد محكومة بمنظومة علاقات شاذة مع اطراف دولية.. نعم إن تصحيح علاقة اليمن بالخارج مدخل رئيسيي لإصلاح الداخل. وأرى أن الأولوية القصوى تكمن في بناء اقتصاد معرفي قوي والتركيز على بناء الإنسان اليمني والمراهنة عليه.

في الأسبوع الماضي استضفت بروفيسور من جامعة لندن وهو خبير دولي في شبكات الإتصالات ذات الإستخدام الفعال للطاقة, وهو من أصل تركي ويعمل مستشاراً لحكومة تركيا في قطاع المعلوماتية والإتصالات..في حديث جانبي سألته عن سر تقدم تركيا المتصاعد فأجابني بقوله أن المعادلة جدا بسيطة "إننا أعترفنا بالفشل بشجاعة, وبدأنا ببناء اقتصاد معرفي أساسه الإنسان, والحمد لله أن تركيا لا تملك نفط كالعرب" . هل ياترى سنرى في قادم الأيام هذا واقعاً في اليمن ؟. أم أن السياسة والسلطة هي هاجس قياديي اليمن الأوحد ؟ !

ترى ماهي نوعية الضغوط التي مارستها الأطراف الخارجية على المشترك للقبول بالمبادرة . هل هي تأجيل اطلاق المكوك الفضائي اليمني ام فرض ضريبة باهظة على صادرات اليمن من الحاسبات الدقيقة والأقمار الصناعية !!!! ام هي قطع حليب المراعي الذي أدمن عليه النظام وكثير من المعارضة على السواء ؟ أم هي قناعة المشترك بفائدتها فعلاً..؟

لا أريد أن أقلل من شأن المشترك الذي يعج بالكوادر والقامات الوطنية , لكن على المشترك أن يكون صريح مع نفسه ومع الشعب ويعلن مبررات موقفه بشفافية مطلقة..

هذه اللحظة التاريخية تتطلب المكاشفة والتواصل البناء بين كل الأطراف, أحزاباً ومستقلين..ولن يصح الا الصحيح.

لو استطاعت هذه الحكومة إعادة ولو جزء بسيط من السيادة الوطنية وتخفيض نسبة وفيات الأطفال ومعدل البطالة والإصابة بفيروسات الكبد والسرطان وتسرب الأطفال من المدارس ولو بنسبة واحد بالمئة, فهذه خطوة للأمام..

أطالب هذه الحكومة أن توضح للناس مهمتها بأرقام مجدولة ويكفوا عن سياسة العشوائية والارتجالية المتجذرة في البلد ..

أما ثوار الساحات فهم ذخر اليمن الحقيقي وعليهم أن يفطنوا إلى أن الثورة في اليمن هي ثورة لكرامة الوطن المنقوصة. الوطن الذي نريد تصحيح علاقته بالخارج والداخل. عليهم أن يواصلوا نضالهم الرائع لتحقيق طموح شعبنا في بناء اليمن الحديث الذي بدأ يتخلق.