يوميات الورد والغاز السام في ساحات الاعتصام
بقلم/ سارة عبدالله حسن
نشر منذ: 8 سنوات و 11 شهراً و 7 أيام
الثلاثاء 22 مارس - آذار 2011 12:06 ص

التغيير .. الحرية .. الكرامة .. كلها مسميات لأشياء لا شك أنك ستشعر بها وأنت في إحدى ساحات الاعتصام السلمي ضد النظام في اليمن .

في ساحة التغيير في صنعاء شعرت بأشياء كثيرة وكأنما بُعثت من جديد .. أشياء كثيرة في داخلي وحولي تغيرت إنها ساحة تتنفس حرية .. رغم محاولات تلويثها بالغازات السامة والمندسين من بلاطجة النظام .

هل يعتقد النظام المتهاوي فعلاً أنه قادر على إجهاض ثورة هؤلاء الأحرار وفض هذا العرس الحضاري الرائع من هذه الساحة باستخدامه القوة المفرطة وكل أساليب القمع والإرهاب المعروفة وغير المعروفة ؟!

عندما قام النظام بمذبحته الأولى فجر الأربعاء 9 مارس لتفريق المعتصمين مستخدماً الرصاص الحي والغاز السام ـ لأول مرة ـ لم تحقق خطوته الإجرامية تلك أي نتيجة تذكر ،ويوم الخميس أنضم عدد كبير من الإعلاميين للمعتصمين الذين تعالت أصواتهم خلف الفنان صلاح الوافي بـ (( إرحل )) لكن يبدو أن عين صلاح الوافي طلعت ـ نوع صيني ـ ولم تصرع لنا الرئيس حتى الآن هذا بالطبع من وجهة نظر بعض المعتصمين أما من وجهة نظري فإن الرئيس والسلطة في بلادنا (مصاريع )من زمان وإلا لما وصل حال البلد إلى هذا المنحدر ؟!

 إحدى صديقاتي – خارج الساحة - كانت ترى في الرئيس رمزاً عظيماً يجب أن لا نهتف برحيله بهذه الطريقة .. يوم الجمعة دخلت معها في نقاش طويل حول الفساد في البلاد .. كلنا كنا نحترم علي صالح أتكلم هنا باسم شريحة كبيرة من أبناء الجنوب لكنه خيب الظن فيه كثيراً عندما ترك الجنوب واليمن كلها لأسرته والمتنفذين من حوله لينهبوا خيراتها ويعيثون فيها فساداً .. كان من الصعب إقناع صديقتي التي وعت على الدنيا وعلي صالح رئيسها الذي تحبه ولا زال ولمدة 33 عاما وحتى الجمعة 11 مارس رئيسها الذي تحبه .

 مذبحة فجر السبت 12 مارس ملأت الساحة بالمعتصمين بدلاً من أن تفرقهم .. رغم ازدياد عدد المصابين بالاختناق بالغاز المسيل للدموع والغاز السام ووصول عددهم إلى الألف ومقتل شخص بالرصاص الحي وإصابة العشرات .

 كانت النتيجة وبعد الحادثة بساعات قليلة فقط دخول معتصمين جدد إلى الساحة ...

• كان الدخول إلى الساحة من شارع الخط الدائري عند ـ سيتي مارت ـ غير مأمون هكذا قال لنا من سبقنا إلى المكان .. لا أحد يأمن غدر القناصة من الأمن أو البلاطجة وهناك بالتحديد تم اختطاف عدد من المعتصمين والناشطين ولم يتم العثور عليهم حتى اليوم .. وقد أستشهد فتى من طلاب الثانوية كان يتظاهر سلمياً في شارع الزبيري القريب من المنطقة نفسها في ظهيرة اليوم نفسه برصاصة غادرة مع ذلك حاولت الدخول من هناك لأن صديقتي التي كانت تقدس الرئيس صالح قد سبقتنا للساحة عابرة لهذا الشارع وقد حشدت مجموعة من زميلاتها في العمل اللواتي أتين للاعتصام أيضاً لأول مرة ...

• لم نسلم أنا وصديقتي الأخرى من تلميحات البلاطجة وتهديداتهم وظللنا نلف وندور في الشوارع المؤدية للساحة والتي أغلقت معظمها بجدران إسمنتية حتى عثرنا بالكاد على منفذ آمن للمرور . وفي الطريق وجدنا طبيبتين تعملان في المستشفى الميداني الذي أقامه المعتصمون في الساحة وقد طلبت إحداهن منا أن نغطي أنوفنا بمنديل احتياطا وذلك عندما سمعنا صوت سيارة الإسعاف .

• ووصلنا إلى الساحة أخيراً .. البهجة تملأ المكان .. أناشيد وكلمات حماسية وأشعار ترسم ألوان الفرح وأطفال في الأسابيع الأولى من العمر يزينون المشهد وللورد بينهم حديث .. ياه .. ما الذي تفعله بنا أيها الحاكم كلما حاولت تفريقنا زدنا تجمعاً والتحاما ..

في الليلة نفسها اجتمعنا في إحدى المنتديات .. شباب الفيس بوك .. مجتمع مدني .. أحرار يمثلون أنفسهم ويمثلون غيرهم ومنهم من يمثل أيضاً آلاف من الشباب اليمنيين الدارسين في الخارج ...

