كلمة مندوب اليمن الدائم لدى الجامعة العربية
بقلم/ د: عبد الملك منصور
نشر منذ: 9 سنوات و 6 أشهر و 18 يوماً
الجمعة 01 إبريل-نيسان 2011 06:04 م

كلمة الدكتور عبد الملك منصور مندوب اليمن الدائم لدى الجامعة العربية في اجتماع على مستوى المندوبين الدائمين 31/مارس 2011 مع العلم هذه الكلمة في الاجتماع المغلق .

خاص – مأرب برس

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله.

الأخ رئيس الجلسة، الأخ رئيس الدورة، الأخ الأمين العام، الأخوة الزملاء.

الأزمة في اليمن بدأت قديمةً مع نهاية إنتخابات 2006 ومن يومها كانت هناك حالة صراع لين وجميل من النوع الذي يقال عنه الصراع الحريري، كانت مبادرات مرةً من الحزب الحاكم الذي يرأسه فخامة الرئيس وأحياناً مبادرات من تحالف قوى المعارضة وقد اجتمعت فيما يسمى رسمياً اللقاء المشترك وهو يجمع أكثر من 6 أحزاب وهذه المبادرات كانت مرة تقبل من هنا لتنقض أحياناً من مقدمها أو يتم إضافة شروط عليها بغرض تعجيز الطرف الطارح لم تكن إذاً قائمة على حوار مبرمج له هدف غايته الوصول إلى نتيجة، ربما كان الغرض أحياناً كما يتهيأ للناظر من بعيد هو تضييع الوقت، وفعلاً ضيعوا الوقت لأنهم كانوا قد اتفقوا على أن يضيفوا على مددهم في مؤسساتهم الدستورية عامين آخرين خلافاً للإستحقاق الدستوري الذي يأمرهم بإجراء انتخابات في موعد محدد. ومع قرب المدة التي أضافتها المؤسسات الدستورية لمدتها إجتمعوا وقد أزَمهم الوقت من أجل أن يحاولوا إيجاد المعالجات لكنهم لم يستطيعوا فاندلعت المظاهرات في كل المدن اليمنية، مظاهرات يقودها شباب، لا يحملون السلاح، رغم أنهم في مجتمع يمني السلاح فيه جزء من الشخصية، بل إنه عند كثير من الناس عار عليه أن لا يحمل سلاحه.

والسلاح عند اليمنيين في حده الأدنى كلاشنكوف واحد وواحد مسدس، وهدية الأب لابنه في نجاح الإعدادية مسدس وفي نجاح الثانوية كلاشنكوف، فإذا نجح في الجامعة ربما بازوكا أر بي جيه ، إنه مجتمع مسلح، ولكن الشباب خرجوا بظاهرة جديدة، يتظاهرون ولهم مطالب سياسية، ولكنهم يَتغَيُون أن يعطوا عن انفسهم شخصية حضارية، فهم لا يحملون سلاح، في البداية عاملتهم أجهزة الأمن الموالية للحزب الحاكم معاملة خشنة، مستهدية بتعليمات الحبيب العادلي مثلاً، لأن في كل بلد عربي حبيب عادلي، وقمعت المظاهرات فكانت لا تنتهي، تقمع ثم تظهر من جديد بعد قليل، واستمر الحال كذلك حتى أن المظاهرات كان يندس فيها ما يقال عنهم بالبلطجية، الذين ربما يتبعون الحزب الحاكم او لا يتبعون، فيندسون خلال المظاهرة فينهبون المحلات الخاصة يكسرون المحلات العامة ليعطوا صورة سيئة عن المتظاهرين، فتعلم المتظاهرون شيئاً جديداً أضافوه إلى رصيد أنفسهم و هو الحذر من المندسين.

حين انفجر الوضع في تونس ومصر شكل ذلك معينَ درسٍ جديد للشباب اليمني، فهم يتواصلون مع شباب تونس بالفيسبوك كل يوم، والفيسبوك أصبح مدرسة كبرى عالمية، تعلموا منهم شيئاً جديداً اسمه الإعتصام، لا للمظاهرات، المظاهرات يتم فيها التخريب والتخريب يُحسب على المتظاهرين ويُحسب بالتالي على قضيتهم، الإعتصام قعود في مكان محدد ورفعُ لافته بالطلبات، إذاً ليس هناك إمكانية لطرف آخر أن يندس فيخرب باسم المتظاهرين، لم يعد اسمهم متظاهرين وإنما أصبح اسمهم معتصمين.

