ضبط البوصلة بين جريمة الحوثي وإخفاق الشرعية!
بقلم/ مجاهد السلالي
نشر منذ: شهر و 6 أيام
السبت 08 أغسطس-آب 2026 05:28 م

هجوم العبر وقصف مأرب أعادا الحرب إلى الواجهة، لكنهما أعادا أيضًا سؤالًا أكثر إلحاحًا: هل نستطيع محاسبة الشرعية على فشلها دون أن نفقد القدرة على تسمية جريمة الحوثي باسمها؟

 

ربما كان أكثر ما يستحق التوقف أمامه في الأحداث الأخيرة ليس حجم الخسائر وحده وإنما الطريقة التي نتعامل بها معها، ففي الوقت الذي تعرضت فيه قوات الشرعية يوم أمس لهجوم حوثي غادر استهدف مواقعها في منطقة العبر ما اسفر عن مقتل وجرح العشرات من أفرادها، لكن جريمة الحوثي لم تتوقف عند ذلك بل استمرّت اليوم بوتيرة مماثلة شنت خلالها منذ ساعات الصباح الأولى قصفًا مكثفًا على مأرب استخدمت خلاله الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة مستهدفةً الأحياء السكنية ومخيمات النازحين ما أسفر عن مقتل مدنيين وإصابة 14 آخرين بينهم أطفال بجروح متفاوتة وفق بيان وزارة الصحة.

 

بهذا المعنى لم تكن أحداث اليوم وأمس مجرد امتداد عابر لمواجهة عسكرية قديمة فقد بدأ التصعيد باستهداف مباشر لقوات الجيش في العبر ثم انتقل إلى استهداف المدن المكتظة بالمدنيين والنازحين، وهذه وحدها حقيقة تستحق أن تكون في صدارة النقاش قبل أي سؤال آخر: فهناك جماعة مسلحة عادت لتستبيح دماء اليمنيين دون تفريق بين مدني وعسكري.

 

لكن وبدلاً من التركيز على هذا اتجه النقاش الذي أعقب هجوم العبر إلى الجهة الأخرى من المشهد وأخذ الكتّاب والناشطون يتساءلون:

 

لماذا لم تكن القوات مستعدة؟

 

كيف تمكن الحوثيون من الوصول إلى مواقع عسكرية بهذا الحجم؟

 

أين كانت منظومة الرصد والدفاع؟

 

وهل كان بالإمكان تفادي هذه الخسائر؟

 

الحقيقة ان هذه الأسئلة جوهرية وليست عابرة بل إن بعضها ضروري، فمن حق اليمنيين أن يعرفوا لماذا عجزت القوات عن حماية مواقعها ومن المسؤول عن ضعف الجاهزية ولماذا تكررت إخفاقات المؤسسة العسكرية، ومن حقهم كذلك أن يسألوا عن أداء الحكومة ومؤسسات الدولة وعن أسباب القصور الإداري والاقتصادي وتفشي الفساد وتراجع الخدمات.

 

فالشرعية ليست فوق النقد ولا ينبغي أن تكون، بل إنها تتحمل المسؤولية كاملة عن حالة الضعف التي ظلت فيها مؤسسات الدولة، كما أن مكوناتها السياسية والعسكرية والمدنية تتحمل مسؤولية هذا الواقع كل بحسب موقعه وقدرته على التأثير، وإذا كانت هناك أخطاء في إدارة المعركة أو قصور في الاستعداد أو فساد أو سوء إدارة فإن تجاهلها لا يخدم الدولة ولا يساعد على مواجهة الحوثيين.

 

لكن المشكلة تبدأ حين يصبح هذا النقد تفسيرًا كاملًا لما حدث، فالسؤال عن سبب نجاح الهجوم شيء والسؤال عمن قرر تنفيذ الهجوم شيء آخر، ومحاسبة من فشل في حماية الجنود لا تلغي مسؤولية من قتلهم.

 

وهنا يجب أن تبقى الأمور واضحة، فيمكن أن تكون الشرعية ضعيفة وفاشلة في الوقت نفسه الذي يكون فيه الحوثي معتديًا ومسؤولًا عن الجريمة، ويمكن أن تكون المؤسسة العسكرية بحاجة إلى إصلاح عميق بينما تظل المليشيات الحوثية التي تستميت في استباحة دماء اليمنيين وإطلاق الصواريخ مسؤولة عن جرائمها، لا تناقض في ذلك.

