صندوق القتل.. هل تعوّض النيران الجوية ما خسرته ''الشرعية'' على الأرض؟
بدء فكفكت قوات طارق صالح.. والألوية التهامية تعود قوة مستقلة بذاتها
جرعة جديدة في أسعار الوقود بصنعاء
الذهب يتراجع مجددًا.. قفزة النفط ومخاوف الفائدة تضغطان على المعدن الأصفر
تصعيد واسع في اليمن.. الحوثيون يستهدفون قاعدة سعودية والجيش يعلن تقدمًا ميدانيًا في عدة جبهات
هجوم جوي وهزيمة ميدانية.. الجيش السوداني يرد بقوة على الدعم السريع في جبل كدم
النفط يقفز فوق 108 دولارات.. هجوم هرمز وتعطّل خط سعودي يشعلان مخاوف أزمة إمدادات
أعراض السكري في الليل- 4 علامات تظهر على القدمين احذرها
تصعيد واسع في تعز.. هجوم حوثي يفشل وغارات مكثفة تضرب مواقع الجماعة في البيضاء ومأرب
بعد 120 صاروخاً.. رئيس أركان محور تعز يفجّر مفاجأة: المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد
حين يُذكر اسمه فإن كثيرين يتذكرون سنواتٍ كانت اليمن فيها على صفيحٍ مشتعل، تتقاذفها الأزمات، وتنهشها الأطماع، وتتقاسمها المشاريع الداخلية والخارجية،غير أن ما لا يدركه كثيرون، أن الرجل لم يدخل قصر الرئاسة في زمن استقرارٍ أو رفاه، بل دخل إليه واليمن تقف على حافة الانهيار الكامل، مثقلةً بإرثٍ ثقيل من الصراعات، والانقسامات، والولاءات المتشابكة، والخراب السياسي والعسكري والاقتصادي.
لقد جاء هادي بعد مرحلةٍ عصيبة شهدتها البلاد عقب أحداث عام 2011، وكان المطلوب منه أن يحمل وطناً كاملاً مثقلاً بالجراح، وأن يعبر به نحو برّ الأمان، في وقتٍ كانت القوى السياسية تتصارع على النفوذ، والأحزاب تتنازع المكاسب، والمليشيات تتكاثر، فيما كانت التدخلات الخارجية ترسم خرائط مصالحها فوق الجغرافيا اليمنية،لم يكن الرجل يمتلك حزباً عقائدياً ضخماً يحميه، ولا ميليشيا مسلحة تفرض قراراته بالقوة، ولا إمبراطورية إعلامية تلمّع صورته، بل وجد نفسه وحيداً تقريباً في مواجهة عواصف متعددة الاتجاهات.
كل طرفٍ كان يريد منه شيئاً، وكل قوةٍ كانت تضغط عليه بما يخدم مشروعها، بينما كان هو يحاول أن يحافظ على ما تبقى من الدولة اليمنية،واجه تمرد الذين تمددوا من صعدة حتى صنعاء، وأسقطوا مؤسسات الدولة بقوة السلاح، ثم انقلبوا على مخرجات الحوار الوطني وعلى التوافق السياسي الذي كان اليمنيون يأملون أن يفتح باب السلام ،وحين اجتاح الحوثيون العاصمة، لم يكن الأمر مجرد سقوط مدينة، بل كان انهياراً لمعادلة الدولة بأكملها، ودخول اليمن في أخطر منعطف بتاريخها الحديث.
وفي الجنوب، كانت تعقيدات المشهد أكثر تشابكاً، حيث برز بمشروعه الخاص، مدعوماً بقوى إقليمية لها حساباتها ومصالحها المختلفة، فوجد هادي نفسه في مواجهة معركة مزدوجة: معركة استعادة الدولة من الحوثيين، ومعركة الحفاظ على وحدة القرار داخل المعسكر المناهض لهم.
أما الأحزاب السياسية اليمنية، فقد كان كثيرٌ منها يتعامل مع الرئاسة بمنطق المصلحة لا بمنطق الشراكة الوطنية.
كل حزب أراد من الرئيس أن يكون تابعاً لمشروعه، وحين لم يتحقق له ذلك، بدأ الهجوم والتشكيك والخذلان ،فالرجل الذي حاول الموازنة بين القوى، وجد نفسه هدفاً لانتقادات الجميع، لأن كل طرف كان يريد دولةً على مقاسه، لا دولةً تتسع للجميع.
ثم جاءت التدخلات الخارجية لتزيد المشهد تعقيداً، فاليمن لم تعد مجرد ساحة صراع داخلي، بل تحولت إلى رقعة تتقاطع فوقها المصالح الإقليمية والدولية، كل دولةٍ كانت تنظر إلى اليمن من زاوية أمنها ومصالحها ونفوذها، بينما كان هادي يحاول أن يتمسك بخيط الدولة الأخير وسط بحرٍ من التجاذبات ،لقد عاش الرجل سنوات رئاسته في حصارٍ سياسي ونفسي وعسكري هائل،اتهمه خصومه بالضعف، بينما كان الواقع يقول إن أي رئيسٍ آخر كان سيجد نفسه أمام ذات العواصف وربما بصورة أشد.
فما حدث في اليمن لم يكن أزمة رجل، بل أزمة وطنٍ كامل انهارت فوق رأسه تراكمات عقود طويلة من الصراعات والاختلالات ،ورغم كل ذلك، بقي هادي متمسكاً بفكرة الدولة والجمهورية والشرعية المعترف بها دولياً، رافضاً أن تتحول اليمن إلى غابة مليشيات أو كانتونات متناحرة.
قد يختلف الناس حول أدائه السياسي، وهذا حق مشروع، لكن من الإنصاف أيضاً أن يُنظر إلى حجم التحديات الهائل الذي أحاط به، وإلى طبيعة المرحلة التي ربما كانت من أعقد المراحل في تاريخ اليمن الحديث ،إن كتابة التاريخ بإنصاف لا تعني صناعة الأبطال، بل تعني قراءة الوقائع بعيداً عن الانفعال والخصومات، وعندما تُفتح صفحات تلك المرحلة يوماً ما، سيدرك كثيرون أن عبدربه منصور هادي لم يكن رئيساً في زمن طبيعي، بل كان رجلاً يقاتل وسط عاصفةٍ إقليمية ودولية ومحلية، بينما الوطن كله يتشقق من حوله ،لقد كان يحمل دولةً تتهاوى، ويحاول أن يمنع سقوطها الكامل، في زمنٍ تكالب فيه السلاح، والطموح، والخيانة، والمصالح، والمؤامرات على اليمن أرضاً وإنساناً ،وربما كان أكبر ما عاناه الرجل، أنه حاول أن يحافظ على وطنٍ كان الجميع يريد اقتسامه.