الشباب إذاً تعلم من التجربتين وليس الشباب وحدهم هم الذين تعلموا بل الحزب الحاكم أيضاً تعلم، فانه تعلم من تجربة مصر أن يسبق إلى ميدان التحرير فحين أن قرر الشباب المتظاهرون أننا غداً سنعتصم في ميدان التحرير، سبق الحزب الحاكم بخيام كبيرة إلى ميدان التحرير، لم يصبح الشباب ليقعدوا إلا وقد أصبح الميدان خياماً وفيه الحزب الحاكم معتصم لتأييد مبادرة فخامة الرئيس، فذهبوا يفتشون عن مكان آخر فلم يجدوا إلا الساحة التي أمام جامعتهم، لأن أغلب الذين يتظاهرون هم طلاب في جامعة صنعاء، أنا أحاول أن أسلسل لكم الأمر باختصار، في هذا المكان المُعْتَصَم فيه قدموا نموذجاً حضارياً عجيباً رائعاً فهم منظمون إلى لجان عدة فيها خدمات عدة فيها أمن فيها نظافة فيها صحة لأن الذين يعتصمون أكثر من مليونين فهم يحتاجون إلى تنظيم وإلى حماية وترتيب وأمن ونوم وأكل وشرب، والأكل والشرب يأتي من البيوت من ناس يتبرعون، غلابة، غلبانيين، يقتسمون العيش مع المعتصمين.

أيضاً هناك موقف حضاري أريد أن أوقف سياداتكم عنده، القبيلي اليمني الذي حدثتكم عن ولعه إلى درجة الوله بالسلاح ترك سلاحه في البيت وجاء بالآلاف أبناء القبائل ليعتصموا من غير سلاح في ميدان الإعتصام ويقولون اضربونا أيها الأمن أو البلاطجة الذين يضربون وهم يلبسون مدني، اضربوا نحن نواجه رصاصكم بصدور عارية وحصلت مواجهات وقتل من المعتصمين في مدينة عدن العشرات، وجرح عشرات منهم مَن توفي شهيداً وتواصلنا مع الرئاسة واحتججنا وسألنا وتساءلنا فظهر فخامة الرئيس واعتذر عن ما جرى في عدن، وشكل لجنة للتحقيق، قلنا هذا أمر طيب، لكن فخامته ظهر بعد ذلك واتهمهم بأنهم عملاء لإسرائيل وأمريكا وانه تديرهم غرفة عمليات في تل أبيب تدار من البيت الأبيض ثم في الليلة الثانية اعتذر لأمريكا بالتلفون ولكنه لم يعتذر للشباب الأطهار المعتصمين.

كان ذلك أمراً كله في إطار الكلام لكنه أيضاً ألقى كلمة رسمية أذيعت في التلفزيون قال إنني آمر رجال الأمن بحماية المعتصمين فاطمأنينا وفرحنا، هذا أمر طيب أن رئيس الدولة يريد للمعتصمين أن يمارسوا حقهم الشرعي المكفول بالدستور، من حقهم أن يعتصموا، وأن يقولوا للرئيس \\\\\\\"ارحل\\\\\\\ "، وهذا حقهم لأنهم هم انتخبوه وهم الذين يقولون له الآن \\\\\\\"لا نريدك\\\\\\\"، هذا أمر ليس فيه عيب، وهو قال لهم أنا أيضاً لا أريد أن أبقى، أنا أريد أن أرحل، ومدتي ستنتهي في سبتمبر 2013، قالوا \\\\\\\"لا\\\\\\\ " هذه أيضاً نريدك أن تتنازل عنها \\\\\\\"لا نريد أن تبقى\\\\\\\"، يكفيك ما بقيت، استجاب بعد أن رأى ما حل بتونس ومصر، فسحب التعديلات الدستورية التي كان قد قدمها، وأعلن أنه لن يترشح فترةً جديدةً بعد نهاية مدته، وهو أمر كان يخطط له الحزب الحاكم، بحيث أنه يتم تصفير العداد، ويبتدئ العد من جديد، فقال ممنوع تصفير العداد وفرح الناس وقالوا هذه مبادرة من فخامة الرئيس حسنة.

