آخر الاخبار

الشيخ حمود المخلافي يطلع العليمي على استعدادات المقاومة الشعبية وتحركاتها لتعزيز الجبهات وحسم معركة التحرير القوات الحكومية تحبط هجمات حوثية واسعة في تعز.. ومعارك عنيفة على جبهات الشقب والأقروض والضباب العليمي يبحث مع وزير الخارجية البريطاني تطورات فجر اليمن.. ولندن تتحرك لتشديد الرقابة على تهريب الأسلحة للحوثيين عملية فجر اليمن تكثّف ضرباتها ضد الحوثيين.. أكثر من 1290 استهدافاً وتحييد 430 عنصراً وتقدم جديد في مأرب معارك عنيفة في جبهات تعز ومأرب.. غارات جوية تستهدف الحوثيين ومقتل قائد عسكري بارز في حريب التقرير اليومي للقوات المسلحة.. تنفيذ 1292 عملية استهداف وتحقيق تقدم ميداني في مأرب اللجنة المنظمة لبطولة كأس آسيا 2027 في السعودية تحسم الجدل بعد أنباء تأجيلها قبائل خولان تتوعد بالدفاع عن كرامة أبنائها وتطالب بتحقيق محايد في مقتل شيخ قبلي ومرافقه «يسقط الحوثي» في شوارع صنعاء.. منشورات مجهولة تستنفر الأجهزة الأمنية تعرف عرف على أسعار الذهب في السعودية اليوم

حين تتحول الهدن إلى استراحات للحرب
بقلم/ عبدالمالك الشميري
نشر منذ: شهر و 10 أيام
السبت 05 سبتمبر-أيلول 2026 04:57 م

لم تخرج المليشيا الحوثية منذ تمردها المسلح في صيف 2004 لتصلح الدولة أو تعيد بناء النظام السياسي، بل خرجت لتفرض مشروعاً يناقض فكرة الجمهورية من أساسها، ولم تطلب شراكة سياسية تحت سقف الدستور، وإنما سعت إلى امتلاك القوة التي تمكنها من فرض إرادتها على الدولة والشعب، ولهذا لم تكن الحروب والهدن والاتفاقيات بالنسبة إليها مسارات منفصلة، بل حلقات متتابعة في مشروع انتهى بالسيطرة على صنعاء وإسقاط مؤسسات الدولة في 21 سبتمبر 2014.

  

لم يكن اليمن يفتقر إلى مبادرات السلام، ولم تكن المشكلة في ندرة الوسطاء أو نقص الاتفاقيات، فمنذ الحرب الأولى في صعدة، مروراً باتفاق الدوحة عام 2008، والنقاط الست واتفاق وقف إطلاق النار عام 2010، والتفاهمات والهدن المحلية، وصولاً إلى اتفاق السلم والشراكة بعد سقوط صنعاء، ثم جولات جنيف وبيل والكويت وستوكهولم والهدنة الأممية، يُطرح اتفاق جديد كلما وصلت الأزمة إلى لحظة حرجة، لكن السؤال الذي لم يُطرح بما يكفي، ماذا يحدث عندما تدخل جماعة مسلحة متمردة، إلى التفاوض وهي تحتفظ بسلاحها ومشروعها العسكري، ثم تخرج من كل هدنة أكثر قدرة على فرض الأمر الواقع؟

   

ومن خلال معايشتنا لواقع الأحداث كانوا الحوثيين يخوضون الحرب حين يسمح لهم ميزان القوة، ويقبلون بالتهدئة حين يحتاجون إلى التقاط الأنفاس، ثم يعودون إلى التوسع عندما يستعيدون قدرتهم، وهكذا تحولت الهدنة في كل مراحلها من وسيلة لوقف الحرب تمهيداً لإنهائها إلى فرص لإعادة ترتيب الصفوف وتثبيت المكاسب والانتقال إلى جولة جديدة من التصعيد بشروط أفضل.

   

لقد استغلت مليشيات الحوثي، المرحلة الانتقالية بعد 2011 في توسيع نفوذها في ظل انشغال القوى السياسية بخلافاتها السياسية ، فبينما كانت الأحزاب منشغلة بمستقبل المرحلة الانتقالية، كانت المليشيا تتوسع في صعدة والجوف وحجور وعمران، حتى سقطت عمران في يوليو 2014، ثم جاءت اللحظة الفاصلة في 21 سبتمبر، عندما دخل الحوثيون صنعاء بقوة السلاح، وفرضوا واقعاً سياسياً انتهى إلى توقيع اتفاق السلم والشراكة في ظل اختلال كامل في ميزان القوة.

   

لقد كان الخلل الأكبر في مقاربة الملف اليمني، من خلال التعامل مع جماعة أسقطت الدولة بقوة السلاح باعتبارها طرفاً سياسياً يمكن احتوائها بالتفاهمات، بدلاً من التعامل معها بوصفها قوة مسلحة فرضت أمراً واقعاً على الدولة والشعب اليمني، ولم تكن المشكلة في التفاوض معها، وإنما في أن يتحول وجودها المسلح إلى ورقة تفاوضية تزداد قيمتها كلما اتسعت رقعة سيطرتها.

