في اليمن ثلاثة انقلابات وثورة.!
بقلم/ حسين السقاف
نشر منذ: 6 سنوات و 11 شهراً و 13 يوماً
الأحد 09 أكتوبر-تشرين الأول 2011 02:05 م

كان نصيب الثورة الشبابية اليمنية من فرص النجاح أفضل بكثير منها لدى شقيقاتها العربية ،كما ان ظروفها كانت أنضج مما هي عليه بقيه هذه الثورات خاصة وان مشروع الثورات السلمية الذي انتهجَ في ثورات الربيع العربي كان الجنوب اليمني قد بدأه على الواقع من عام 2007  .

  لقد أربكت الثورة السلمية اليمنية في أيامها الأولى السلطة تماماً و تبدّا ذلك بوضوح في التصريحات و التنازلات المتلاحقة التي كان الرئيس صالح يعد بها. غير أن الأمر اختلف تماماً بعد دخول بعض الرموز التي لا تقل وزناً عن السلطة الحالية في صناعة السياسة الداخلية والخارجية لليمن ، لقد حاول هؤلاء إفشال الثورة من الداخل رغم تمويلهم السخي لمحتاجاتها اليومية إلا أنهم أفقدوها كثيراً من شعبيتها ووهجها عند ما كانوا مصرين على إخراجها عن مسارها السلمي بغية الأخذ بزمامها ومن أجل ذلك ذهب حسين الأحمر إلى تجييش مائتي ألف من قبيلة حاشد في منطقة خمر لإقحام الثورة بهم ، ولما رفض الثوار دعمه القبلي عقبه اللواء علي محسن الذي عمل على تطويق الثوار تحت مسمى حمايتهم وهذا الجنرال يصفه الكثير ب(صانع الحكام في اليمن) و يصفه البعض أيضاً بالرئيس الفعلي لليمن وما يؤكد ذلك هو مضي توجيهاته وتعييناته أكثر من توجيهات الرئيس نفسه .لذلك عند ما تحول علي محسن تحول معه إلى صفوف الثوار قطاع واسع من المسئولين الذين عيَّنهم من وزراء وعسكريين و دبلوماسيين وبرلمانيين كان لهؤلاء باع واسع في صناعة الحكم. وكانوا الأكثر أزاً لدوائر الحكم باتخاذ الفساد منهجاً ، حتى ان تحولهم بدا أشبه ما يكون بتحول ذباب نحل العسل الذي غادر من الخلية الأم العتيقة ليصنع لنفسه خلية جديدة ، مع الفارق في طعم المنتوجين .

لا شك أنه قد برز في إطار حزب الإصلاح عناصر شابة وطنية تؤمن بضرورة التحرر من القبضة الحديدية التي تفرضها عليهم القيادات المؤسسة من الحرس القديم بأفكارها الإقصائية التقليدية المتزمتة واحتلت هذه العناصر الشابة مكانة لا بأس بها في أطر الحزب القيادية والقاعدية غير أنه ما أن تفجرت ثورة الشباب حتى أقدم الحرس القديم في الحزب على تجريد الشباب من كل ما أنجزوه ليطوقهم من جديد بقبضته الحديدية للحفاظ على دور نخب الحزب كطرف ثالث في صناعة حاكم البلاد .

  لم يكن بمقدور الحرس القديم في حزب الإصلاح تغيير دفة الثورة لصالحهم إلا بمعونة الشريكين الآخرين في صناعة حاكم البلد وهما الجناح القبلي والجناح العسكري ، لذلك كان لابد من أن يكون هناك انقلاب ثانٍ في إطار المؤسسة العسكرية وهو الذي قاده اللواء علي محسن مستفيدا من إخفاق تجربة حسين الأحمر التي أفشلها الثوار برفضهم لعرضه ، لذلك عمد اللواء محسن على فرض سياسة الأمر الواقع على الثوار بإقحام قواته بين صفوفهم لدعم تواجد الحرس القديم لحزب الإصلاح بين الثوار وقد شكل اللواء بذلك انقلابا عسكريا أدى هذا بدوره - وبشكل سريع- إلى انقلاب ثالث ذا طبيعة إدارية وهو عندما تقاطر عددٌ كبير من رجالات الدولة- ممن عينهم علي محسن الأحمر- ليشمل ذلك عدداً من الوزراء والدبلوماسيين والعسكريين و الأمنيين والبرلمانيين غير أن الرئيس علي عبد الله صالح أوقف هذه العملية بأن جعل من مجلس الوزراء حكومة تصريف أعمال .

بعد هذا التغير الدراماتيكي الذي طرأ على ساحة التغيير أعتبر حزب الإصلاح نفسه - زهواً- الوكيل الحصري للثورة ، لذلك دأب على محاربة كل من لا ينتمي إليه في غالبية ساحات التغيير في الجمهورية وكرد فعل طبيعي لهذا العمل انفضت الكثير من العناصر الوطنية من الساحات .