 لم يكن العدد كبيراً لكن منظمي اللقاء كانوا يرون أنه يعتبر خطوة أولية جيدة لتنظيم الصف وبعث للمزيد من التناغم للساحة .

• في الأيام التالية محاولات حثيثة وفاشلة من السلطة لجر المعتصمين إلى العنف .

 والحديث يدور عن إحباط مجزرة كانت ستتم ،وقد حدثني أحد الناشطين الحقوقيين كيف أنهم ليلتها تحركوا بسرعة ومن بيت لبيت وطلبوا الحماية للمعتصمين في الساحة من شخصيات كبيرة لها تأثيرها في المجتمع وكيف أن هذه الشخصيات ضغطت على السلطة لتوقف ما كان سيحدث .. لكنهم بالطبع لا يعولون على ذلك لمدة طويلة .. لأن السلطة في نظرهم يمكن أن تغدر بهم في أي لحظة .

الشيء الذي يثق به المعتصمون بشدة هو قدرتهم على تحقيق النصر مهما كلفهم ذلك من تضحيات أو أخذ منهم من وقت .. إذ يبدو أن الأمور في اليمن لن تكون في السرعة التي كانت عليها في مصر وتونس .

من ناحية أخرى فإن السلطة في اليمن تحاول بكافة السبل جر البلاد إلى النموذج الليبي فهي تستفز المعتصمين من جهة وتستفز بعض شيوخ القبائل من جهة وذلك لتجد مبرراً حتى تدخل البلاد في حرب أهلية تعتقد خطأً أنها تستطيع من خلالها أن تطيل مدة بقائها في الحكم .. الحرب الأهلية ستحرق الأخضر واليابس ولن تخدم أحداً في اليمن وستجعل نهاية من يشعلها وخيمة بلا شك .. والمعتصمون في ساحات التغيير والحرية في جميع ساحات اليمن من الوعي والذكاء بحيث يفهمون كل ألاعيب السلطة وحيلها .. لقد سقطت ورقة السلاح التي كانت تدعي السلطة أنها ستفشل ثورة الشعب في اليمن فالمعتصمين في شتى أنحاء البلاد حرصوا على عدم استخدام رصاصة واحدة وما زالت ورقة القبيلة متأرجحة بين الطرفين وتكاد تميل إلى طرف المعتصمين وهذا يعني أن القبيلة اليمنية قد بلغت من الوعي مبلغاً لم تكن تتوقعه السلطة أبداً ولم يبقى للسلطة إلا أن تقوم بالمجازر التي يتوقعها المعتصمون حتى تنفض كل القبائل من حول الرئيس فلا يبقى حوله إلا القليل من الشخصيات الفاسدة المتضررة من رحيله والتي لم تعد تمثل قبائلها .

أما ورقة الانفصال فقد أصبح جلياً أنها تلاشت تقريباً في ظل توحد اليمنيين على المطلب نفسه ـ إسقاط النظام ـ فإذا ما سقط فإن ترتيب وضع الجنوب بعيد عن حل الانفصال سيكون مرضياً لجميع الأطراف .

على ماذا يراهن النظام إذاً .. هل هي حلاوة الروح أو هو العناد والجهل .. ليرى ما يرى . .وليقل ما يقل..القول الفصل اليوم للناس في الساحات..لأولئك الذين يستقبلون هداياه من الرصاص والقنابل بصدور عارية ويوزعون على الجنود الورد والابتسامات ويهتفون ( حيا بهم ..حيا بهم ) .

• الساعة الأولى من صباح الخميس 17مارس وبينما كنت أعد هذه اليوميات بدأ هجوم أخر على ساحة صنعاء ..وحشي كالعادة ..رصاص حي وغازات سامة وجرحى كثر..

في العاشرة صباحا اجتمعنا نحو مائة من الناشطات والمؤيدات للمعتصمين في مسيرة سلمية إلى هناك ..جئنا نمحو آثار الغاز السام بإشعال أعواد بخور الند و توزيع الورد والرياحين في وسط الساحة..وعندما كنا نتلو القران على أرواح الشهداء كان البلاطجة يشنون هجمة وحشية أخرى على المعتصمين في مدينة تعز.

18مارس... بعد إن انتهى مئات الآلاف من أداء صلاة الجمعة في ساحة التغيير وما حولها حدثت المجزرة الكبرى وقد فاقت بشاعتها كل التوقعات ..تصر بطانة الرئيس على أن تحرق صورته حتى النهاية في مقابل وهمً البقاء في السلطة وكأنهم لم يفهموا الرسالة التي حملها قرار مجلس الأمن للقذافي قبل ذلك بساعات..في الأخير لن يقف أمام إرادة الشعب أحد بمجلس الأمن أو من دونه.

• للغة الورد في الساحات رائحة أقوى من كل الأسلحة وهي عازمة على مواصلة النضال السلمي حتى رحيل النظام لكن النظام عندما يضيق ببقائها هناك فهو يعجل من مغادرته القصر الرئاسي لأنها إن غادرت الساحة .. ستصل حتما وبكل قوتها إليه .

saramyara@yahoo.com