لكنا فوجئنا يا أيها السادة يوم الجمعة 18 مارس، بعد صلاة الجمعة، أن مجموعة تلبس مدني قد اعتلت سطوح المنازل المطلة على ساحة الإعتصام، وفي ساحة الاعتصام ملايين البشر، تطلق النار إطلاقاً مقصوداً، بالتنشين، بالقنص، يقصد الرأس والرقبة والقلب، لو كان إطلاقاً يقصد أطراف الجسد لكان أمراً هيناً، لقلنا أن ذلك يمكن أن يكون، لكنه يقصد الرأس ... الرقبة ... القلب، فهو قتل !! واؤلئك قتلة !! من أرسل هؤلاء قتلة؟؟ وأين ما وعد به فخامة الرئيس من الحماية؟ هل كلمة الحماية تعني القتل؟ هل هو إلتباس لغوي؟ ما معنى ذلك؟ أنا شخصياً اتصلت بالرئيس السبت 19 مارس، وقلت له يا فخامة الرئيس، أنت قتلت أولادي!! أنا أعرفهم إنهم شباب أطهار كانوا طلبة عندي في الجامعة، إنهم أطهار لا يحملون السلاح، بل أن كثيراً منهم لا يعرف استخدام السلاح، لا يعرف استخدام السلاح ابتداءاً، كل سلاحة لابتوب يدخل فيه ليصول ويجول ويقيم دولاً ويقعدها ما المانع أن يتركهم، لماذا لا يتركهم يعبروا عن رأيهم، ما أضروا به، ما سبوه، ما قالوا في حقه كلمة سيئة، سادتي والله ما قالوا سوءاً، إنما قالوا \\\\\\\"إرحل\\\\\\\ " وهو نفسه قال أنه سيرحل، استعجلوه فقط أن يتنازل عن بقية المدة، لكن المجزرة تمت ووقعت، والأمر كان بيناً وواضحاً، قلت للأخ الرئيس أنت بينك وبين شعبك عقد من طرفين، أنت مستأجَر لتخدم الأمة لمدة محددة تبدأ بكذا وتنتهي بكذا، أمتك تقول لك \\\\\\\"لا\\\\\\\ "، أنهينا العقد من طرف واحد، ليس لك حق أن تقول لا سأبقى اجبارياً، أمتك لا تريدك، حتى لو كان عندك مجموعة من الناس لا يزالون يعطونك الولاء، فإنه من الشهامة والكرامة والشجاعة أن تقول لهم سأرحل، ودبر لنفسك خروجاً مشرفاً، لكنه لم يقبل وقرر أن يبقى، ويستكمل الزمن، وهو يعلم الثمن، الثمن \\\\\\\"الدماء\\\\\\\ ".

سادتي الأفاضل، أنا آسف أنني قد أخذتني العبرة، وانا أريد أن أقول لكم أنه والله لولا أنني أنا أيضاً معتصم بين قدمي أمي.

فهي كبيرة في السن وعندها أمراض متعبة وأنا بين يديها هنا في مصر، والله كنت ذهبت واعتصمت مع الشباب، بنفسي، لكنني لا أستطيع فأنا معتصم بين قدمي أمي لطاعتها، ثم يبدو أن الفرج قد حل، فقد ظهر في التلفزيون أكبر قائد في الجيش، نحن نسميه طنطاوي اليمن، لأنه القائد الحقيقي للجيش منذ ثلاثين سنة ألقى بياناً تناول فيه وصف الأوضاع التي حلت باليمن والفساد الإداري والفساد المالي والمحسوبية والاستبداد بالسلطة والخداع بقولهم بالتداول السلمي للسلطة ثم قال باعتبار أنني قائداً للفرقة الأولى، وهي الفرقة الكبرى الوحيدة في الجيش اليمني المتكونة من عدد من الألوية المسلحة، أعلن ولائي للثورة، ونزلت دباباته فأمسكت بالعاصمة صنعاء، الآن الوضع لم يبق مع فخامة الرئيس إلا القليل من الوحدات التابعة للحرس الجمهوري التي يقودها ولده ولا يستطيع أن يفعل شيئاً في مدينة صنعاء، وهو قبل قليل ألقى خطاباً هدد فيه بالحرب الأهلية، يبدو أنه قرر أن يتخذ من القذافي قدوة له، وبئس القدوة.

لذلك أنا أناشد فيكم أخوّتكم وعروبتكم، اليمن أصل العروبة، اليمن مهدد بالدماء، واليمن أهله قرروا أن لا يردوا على الرصاص، سيستقبلونها بقلب بارد، سيستقبلونها بسلام لأنهم يريدون التغيير بسلام، ويريدون تداولاً للسلطة بسلام، ويريدون ديموقراطية حقيقية، وشباب اليمن شباب حر يتجاوب مع هذا الشباب العربي الذي صنع ثورة تونس وصنع ثورة مصر، هؤلاء هم أنفسهم يكادون أن يكونوا نسخة منهم، ولا تصدقوا ما يقال من دعايات بأنهم حزبيون أو تبع للأحزاب التقليدية، لقد سبقوا الأحزاب والأحزاب لحقت بهم، هم المقدمة، هم أطهر ما في الأمة، هم أشرف من في الأمة، هم أنظف من في الأمة، وأفتى من في الأمة نشاطاً وحيوية أقل واحد فيهم عمره 20 سنة، فهل يجوز أن يقتلوا من أجل الإحتفاظ بكرسي بالٍ قد أصيب بالصدأ من طول إقامة صاحبه عليه.

أيها السادة إنني أناشدكم أن توجهوا نداءاً إلى فخامة الرئيس علي عبدالله صالح، أنْ إسْتَجِبْ لطلب شعبك بالتنحي حقناً للدماء وحفاظاً على وحدة وسيادة اليمن، وشكراً