بقرة وإلا بغرة
بقلم/ جلال احمد الحطام
نشر منذ: 8 سنوات و شهرين و 22 يوماً
السبت 23 يوليو-تموز 2011 04:44 م

في أثناء الحرب بين الجمهورية والملكية في اليمن بعد ثورة سبتمبر 1962 لما أتى الجيش المصري لمساعدة الجمهورية فكان الجندي المصري ربما يتخفى في صورة يمني إذا وقع في منطقة القبائل التي مع الملكية ، فكان بعض رجال القبائل يختبرون من يمر بهم ليعرفوا حقيقته فيقولون له قل بقرة فإن نطق بها عرفوه لأنه إذا قال بأرة فهو مصري لذا يتم قتله أو اعتقاله وإذا قال بغرة بالغين فهو من المناطق الوسطى تعز وإب وما حولهما أي أنه جمهوري فيتم اعتقاله وإذا قال بقرة بلهجة أهل صنعاء فهو ملكي يسمح له بالعبور.

تذكرت هذه الحكاية عندما سمعت أن قوات الحرس الجمهوري والأمن المركزي تناقش القادمين إلى صنعاء فإن فهموا من لهجتهم أنهم من المناطق الوسطى فيتم منعهم من دخول صنعاء وإن عرفوا أنهم من مناطق أخرى فيسمحوا لهم بالدخول أو أنهم يطلبون منهم بطائق الانتماء للمؤتمر الشعبي العام فإن أظهروها سمح لهم بالدخول وإلا فيتم إرجاعهم على أعقابهم وخاصة أثناء حرب الحصبة وقبلها.

 إن هذه الممارسات لتبين بصورة واضحة النهج العنصري والمناطقي الذي ينتهجه النظام اليمني المنتهية صلاحيته فهو يتعامل مع اليمنيين على أساس مناطقي وعنصري حيث قسم اليمنيين إلى انفصالي ووحدوي و قبيلي و مدني وشافعي وزيدي ومؤتمري واصلاحي واشتراكي وحوثي فالوظيفة والخدمات والمنح والترقيات تتم على هذا الأساس وهكذا كان طابع حكمه لليمن بالتفرقة والتقسيم والتمزيق وإثارة العداوات بين أبناء المجتمع حتى على مستوى القبيلة الواحدة والعائلة والقرية حيث كان يغذي الفتن والانقسامات ويشجعها لقد كنا نلاحظ في الحروب التي تدور بين القبائل ويسقط فيها العشرات من القتلى والجرحى وقد تكون لأسباب تافهة أن السلطة لاتكترث بها وكأنها تدور في جزر واق الواق وليست على أرض الجمهورية اليمنية وإذا تدخلت فإنهم يطلبون أجرة العسكر وصرفتهم وتمويل الطقوم ثم يدعمون طرفاً ضد آخر وهذا مالم نشهده أو نسمع به في دولة من دول العالم ويتم تغذية المشكلة ليستمر الاقتتال وينشغل الناس في بعضهم ولايلتفتوا لحقوقهم أو لبناء وطنهم لقد سمعت أحد أبناء القبائل يقول أنهم دخلوا في حرب طويلة مع قبيلة مجاورة لهم وسقط فيها عشرات الضحايا وكانوا يستلمون سلاحاً من الدولة وذات مرة أثناء ذهابهم لاستلام دفعة من السلاح من مخازن احد المعسكرات وجدوا غرماءهم أو خصماءهم قد سبقوهم واستلموا نصيبهم من السلاح فعرفوا عندئذ أن الدولة هي التي تغذي مشكلتهم وتوفر السلاح للطرفين ليستمروا في قتل بعضهم عند ذلك عادوا لرشدهم واصطلحوا في ما بينهم ، وفي الرياشية بمحافظة البيضاء أثناء الحرب بين آل عون الله وآل المفلحي كانت الأطقم العسكرية هي التي تنقل السلاح والذخيرة للطرفين كما حدثني بعضاً من أبناء المنطقة .

هكذا عاش هذا النظام بالوقيعة والتحريش وتشجيع الاقتتال بين الناس ليصفي خصومه وليستطيع الاستمرار بانشغال الناس عنه لأنه لايملك مشروعاً وطنياً لإقامة دولة مدنية ترقى بالمواطن اليمني ... لقد قتل هذا النظام كل القيم النبيلة حتى كادت أن تنقرض بعض الصفات والأخلاق التي اتصف بها الشعب اليمني فأصبح القتل والغدر شجاعة وأصبحت الدماء لاقيمة لها فتجد الضحايا يسقطون بشكل كبير بين أبناء القرية الواحدة ولايؤبه لهم ... وأصبح السارق والمختلس للمال العام أحمر عين ورجل شاطر لأنه استطاع أن يبني نفسه ويحقق ثروة والشريف النزيه هو الأبله والمغفل والساذج ... لطالما حلمنا بيوم يتخلص اليمنيون مماهم فيه من بلاء وكان الاستبشار عظيماً بخروج الشباب إلى الساحات حيث أحيوا فينا روح الأمل والتفاؤل لبناء اليمن الجديد الذي نتمناه ونرجوه من سنين طويلة فنقول للشباب استمروا بارك الله في جهودكم واعلموا أنكم تقومون بعمل عظيم يستحق التضحيات والصبر والثبات لأنكم ستغيرون واقعاً مريراً عانى منه اليمنيون حتى كادوا أن ييأسوا لقد قمتم بما لم يقم به آباؤكم وبعثتم الهمم في النفوس فهنيئاً لكم بنضالكم هذا واعلموا أن وحدتكم هي مصدر قوتكم وسبب نصركم وان تفرقكم هو من أسباب تأخر النصر كما أنكم تخدمون به النظام ليستمر أكثر فسيروا على بركة الله وإن النصر لقريب قريب بعون الله عندئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله .