العرب ما بين الساسان وآل عثمان
بقلم/ بكر احمد
نشر منذ: 10 سنوات و 4 أشهر و 13 يوماً
الإثنين 17 مايو 2010 10:52 ص

ما هو القاسم المشترك بين طبيعة الحكم في إيران ومثيله في تركيا ، وما هي أوجه الخلافات القائمة بينهم ، وما هي العلاقة الصحية التي يجب أن تكون بين العرب وبين القوميات الكبرى في المنطقة وهل هنالك فعلا قضايا مشتركة يمكن استثماراها لتكوين لقاء أو اجتماع أو اطر تجمع الجميع في هذه المنطقة التي نعيش بها .

تاريخيا لم يكن الحال على خير ما يرام بين القوميات الثلاث الكبرى في المنطقة ، بل كانت في صراع دائم ، ومحاولة كل قومية الهيمنة على الأخرى هي السمة الدائمة والتي كانت تنتج بحور من الدماء وسيل لا ينهمر من الأحقاد والضغائن التاريخية التي اكتست في كثير من الأحيان بصبغة مذهبية لا يمكن لعين المراقب أن يسقطها من حساباته ، كما أن الدين الإسلامي والذي به من المفترض أن يجعل من هذه القوميات متصالحة مع بعضها البعض لم ينجح إطلاقا بل كان دائما غطاءً شرعيا لكل الحروب الماضية ، مما يسقط مقولة بأن الدين " أي دين " ممكن أن يكون عامل توحد بين الأمم دون النظر إلى الجذور الحقيقية والفعلية لتلك الأمم واحترامها والاعتراف بها.

لكن وفي هذا الوقت تحديدا و بعد أن ترسخت الدولة بشكلها الحديث وصار من غير المنطقي أن تقرر قومية أو دولة الهجوم على الأخرى والهيمنة عليها ، انتقلت أدوات الهيمنة إلى مجالات أخرى ربما لا تقل خطورة عن أية محاولة هيمنة تاريخية مضت ، فالهيمنة الثقافية والإعلامية والسياسية هي سمة يمكن ملاحظتها بسهولة ،وأيضا من خلال هذه الأدوات نستطيع أن نلاحظ الحلقة الأضعف والجهة المستهدفة المراد الدخول إليها .

ولأن الفرس والأتراك قوميتان استطاعتا أن تتوحد كل منهم على حده وان تقيم دولتهم التي جمعت قوميتهم كلها دون تقسيمهم على عدة أقطار ومن خلال هذا التوحد استطاعوا أن يشكلوا رقما صعبا في المنطقة وفي العالم واستطاعوا أن يقيموا دولتهم السيادية وبلغوا من الاكتفاء الذاتي مرحلة متقدمة سواء على الصعيد الاقتصادي أو الصناعي أو العسكري ، ولأن العرب هم وحدهم في المنطقة وربما في العالم من يعيشون بين أقطار متفاوتة في الحجم وفي السكان وفي الثروة والقوة ، ولأن العرب أيضا تدور فيما بينهم معارك معلنة وأخرى خفية ، ولأن العرب تحولوا إلى شعوب متفرقة وريعية ولا تستطيع أن تخيط ما تلبس أو تزرع ما تأكل ناهيك عن افتقارها للقوة العسكرية الحقيقية وانه ورغم ثروة بعضهم الخرافية والباذخة إلا أنهم لم يستطيعوا أن يقيموا دولة صناعية تستطيع أن تتجاوز مخاوف نضوب النفط ،وأن العرب وبمختلف مشاريعهم السياسية أو الثقافية فشلوا من خلال الدولة القطرية إذ أثبتت هذه الدولة أنها أضعف من أن تقيم كيان يعتد به ، فمن الطبيعي أنهم هم الحلقة الأضعف والأسهل في الاختراق ليس من الدول المحيطة بها فقط بل أنهم غنيمة يسيل لها لعاب الدول في مختلف أنحاء العالم ، ولعل مسألة وجود إسرائيل وعدم مقدرة العرب على اتخاذ أي موقف تجاهها ما هي إلا دلالة واضحة إلى إي حد بلغ وضع العرب ، لذا نحن الآن خارج الصراع الذي يدور على أرضنا ، وعوضا عن التلاحم وتكوين أهداف ومشاريع تهدف إلى حمايتنا وتأسيس كيان مستقل بأي صورة من الصور صرنا موزعين الولاءات والانتماءات بل أصابتنا حالة من لوثة التلذذ بجلد الذات حتى بلغنا مرحلة مازوخية مخيفة .

العرب كأمة وتاريخ وثقافة هم في حالة يرثى لها ، وهذا الكلام لا أقوله من باب التشفي والنيل منها ، ولكني أقوله من باب التوصيف أولا ومن محاولة حث الأنفس على السعي لتغير ما يمكن تغيره نحو الأفضل ثانيا ، ولأننا أمة لدينا بصمتنا على التاريخ وعلى الحضارة ، فمن الطبيعي أن تبقى أصوات تطالب بعودة النهضة من جديد حتى وأن فشلت محاولة نهضتنا الأولى ، الأمم تمرض ولكنها لا تموت ، فمن كان يصدق بأن الدولة العثمانية تعود من جديد بعد كل تلك السنين ، بل من كان يصدق أن العودة تكون بهذه السرعة المذهلة وربما الفجة التي ماتزال الدهشة مسيطرة عليها أكثر من أي شيء آخر ، ولم تخرج دراسات تتنبأ بهذا الظهور أو تحليل فكري وسياسي يشرح لنا ما يحدث سوى أن الأتراك قادمون ولكن بسمة عتيقة تشبه تلك السمات التي حملها لنا أجدادهم حين فرضوا هيمنتهم على المنطقة لقرون طويلة .

إلا أنه ثمة تشابه كبير بين الأتراك القادمون الجدد وبين الفرس الذين لم يتوقفوا من محاولات العبور نحو الضفة الأخرى من الخليج العربي منذ ثلاثون عاما وهي عمر ثورتهم الخمينية ضد الشاه ، وهذا التشابه يكمن في العمامة الدينية التي ارتداها الأتراك للدخول إلى العمق العربي وتحويل دفة التوجه من ذيل أوروبا نحو رأس المنطقة العربية ، وهذا التوجه يعتبر انحراف شديد المراس عما أراده أتاتورك مؤسس الدولة التركية الحديثة ، وبغض النظر عن صواب ما أراده اتاتورك من عدمه ، إلا أنه يعني وفي كل الأحوال إسقاط أهم وأكبر رؤية للدولة التركية ألتي رأت أن العالم الإسلامي وبكل ثقافته لم يعد يصلح لهم أن أردوا فعلا التغير والتقدم ، لذا كانت العلمانية المتطرفة هي المنهج التي سارت عليه هذه الدولة لسنين طويلة ، وعودة الإسلاميين إلى الحكم من جديد كان بمثابة الحالة الطارئة لدى البعض ، لأن الجميع يعلم أن العسكر وكعادتهم سيسقطون هذه الدولة بأية حجة كانت ، لكن المختلف هذه المرة هو أنه حدث العكس ، وها نحن نرى العسكر يساقون إلى المحاكم واحدا تلو الآخر ، بل نرى أن الإسلاميين طالوا الدستور وغيروا عدة بنود فيه وأن كانت هذه البنود خاصة بالسماح بتشكيل أحزاب سياسية جديدة إلا إنه ربما تعني أنها مقدمة لأمور أخرى ربما تكون أساسية في طبيعة النظام وهوية تركيا ، وعلنا نعرف تحديد ماذا يريد أي إسلامي من دستور بلاده .

دخلت تركيا لأفئدة العرب عن طريق التصادم المباشر مع إسرائيل عبر منتديات دولية ،وأيضا دخلت عن طريق المفاوضات الغير مباشرة بين سوريا وإسرائيل وأخيرا موقفها تجاه ما حدث لغزة ، وكل هذه المواقف تكاسل العرب عنها رغم أنها قضاياهم ، وصارت المزايدة السياسية تجاه هذه القضايا بين الترك والفرس ، وكل منهم يريد أن يأخذ نصيبه ، لكن الأتراك وحتى اللحظة وان كانت هذه اللحظة مبكرة جدا للحكم عليهم إلا أننا لم نلحظ أمورا سلبية مقارنة بالفرس وما يفعلوه بالعراق واليمن والبحرين والكويت مؤخرا ألتي كشفت شبكة التجسس التي تعمل لصالح الحرس الثوري .

الأتراك لديهم بداية قوية ، وهاهي قناتهم الناطقة بالعربية تبث لنا تاريخ العثمانيين والسلاطين لأنها تعلم أن فكرة الخلافة تدغدغ أفئدة الكثيرين من العرب كما أن هذه البرنامج لها دلالات ربما يكون الزمن قد تجاوزها ، لكن الذهنية الدينية تظل تدندن عليها ولا تمل من تكرارها .

أما الفرس فمشاكلهم أكثر من أن تعد مع العرب ، وصار النفور منهم سمة غالبة لدى معظم الشعوب العربية ، بل أن الفرس لا يخفون كثيرا مواقفهم التصادمية المعلن عنها في كل قنواتهم الفضائية وتشجعيهم الواضح لحركات التمرد في البلدان العربية بينما هي تقيم المشانق للطلبة والمعارضين لنظام حكمها ، إيران لديها مشروعها الكبير والضخم والذي تعتقد أنه آن الأوان لتطبيقة في المنطقة بأية طريقة كانت لأنها ترى أن الأوضاع ملائمة لها وربما لن تتكرر ، وعلينا أن نعترف أنها نجحت كثيرا في تحقيق اختراقات وعلى عدة جبهات حيوية وصارت فعلا تمثل تهديدا على الهوية والثقافة العربية كما باتت عنصرا مخيفا يمس الأمن العربي بشكل كامل ، هذا إذا افترضنا جدلا انه هنالك شيء باقي اسمه ط الأمن العربي " .

 

من القباحة بمكان أن نلوم الأتراك أو الفرس بينما نحن منبطحون بتلذذ لكل العابرون على ترابنا ، ومن السذاجة التاريخية أن نظل منكفئين على هويتنا القطرية وكأننا نريد أن نتطاول بالأعناق بينما لا أرضية صلبة تسند هذا القطر المنزوع عن جسده العربي الكبير ، ويبقى من السخيف جدا أن كل دولة صنعت لها علما وجيشا ونشيد وطني منذ ستون عاما ولم تتجاوز هذه الأشياء أبدا ومنيت بفشل ذريع على كافة الأصعدة ، حتى أنه و كنتيجة طبيعية لهذا الشتات أن يبقى تحديد الخطر عامل خلاف لم يتفق العرب عليه ، وكأنه يجب على العرب أن يكون لهم عدو واحد فقط وان يبقى هذا العدو متجسدا بالكيان الصهيوني فقط دون سواه .

خلل الجامعة العربية هو انعكاس للخلل المؤسساتي في كل دولة عربية ، وعجزها نابع من عجز المؤسسة العربية الحاكمة في كل قِطر ، والقرارات التي لا تنفذ هي رغبة من الدول التي أصدرت هذه القرارات بأن لا تنفذ ! .

الواقع أثبت عجز هذه الجامعة التي تجاوزها الزمن ، ونحن إذ عجزنا عن إحداث أية تغيرات فعلية على المستويات القطرية وفي ظل تراخي النخب القومية عن أداء دورها واكتفى معظمهم بدور المروج للثقافة الفارسية ، سيصير من اللائق جدا البحث عن صيغة أو إدارة مختلفة عن نموذج الجامعة العربية الحالية تكون أكثر فاعلية وواقعية تحافظ على ما قد يتبقى من الهوية العربية المهزوزة والمصالح العربية المتآكلة وأخيرا التضامن العربي الذي نحن بأمس الحاجة إلى عودته من جديد حتى وأن كان في أقل مستوياته .

نحن لا نطمح بالكثير ولم نعد نرى أصلا الشيء الكثير من الأحلام ، كل ما نريده هو أن نكون على الأقل بمستوى يقترب من الأمم المجاورة لنا وان تنظر لنا هذه الأمم باحترام ، وهذا لن يكن مادمنا نحن نسخر من عروبتنا ومن تاريخنا ومن ثقافتنا ، لن يتم هذا ونحن أول من يقوم بجلد ذاتنا بشكل انتقامي ، لا لرغبة في الإصلاح بقدر ما هي حالة تهرب وانكفاء قطري مبتذل، وهذا لن يجدي أحد في وقت تقول فيه الوقائع أن المنظمات والتكتلات الإقليمية هي خط الدفاع الأول عن الكيان والدولة والهوية .