ملامح الدولة القادمة تتشكل في ساحات الثورة
بقلم/ د: عبد الملك منصور
نشر منذ: 8 سنوات و 3 أشهر و 15 يوماً
الجمعة 06 مايو 2011 07:10 م

تحرص دساتير بلداننا العربية والإسلامية على النص في مطلع الدستور على أنها دولة عربية إسلامية مستقلة ذات سيادة... وإنها جزء من الأمة العربية والإسلامية.

فما المعنى الذي تريد الدساتير التأكيد عليه من كون الدولة إسلامية؟

هل هي الدولة الدينية التي عُرفت يوماً في الفكر الأوروبي؟

هل هي المقابل المخالف للدولة المدنية؟

وهل الدولة الإسلامية ليست دولة مدنية؟

هل الدولة الإسلامية يمكن أن تكون دولة دينية؟ أم هي أقرب إلى أن تكون دولة مدنية؟

إستخدم الحكام في أوروبا ماعُرف بالحق الإلهي في الحكم وهو ما يعني أن الحاكم يحكم لأن الله خَوّله ذلك وأن للحاكم صلةً – من نوع ما – تربطه بالسماء وهي صلة تميزه عن بقية الخلق.

وحتى حين دخلت الكنيسة في حياة الناس فإن رئيسها كان هو نفس الحاكم وبذلك جُمعتْ له السلطة الدينية والدنيوية معاً.

وقد ترتب على ذلك إنفراده بالتشريع والتنفيذ وغابت الشعوب أو غُيبتْ تماماً.لذلك ثارتْ الشعوب الأوربية على سلطان الكنيسة ووصلوا إلى فصل الكنيسة عن قصر الحكم وأن لكلٍ منهما شؤونه الخاصة يديرها بمعزل عن الآخر.

أما في الإسلام فإن موقفه الحاسم المبكر من منع إعطاء العصمة لغير الأنبياء كان هو المقدمة النظرية لسحب القداسة عن كل مَنْ يحاول أن يتعظى بها من الحكام أو غيرهم.

لا عصمة إلا لنبي وعليه فكل أحد يجب أن يخضع للمحاسبة ليس هناك من هو معفي من المساءلة ولا أحد يملك حصانة لنفسه ولا يستطيع أن يمنحها لغيره.

العصمة كانت أمراً مصاحباً للنبوة فلما ختم الله النبوة بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لم يعد أحد يملك العصمة وما يلحق بها من قداسة وإحترام وتبجيل.

العصمة التي كانت مضمونة للأنبياء في حياتهم كانت تَنْصَّبٌ أساساً على أمور الوحي والدين فهو إن إجتهد برأيه البشري في تلك الميادين يسرع الوحي إليه مصححاً منبهاً (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ) التوبة 43،(عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى) عبس 2،1 (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ) التوبة 80

وما كان من أمر الدنيا فإنه تحكمه قاعدة ( أنتم أدرى بأمور دنياكم ) في حديث تأبير النخل المشهور.

وبوفاة النبي صلى الله عليه وسلم علم الصحابة إنه لا سلطان لأحد في الدين بعده لا إثباتاً ولا نفياً إلا ما كان من فهمٍ وإجتهاد يفتح الله به عليهم.

وفي ضوء مقاصد الدين كان إجتهاد الصحابة الكرام في تسيير وتيسير أمور الدنيا والسياسة والحرب والإدارة والحضارة.

فهذا الخليفة الأول للنبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه ينبه على الفرق بين منهجه ومنهج النبي صلى الله عليه وسلم قبلَه بوضوح تام، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان الوحي يقف معه يؤازره وكان المَلَك يتنزل عليه لمساعدته وإبلاغه بجديد القرآن الكريم.

أما الخليفة فهو مثل سائر الخلق الشيطان معه يوسوس له يسول له يحاول أن يضلله لذلك يتوجه سيدنا أبوبكر إلى الأمة طالباً منها محاسبته ومراقبته ( فإن استقمتُ فأعينوني وإن زغتُ فقوموني)

 

ومارس المسلمون حقهم في إنتخاب حكامهم لا يؤهلهم لذلك إلا قدرتهم على خدمة الأمة، والحاكم أجير عند الأمة يأخذ أجراً نظير عمله وتحاسبه كل الأمة، وكل المؤهلات المطلوبة من الحاكم فقط هي المؤهلات اللازمة للحكم. لا نسب يُطلب منه ولا مال ينفقه ولا طبقة ينتمي إليها تؤهله، وهذا تأصيل للقضاء على الكهنوت والطبقية والمناطقية والسلالية والحزبية والمذهبية.

وعلى هذا الفهم المستقيم النير سار الفكر الإسلامي في كل عصوره ومذاهبه وأغلب مدارسه، فالسلطة في الإسلام مدنية وليست دينية، وكلما خرج عن هذا الفهم من بعض صور التطبيق المعوج أو الممارسات المحدودة إنما هي أحداث فردية ترتبط بفاعليها ولا تمت بصلة إلى الفكر الإسلامي .