  لقد تبخر كل ما بناه الشباب الوطني الواعي في إطار حزب الإصلاح بعد انقلاب الحرس القديم المعزز بالقوة العسكرية والقبلية التي تملك فوق ذلك قناة سهيل التي كانت هي الأخرى معبراً عن لسان لوبيات صناع الحكم من الأحمرين وذو اللحية الحمراء قبل أن تكون معبرة عن أمال الثوار وتطلعاتهم في ساحات التغيير .

  لقد اختزل هذا اللوبي مطالب الثوار "بإسقاط النظام" فقط في إسقاط الرئيس صالح وأسرته ، في حين يعني الثائرون بالإسقاط ؛ إسقاطاً للحكم كثقافة مصدرها النخب المستحكمة التي أرادت أن تجعل من الرئيس صالح مجرد كبش فداء، حتى تأتي هذه النخبة بعليٍ أخر أكثر طواعية لهم من سلفه . وإذا كانوا يأخذون على الرئيس صالح طول مدة مكثه على كرسي الحكم فهم يمارسون الأمر نفس في أطرهم الحزبية والوظيفية رغم بلوغهم من الكبر عتيا ، ولعلهم بذلك ينهجون نهج المؤسسة العسكرية في مصر التي تريد لنفسها الاحتفاظ بالحكم بتركيزها الإعلامي على إخفاقات وفساد المخلوع "مبارك" باعتباره المسئول دون غيره عن ما آلت إليه البلد . وذلك ما كان أيضاً من النخب الحاكمة في تونس .

لقد نشطت مؤخراً العناصر الوطنية وعززت وجودها بين جموع الثوار وتفهم الشباب مخاطر هذه الانقلابات الثلاثة وعواقب نتائجها على مسار ثورتهم ومستقبل بلدهم وعادت القيادات الإصلاحية الشابة لتبرز من جديد منتفضة ضد التبعية لحرسها القديم ، وترفض أن تكون منضوية للوبي صناعة الحاكم ، وتأبى أن يكون دورها فقط مسرحيا كأداة لإجهاض الثورة وبرز من هذه القيادات الكثير من أمثال المناضلة توكل كرمان ومحسن باصُرّة وغيرهم مما لا يتسع المجال لذكرهم

  لقد عمل هؤلاء الشباب على استنهاض العناصر الوطنية التي غادرت ساحات التغيير ليتعززوا بهم في مواجهة خجولة مع التيار التقليدي الذي ذهب أقطابه الثلاثة بعد ذلك إلى افتعال معارك مختلفة ليسجل كلٌ لنفسه البطولة في محاولة يائسة للحفاظ على دوره القديم في صناعة حاكم البلد ولعله من أجل ذلك افتعل الشيخ الزنداني مقدمات الحرب في منطقة أرحب بعد تخبطه وضعف منطقه كزعيم ديني للجماعات الإسلامية .

لا أقصد بأن ساحات التغيير قد خلت من الوطنيين بل انها ما زالت تعج بالعناصر الوطنية صاحبة المصلح الحقيقية في الثورة ويرتاد هذه الساحات- من حين إلى آخر- قيادات وطنية مخضرمة ليس لها صلة بنخب صناعة حاكم اليمن ولم تتلوث أيديها بدماء وأموال الشعب من أمثال ياسين سعيد نعمان وحسن زيد وباسندوة وغيرهم ، رغم ان هناك الكثير غيرهم ممن لا يرغبون في أن يخوض نضالُهم في مياه آسنة وعكرة مجهولة القرار .

لم تكن آلية صناعة الحاكم هذه بدعاً في اليمن فهي نفس الآلية التي أطاحت بالرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي وهي أيضا التي أتت بدلاً عنه بالرئيس صالح ولا أستبعد أنها نفس الآلية التي صنعت تفجير منطقة (النهدين) وما سبقها من القضايا التي ذهب ضحيتها الرئيسان الغشمي والحمدي وكذا القاضي عبد الله الحجري وغيرها من الأعمال التي تضمن لهذه الجهة أو النخبة التفرد في اختيار من يحكم اليمن بشكل دائم ولتنفرد بصناعة سياسة اليمن على الدوام بصرف النظر عن المسميات والشعارات للأنظمة المتعاقبة والمجافية لأهدافها المعلنة. كما لم تكن النخب التقليدية الصانعة للسياسة اليمنية هذه بمعزل عن الخارج فهي بعملها الذي استعرضناه تقوم بمهام أخرى خارجية يعدها البعض أكثر فائدة و أهمية وهو جعل ثورة التغيير اليمنية عبرة ومقززة لشعوب الجوار حتى لا تقيم هذه الشعوب ثوراتها. كما حصل ذلك من الانحراف والشذوذ الذي فرض على ثورة الرابع عشر من أكتوبر في النصف الثاني من القرن الماضي في الجنوب التي سبقت ثورة التغيير في أن كانت عامل تنفير وتقزز جعل شعوب الجوار تحجم عن قيام ثوراتها كما هو عليه بقية البلدان العربية .