  

ولا يمكن لنا، كيمنيين، أن نقرأ هذا المسار بعيداً عن الدور الأممي، فمن جمال بن عمر إلى إسماعيل ولد الشيخ، ومن مارتن غريفيث إلى هانس غروندبرغ، تغيرت الأسماء والظروف، لكن نمطاً واحداً ظل حاضراً، في جميع الأدوار الأممية للمبعوثين، مفاوضات متكررة، وهدنة تلو أخرى، ودعوات إلى المرونة، وضبط النفس، وضغوطات لإنجاز تسوية، مقابل قدرة محدودة على فرض كلفة حقيقية على الطرف المعرقل الذي يرفض تنفيذ التزاماته.

   

لم يكن التواطؤ الأممي نتيجة قرار معلن بتمكين الحوثيين، لكنه أدى في النتيجة إلى استفادة المليشيات الحوثية من هذا المسار، فكل مكسب عسكري كان يتحول مع مرور الوقت إلى أمر واقع سياسي، وكل خرق كان يُقابل في الغالب بدعوة جديدة إلى ضبط النفس والعودة إلى التفاوض، بينما بقيت الدولة عاجزة عن استعادة ما فقدته، وبقي السلاح خارج مؤسساتها.

  

إن اتفاق ستوكهولم في ديسمبر 2018 يقدم مثالاً واضحاً عن الدور الأممي، في إدارة الملف اليمني، فقد أوقف العمليات العسكرية في الحديدة في لحظة كانت فيها القوات المشتركة تضغط على مواقع الحوثيين، بمبرر إعادة الانتشار وترتيبات إنسانية وسياسية، لكن تنفيذ الاتفاق تحول إلى أزمة طويلة، وأصبح مثالاً على الفجوة بين توقيع الاتفاق وقدرة الأمم المتحدة على فرضه.

   

وتكررت المفارقة في هدنة أبريل 2022 أيضاً لقد فُتح مطار صنعاء ودخلت سفن الوقود إلى ميناء الحديدة، على أمل أن تقود التهدئة إلى خطوات متبادلة، لكن طرق تعز بقيت مغلقة، واستمرت ملفات المرتبات والموارد والإيرادات معلقة، وانتهت الهدنة الرسمية دون انتقالها إلى تسوية سياسية شاملة.

  

لقد أصبح واضحاً أن التفاوض مع المليشيات قد ينجح جزئياً في ملفات إجرائية، مثل الأسرى أو فتح المطار، ولكنة يتعثر عندما يقترب من جوهر الصراع، على من يحكم اليمن؟ من يحتكر السلاح؟ من يسيطر على الموارد؟ ومن يملك القرار السيادي؟

  

لا يمكن فصل هذا المسار عن الدور الإيراني في تطوير القدرات العسكرية للحوثيين وتوسيع وظيفتهم الإقليمية، حتى تحولت الجماعة من قوة متمردة داخلية إلى لاعب مسلح يمتلك الصواريخ والطائرات المسيّرة، ويمارس تأثيراً يتجاوز حدود اليمن.

   

إن انتقادنا للدور الأممي لا يعني رفضنا للسلام، وإنما رفض نموذج أثبتت التجارب أنه يدير الأزمة أكثر مما ينهيها، فالمشكلة ليست في التفاوض مع الحوثيين، وإنما في أن تصبح شرعية التفاوض بديلاً عن شرعية الدولة، وأن يتحول امتلاك السلاح إلى سبب لرفع قيمة المليشيات على طاولة المفاوضات بدلاً من أن يكون سبباً لإلزامها بالتخلي عنه، جرب اليمنيون الهدن والاتفاقات والمؤتمرات والمشاورات والضغوط الدولية وسياسة الاحتواء، لكن ما لم يتغير جوهر المعادلة فإن كل اتفاق جديد سيظل معرضاً للتحول إلى محطة أخرى في طريق الحرب.

   

وبعد أكثر من عقدين، لم يعد السؤال، لماذا فشل السلام في اليمن؟ بل لماذا ظلت التسويات تُبنى على افتراض أن مليشيات الحوثي التي لم تتخلَّ عن سلاحها ستتخلى طوعاً عن مشروعها في السيطرة؟

   

إن السلام الدائم ليس وثيقة تُوقع تحت ضغط المجتمع الدولي، ولا هدنة مؤقتة بين جولة وأخرى، السلام دولة تستعيد سيادتها، ومؤسسات تستعيد قرارها، وسلاح يخضع للقانون، ومواطن يستعيد حقه في وطن لا تحكمه المليشيا، فإذا لم تصل العملية السياسية إلى هذه الحقيقة، فستبقى الهدنة مجرد استراحة، وسيبقى التفاوض مجرد فرصة للمراوغة، وسيظل اليمنيون يدفعون ثمن تأجيل السؤال الأهم، لماذا استمر الانسداد السياسي في كل مراحل التفاوض، ولماذا تحولت كل هدنة إلى استراحة تعقبها جولة جديدة من الحرب؟