فن المقايضة السياسية ... دروس وعبرَ
بقلم/ د . علي الحاوري
نشر منذ: 7 سنوات و 7 أشهر و يومين
الثلاثاء 22 نوفمبر-تشرين الثاني 2011 04:55 م

اثبتت التجارب السياسية أن الصفقات السياسية بين القوى العالمية الكبرى أسهمت بشكل كبير في التوصل إلى تسويات لكثير من المنازعات السياسية والاقتصادية التى حدثت بين الدول وبعضها البعض خلال العقود القليلة الماضية . وبأستعراض عابر لما حدث بداية أندلاع الثورات العربية في تونس ومصر وليبيا يتضح مدى تخبط الدول الكبرى في مواقفها تجاه التعامل مع هذه الثورات مابين الموقف المتذبذب أو المؤيد على أستحياء أو التزام الصمت المطبق أو ... الخ، ومثالاً على ذلك تخبط الموقف الامريكي تجاه الثورة المصرية قبل تنحي مبارك، حيث كان يطل علينا صباحاً الرئيس الامريكي بتصريح وبعد ظهر نفس اليوم تطل علينا وزيرة الخارجية الامريكية هلاري كلينتون أو أحد المتحدثين بأسم البيت الآبيض بتصريح مغاير تماماً . أثناء الثورة الليبية أختلف الأمر كثيراً فوجدنا مواقف أسرع مما كنا نتصور حيث تسابقت الدول الغربية على التعامل الايجابي مع الثوار الليبين والاعتراف بالمجلس الانتقالي لأسباب متعددة أهمها هو حرص الدول الغربية على \\\"أحتواء\\\" الثورات العربية التى جاء أندلاعها مخيبة لآمال الغرب وتوقعاتهم، فهم كانوا يتوقعون \\\"الفوضى الخلاقة\\\" ولكن الله سبحانه وتعالى أرادها فكانت كما أراد ثورات خالصة عربية الروح والمعنى، وبعد تأكدهم–أى الغربيين- من أنهم غير قادرين على الوقوف أمام هذا المد الثوري المدعوم الهياً، قرروا أحتوائها فكان هذا بالنسبة للغربيين أخف الضررين .

وحرياً بنا القول أن نشير هنا إلى أن الدول الغربية كانت سبباً رئيسياً في اطالة أمد الحرب في ليبيا وأنها هي التي أوعزت للقذافي ودعمت قواته للتصدي لقوات الثوار التى كانت قد شارفت على دخول العاصمة الليبية طرابلس بعد أسبوعين تقريباً من بداية الثورة، كان هدف الغربيين من وراء ذلك تدمير البنية البشرية والعسكرية والاقتصادية للدولة الليبية، وتحقق للغرب أمنيتهم تلك بعد تسعة أشهر من التدمير المباشر وغير المباشر للقدرات الليبية .

لقد تضاعفت فاتورة الثورة الليبية مئات المرات عما كانت ستكون لو تركت الدول الغربية ليبيا للليبين . فخلال تسعة أشهر من الحرب في ليبيا قُتل خمسة وثلاثون الف ليبي معظمهم من الشباب المؤهلين، وجرح عشرات الآف الشباب وأصيب بالاعاقة الدائمة الآف آخرين، ودمر حلف الناتو القواعد الصاروخية أس300 الروسية الصنع التى لاتمتلكها في الشرق الآوسط إلا ليبيا، وخسر العرب والمسلمين مئات المليارات من الدولارات، كل هذا بسبب حلف الدول الغربية التى لم يرق لها أن يتحقق النصر لثوار ليبيا بأقل الخسائر .

كما هي عادتها لم تستسلم روسيا للأمر الواقع وبدأت التعامل الايجابي مع ثوار ليبيا إلا بعد صفقة سياسية أقتصادية شّممنا رائحتها لكننا لم نعرف تفاصيلها بعد . وهذا برهان آخر على ما ذهبنا اليه بداية المقال .

عود ًعلى بدء نقول بأن من ايجابيات الثورات العربية أنها أعادت للعرب وللمسلمين جزء من مكانتهم وكرامتهم التى أفتقدوها بفعل التشوية المنظم لآلة الإعلام الغربي التى ظلت لعقوداً طويلة ترسم صورة نمطية مشوهه للعرب والمسلمين في أذهان العالم .

كما أن من ايجابيات الثورات العربية أنها أعادت توازن القوى في العالم، وأصبح للقوى السياسية في الوطن العربي وزنّ سياسي، ورأى يُعمل له حساب على الأقل على المستوى الوطني والأقليمي . ومن أمثلة تلك القوى السياسية العربية التى أستعادت نفوذها التيارات الاسلامية والاشتراكية والقومية بأختلاف تشكيلاتها . ونتيجة لهذا الاهمية السياسية التى أصبحت تتمتع بها هذه التيارات ينبغي عليها أن تبادر إلى أستغلال نفوذها اليوم لما فيه مصلحة الأمة والتقليل من خسائرها . بمعنى آخر لماذا لا تتكاتف التيارات الوطنية(الاشتراكية والقومية والاسلامية) وكل مناهضي الفساد المالي والأداري في دولة الكويت والمغرب والاردن، تتكاتف كل هذه التيارات بالفعل الثوري السلمي لمواجهة أنظمة الحكم في هذه الدول الثلاث (التى تخشى عليها أمريكا من السقوط)حتى تستجيب دول الخليج لمطالب الثوار في اليمن، وتضغط على الرئيس اليمني وأركان نظامه للتخلي عن السلطة وتسليم اليمن لشباب الثورة بدلاً من السير به نحو الهاوية هذا من جانب، ومن جانب آخر للضغط على أمريكا والدول الغربية للسير نحو تنحي بشار الأسد سلمياً . فالغرب نعم يريدون رحيل بشار الأسد لكنهم يريدون تدمير القدرات البشرية والعسكرية والاقتصادية لسوريا قبل رحيل الأسد، يريدون تسليم سوريا للثوار \\\"هيكل عظمي\\\" كما فعلوا بليبيا حتى يمضى حكام سوريا الجُدد خمسين عاماً في المستقبل وهم يعيدون بناء البلد \\\"المحطم\\\" وتنعم إسرائيل بأعوام عديدة من \\\"قرن العسل\\\" .

أن الغربيين يستكثرون على العرب والمسلمين تسلمْ تونس ومصر بأقل الخسائر، ومن أجل أن يتسلم ثوار اليمن وسوريا بلديهم بأقل الخسائر لابد أن تفكر التيارات السياسية العربية في طريقة المقايضة السياسية، لتبقى انظمة الحكم في هذه الدول الثلاث(الكويت، المغرب، الاردن) كما تريد دول الخليج وأمريكا مقابل أيقاف نزيف الدم في سوريا واليمن ورحيل صالح والأسد ... اليس لنا في روسيا الدولة العظمى قدوة يجب أن يُحتذى بها !!!

aalhawri@yahoo.com