 

فالجندي الذي قُتل في العبر لا يصبح أقل يمنية بسبب الجهة التي يعمل معها أو المؤسسة التي يرتدي زيها، فقد يختلف اليمنيون مع الشرعية وأحزابها وقياداتها وقد يكون لهم كل الحق في انتقادها ومحاسبتها، لكن ذلك لا يغير حقيقة أن هذا الجندي كان يمنيًا وأنه قُتل في هجوم شنته جماعة إرهابية.

 

والأمر نفسه ينطبق على المدنيين الذين وجدوا أنفسهم اليوم في مرمى القصف في مأرب، فهؤلاء لا علاقة لهم بإخفاق الحكومة ولا بالخلافات بين القوى السياسية ولا بضعف الجاهزية العسكرية، ومع ذلك دفعوا ثمن الحرب من حياتهم وأجسادهم كما هو حال آلاف المدنيين الذين سبقوهم.

 

هنا تتضح المفارقة التي تستحق التوقف عندها، وهي أن الحوثي لا يحتاج إلى معرفة ما إذا كان المستهدف شماليًا أو جنوبيًا ولا يهمه إن كان الجندي مؤيدًا للشرعية أو معارضًا لها ولا يبدو أن الصاروخ الذي يطلقه قادر على التمييز بين إصلاحي ومؤتمري، فبالنسبة للحوثي يكفي أن يكون المستهدف يمنياً يأبى الخضوع لمشروعه.

 

أما نحن فنفعل العكس في كثير من الأمور، فنبدأ بتحديد هوية الضحية وموقفه السياسي قبل أن نسأل عن الجهة التي قتلته، ونختلف حول الجندي قبل أن نتوقف عند جريمة استهدافه ونتنازع حول ولاء المدني قبل أن نسأل من قصف منزله أو مخيمه، وبهذا يتحول الخلاف السياسي بيننا من وسيلة لفهم الواقع إلى حاجز يمنعنا من رؤيته.

 

ليس المطلوب أن نتوقف عن نقد الشرعية، على العكس يجب أن نستمر، فالشرعية مطالبة بأن تجيب عن إخفاقاتها وأن تراجع أداء مؤسساتها وأن تبني جيشًا أكثر جاهزية ودولة أكثر قدرة على حماية مواطنيها، كما أن المسؤولين عن القصور والفساد وسوء الإدارة يجب أن يخضعوا للمساءلة والمحاسبة.

 

لكن المطلوب في المقابل ألا يتحول هذا الغضب المشروع إلى سبب لتجاهل جرائم الحوثي، فالفشل الإداري والعسكري يمكن إصلاحه والمساءلة يمكن أن تصحح مسار المؤسسات، والقيادات يمكن تغييرها، أما استمرار الحرب وتحويلها إلى وسيلة للحكم وإبقاء اليمنيين في دائرة الخوف والفقر والنزوح فهو أمر يتجاوز مجرد فشل حكومة أو قصور مؤسسة.

 

وهنا نصل إلى الوجه الآخر للحرب الذي لا يظهر دائمًا في صور الصواريخ والمواقع العسكرية، فاليمني لا يدفع ثمن الحرب من حياته وأمنه فقط بل يدفعه من قوته اليومي ومن دخله ومن تعليم أبنائه ومن فرصهم في المستقبل.

 

بحسب أحدث تقرير صادر عن الأمم المتحدة فإن أكثر من 22 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات وحماية إنسانية فيما يواجه نحو 18.3 مليون شخص انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي في الوقت الذي يواصل فيه اقتصاد البلاد الانكماش وتتراجع فيه قدرة الأسر على مواجهة تكاليف الحياة هنا تصبح هذه الأرقام وجهًا آخر للصراع وجهًا لا يقل قسوة عن القصف لكنه أكثر هدوءًا وأطول أثرًا.

 

ومن هنا يصبح السؤال أكبر من هجوم العبر أو قصف مأرب:

 

ماذا كسب اليمني من هذه الحرب؟

 

هل أصبح أكثر أمنًا؟ هل تحسنت حياته؟ هل عادت الرواتب؟ هل تحسنت الكهرباء؟ هل عاد النازح إلى منزله؟ هل وجد الشاب فرصة عمل؟ وهل أصبح المستقبل أكثر وضوحًا أمام الأطفال الذين كبروا في ظل الحرب؟

 

هذه الأسئلة لا تعفي الشرعية من مسؤوليتها ولا تخفف من جريمة الحوثي لكنها تعيد النقاش إلى مكانه الصحيح: وهو أن نحاسب كل طرف على ما ارتكبه وأن نرفض في الوقت نفسه أن تجعلنا خلافاتنا السياسية عاجزين عن رؤية من يقتل اليمنيين ولماذا.

 

وهذه هي البوصلة التي ينبغي ألا نفقدها