فنحن هنا نفرق بين بعض السلوك المعوج الذي ينبغي أن يناقش في حدود ظروفه التاريخية وأشخاص فاعليه وبين الشريعة الإسلامية الرافضة لتسلط الفرد على الشعب بإسم الدين.

وهذه الممارسات المحدودة نجدها موزعة على التاريخ الإسلامي الناصع من أوله إلى عصرنا. فدولة نشرتْ الإسلام وبنت صروحاً في حضارته يظهر فيها – نشازاً – من يسيئ إلى الأصل.

فنحن لا نستطيع إنكار بعض الإنحراف حتى في العبارة التي تُطْلقَ على الحاكم ( ظل الله في الأرض) ( سلطان الله في الأرض) وأكثر من ذلك التجرؤ على قتل النفس لأسباب الخلاف السياسي أو الإستئثار بالحكم، وكل ذلك بشع مرفوض لا يقبله الفكر الإسلامي في جانبه النظري. لذلك علينا أن نفرق حقاً بين الفكر الإسلامي والتاريخ الإسلامي فليس بينهما كامل التطابق، وهذا بمقدار وضوحه وجلائه يفتح لنا باباً للجهاد والإجتهاد اليوم في تقديم الإسلام عملياً بصورة ناصعة تتناسب مع نصاعته نظرياً غير منقطعين عن أجمل الماضي ولكننا نعيش الحاضر وننفتح على الآخر

إن الحكم الإسلامي الحق يطلق العقل في كل أرجاء التفكير حراً لا يقيده شئ، ينقد ما يراه باطلاً بلا تردد ولا وجل، فذلك هو حكم الله الذي إختار للناس استخدامَ عقولهم بحرية لبناء حياتهم في منتهى الجمال بكل آفاقه، فلا مصادرة لفكر، وكل شئ وكل مفهوم قابل للنقاش والحوار بلا قيد على العقل البشري الذي هو الأمانة التي ميز الله بها الإنسان على المخلوقات (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا) الأحزاب 72.

لقد حاول بعض الحكام إستخدام الدين في خدمة حكمهم وفي القضاء على خصومهم السياسيين لا بحسبانهم معارضة مشروعة ولكن بحسبانهم كفرة زنادقة. في ذات الوقت نجد الخارجين على نفس أولئك الحكام إستخدموا الدين لصياغة مبررات خروجهم على حكامهم، وهكذا جعلتْ السياسةُ الدينَ لعبةً بين الطرفين الحكام المستبدين الظلمة والطلائع الثائرة المتطلعة إلى الحكم الرشيد.

وللخروج من هذا المأزق يأتي دور البرلمان في تشريع القوانين، التي يقف عندها الحاكم والمحكوم وتطبق على كل منهما بدون مزايدة بإسم الدين، وبذلك نجنب الدين مهاترات السياسة وتقلباتها وإنما هي حقوق وواجبات، ويبقى للدين جلاله وجماله، وفي حالة وجود النص فإنه يحتاج إلى إجتهاد في فهم النص وكيفية تطبيقه، وكيفية تنزيل الأحكام على الواقع آخذاً في الحسبان الزمان والمكان والمجتمع. ودور البرلمان هنا هو تيسير التطبيق من حيث إصدار القوانين واللوائح والتعليمات التي تيسر على الأمة أداء الحقوق وإلتزام الواجبات.

أما ما لم يرد فيه نص شرعي من أمور الحياة والعلم والبحث العلمي وتطور الحياة فدور البرلمان إصدار التشريعات التي تجعل حياة الأمة سعيدة، وللبرلمان في هذا النوع من التشريع الإجتهاد بلا حدود المهم أن ما يصل إليه البرلمان لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية، ومعلوم أن كل مصلحة معتبرة لا نشترط فيها وجود نص صريح عليها وإنما كونها لا تتعارض مع روح الشريعة الإسلامية.

وأينما وجدت المصلحة فثم شرع الله ، والحكم الرشيد هو الذي لا يكون فيه استبداد وقهر ولا تشدد وإرهاب، لإنهما وجهان لعملة واحدة، وكل منهما يؤسس للآخر ويحميه.

والحكم الرشيد هو الذي يكون فيه فصل بين السلطات، وإرساء القواعد القانونية التي تحفظ حقوق المواطنة الحقة، وحفظ حقوق الأقليات والمهمشين. والمساواة التامة لكل مواطن أمام القانون، فلا أحد فوق القانون، فلا تطاله يد القانون، ولا أحد دون القانون فلا يحصل على حقه في القانون.

ويجب أن نفرق بين الدستور والقانون، فالدستور هو الذي توضح فيه المعالم الاساسية للدولة، والتي يجب أن تتوافق عليها كل الأمة، أما القانون فهي القواعد التي تلزم الأمة بالتطبيق العملي.

وهوية الدولة القادمة يجب أن يكون عنوانها المساواة والحرية والشورى، والإنسانية، والعدل، والعيش الكريم لكل مواطن، والديمقراطية الحقة والتي يختار فيها مرشح الأمة بناءً على برنامجه الإنتخابي، وما يطرحه من رؤية واضحة في كافة مجالات التنمية، السياسية والإقتصادية، والإجتماعية، والعلمية، والتعليمية، وأن يكون هناك مجال زمني محدد لتنفيذ هذه السياسات، وتحديد وتفصيل ينتفي معه اللبس أو الغموض، وبحيث لا يترك للحاكم التحايل أو المماطلة في تنفيذ ما تعهد به أثناء حملته الإنتخابية، وهناك شروط لابد منها كعلامة وسمة مميزة لهذه الدولة القادمة وهي أن تكون فتية بمعنى أن يكون للشباب نساءاً ورجالاً المشاركة الأوسع والأكبر، وأن لا يُستخدم المال العام، أو المرافق العامة بغرض الدعاية الإنتخابية، ومنها المنابر الإعلامية والدينية لما لها من أثر كبير على اختياراتنا، ويجب أن توظف لتوعية المواطنين بالقيم الوطنية الكبرى، ومعرفة ما لهم من حقوق، وما عليهم من واجبات، وأن يعاد للفئات المهمشة والضعيفة حقها كاملاً غير منقوص، وأن تستعيد المرأة دورها الريادي في جميع مناحي الحياة سواءً كان ذلك أثناء الأزمات والمحن، أو خلال البناء والإستقرار، فالمرأة أثبتت في الثورات صموداً وبسالة ومشاركة قل نظيرها، ولكن الخوف عليها بعد ذلك من أن تُنسى وتُهمش وتُكبت تحت عدة مسميات دينية كانت أو إجتماعية أو اقتصادية، وقبول الآخر وعدم إقصائه، وأن يكون الكل شركاء في التنمية والبناء والمسؤولية وتقاسم المغرم والمغنم، ركائز لابد منها في الدولة القادمة.

ومما يبعث على الأمل والإستبشار أن ملامح الدولة المدنية القادمة وهويتها قد بدأت تتشكل وتتبلور داخل الساحات، فترك السلاح ونبذ العنف، وقبول الآخر وعدم إقصائه، ومشاركة الجميع، والحوارات المتواصلة، والتنظيم الملفت، وإحترام المرأة وتقديرها من قبل الرجل، والتصميم والإرادة في الوجود الفاعل داخل الساحات من قبل المرأة، وتوحد الهدف لكل الفئات والطوائف والأحزاب، وإختفاء الدعوات المطالبة بالإنفصال أو عودة الإمامة، فالكل توحد تحت سقف وشعار وعلم واحد.

كما أن القبائل نسيت الثارات فيما بينها، وهذا مؤشر إيجابي لإختفاء مظاهر القبلية السلبية، كما أن وجود العسكر بجانب المعتصمين، يحمونهم، ويؤيدونهم بدون استخدام للسلاح أو العنف، وإعلان القادة العسكريين زهدهم في السلطة وهذا وحده إنتصار للقيم السامية التي سادت في ساحة الحرية والتغيير ونحن نطالب بالمزيد والمزيد من تثبيت هذه القيم التي نجد لها مناخاً أكثر ملائمة من هذه الساحات، ونتمنى على هذا المجتمع المدني الذي استطاع أن يتخلص من الكثير والكثير من العادات والتقاليد والأخلاق التي تشوه وجه الدولة المدنية القادمة، أن يعيد حساباته مع عادة التخزين بالقات، وأن يكون له موقف حاسم من تعاطيه، لإن أي مخلص وطني يمني – حتى ولو كان يتعاطى القات – يحلم بمجتمع نظيف بدون قات، والكل لا يخفى عليه ما للقات من أضرار اقتصادية وإجتماعية، وصحية، ساعدت وتساعد على الرجوع باليمن إلى الوراء لذلك نرى أن الحكام المستبدين حرصوا أن لا يكون لهم قرارات حاسمة في هذا الموضوع، وإنما تركوا الأمر بينما هم يفعلون ما يشاؤوا كما أن من ضرورات القات الآفة الكبيرة التدخين، ونحن نقول أن الإقلاع عن هذه الآفة لا يحتاج لأكثر من العزيمة القوية، وقد فعل الشباب في الساحات ما لم يتوقعه أحد، وهذا أمر يسير عليهم، وقد يكون عدم التفاتهم لهذه المشكلة أنهم لا يرونها مشكلة على الأقل في هذا الوقت.

نصر الله الثورة وأقام دولة الحق والعدل والتمدن على أرض الحضارات ( اليمن) بلادنا وعزها عزٌُ لنا.