اليمن والحوثية في ظل الحرب الدولية
بقلم/ توفيق السامعي
نشر منذ: أسبوع و 21 ساعة
الأربعاء 04 مارس - آذار 2026 12:14 ص
 

يترقب اليمنيون باهتمام بالغ ما ستسفر عنه هذه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في ما يخص الجانب اليمني ضد المليشيات الحوثية الإرهابية، وهي أعلى درجات الاختبار، ليتضح بعدها الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وما إذا كانت المليشيا الحوثية ذراعاً إيرانياً خالصاً أم ذراعاً إرهابياً ترعاه دول كبرى أبقت عليها فزاعة في المنطقة.

ما نلاحظه في تطورات الحرب الأخيرة أن المليشيا الحوثية تمارس الانتهازية السياسية والغدر السياسي بولي نعمتها في طهران ولا تملك إلا الصراخ أو المظاهرات المنددة باستهداف إيران في أحسن الأحوال، ولن تتعدى هذا الجانب إلى غيره، وتقاعست عن النصرة؛ فقد اتعظت بمصير حزب الله، وربما كان الدور القادم عليها في كل الأحوال خاصة من الجانب الإسرائيلي لا الأمريكي.

-     تضغط طهران على الحوثية بإغلاق مضيق باب المندب كما أغلقت هي مضيق هرمز لاستكمال الضغط على الجانب الدولي، بينما يقول الواقع إن المليشيات الحوثية إما لم يعد لديها القدرة على إغلاق المضيق أو استهداف الملاحة البحرية لخشيتها من التبعات الكارثية عليها، والحفاظ على مكتسباتها على الأرض، أو أنها اختارت النأي بنفسها عن الصراع بتهديد أمريكا وإسرائيل لها.

عدم استجابة المليشيا الحوثية لهذه الضغوط الإيرانية في هذه اللحظات الحرجة سيفقد الحوثية أهم الحلفاء، وسترتمي في الحضن الأمريكي البديل.

هذه الحرب ستفضح الحوثية تحديداً.

إذا دخلت نصرة لإيران فهي ابنتها وولية نعمتها، وإذا أحجمت فهي تفضح أنها ربيبة أمريكا ودول أخرى.

إيران تضغط على الحوثي لإغلاق باب المندب والحوثي بات غير قادر على ذلك ويخشى اجتثاثه، لذلك أقصى ما يمكن أن يعبر عنه دعما لإيران هو المظاهرات والبيانات فقط، لكن الزمام الحقيقي بيد أمريكا.

-     الضربات الإسرائيلية الأخيرة ضد المليشيات الحوثية الإرهابية أربكت كل حساباتها من خلال اختراق هرمي لكافة المستويات القيادية جعل المليشيا الحوثية مشلولة القرار في عدم دخولها الحرب مناصرة لإيران، وأفقدتها توازنها السياسي؛ فهي تدرك أن دخول الحرب ثمنه القضاء نهائياً على هذه المليشيا، وعليه فإن احتفاظهم بالوضع الحالي كحكام أمر واقع أفضل لهم ن لا شيء فضلاً عن أن يكون مصيرهم القتل أو المحاكم أو الثأر مع اليمنيين!

قد تراقب هذه المليشيا المعركة الجارية بدقة وإذا ما مالت كفتها بصالح إيران ستتدخل في الوقت النهائي حفاظاً على مصالحها مع إيران، أما إذا رأت أن النظام الإيراني إلى زوال حتمي فإنها ستبرر حينها أن عقيدتها ونظامها مستقل كل الاستقلال عن العقيدة الاثني عشرية الإيرانية باعتبارها زيدية مستقلة، لا يتجاوز الجغرافيا اليمنية!

-     يساورني شعور دائم أن المليشيا الحوثية ليست فقط صنيعة النظام الإيراني بحكم الولاء العقدي الطائفي؛ بل إنها صنيعة النظام الأمريكي نفسه الذين يكنون لهم العداء الظاهري، بينما من تحت الطاولة فهم على تنسيق كامل معهم منذ الحرب الأولى في صعدة وحتى اليوم؛ فإذا نجا الحوثيون من الغضب الأمريكي باعتبارهم ذيلاً تابعاً لإيران عندها تتضح الحقائق.

لطالما تبنت المليشيا الحوثية عمليات وضربات عسكرية عالية في المنطقة هي في الأساس فوق قدرتها وإمكانياتها، لكن بإيعاز من دول راعية لها، لا شك كانت الضربات من صنيعة تلك الدول.

سياسياً هناك عدة دول غير إيران دعمت الحوثية في اليمن على رأسها أمريكا وبريطانيا وألمانيا، لكن أبقت الواجهة إيران.

لعل الجميع يتذكر كيف أن بريطانيا هي من أنقذت الحوثية من الغرق في بحر الحديدة وانتشالها باتفاق استكهولم، وهي من دعمت دخول الحوثية بقوة إلى مؤتمر الحوار بالسلاح وبالكوتة الكبيرة في مؤتمر الحوار.

ومع قول هذه الدول إنها تعمل على إنهاء المليشيا الحوثية باعتبارها تهديداً إرهابياً إقليمياً ودولياً إلا أنها في ذات الوقت تقيد أي تحرك حكومي ضدها من شأنه أن يفضي إلى تحرير البلاد بشكل كامل.

إذاً الحوثية مليشيا مستأجرة الكثير من الأطراف يستثمر فيها، وإقليمياً غير إيران كانت الإمارات أحد المستثمرين في هذه المليشيا، وهي أهم الداعمين لها لاحتلال العاصمة صنعاء، كما يعلم الجميع بحجة تصفية حزب الإصلاح وكرد على إلغاء اتفاق تأجير ميناء عدن.

-     علينا أن نفرق بين نوعية الضربات المؤثرة لإسرائيل التي كانت في صلب المليشيا الحوثية في مختلف المستويات القيادية، وبين الضربات الأمريكية التي لم تكن مؤثرة في شيء، لم تستهدف غير منشآت اليمن، وألحقت الضرر بالمواطنين اليمنيين فقط، بينما لم تستهدف ولا قيادياً حوثياً واحداً من العيار الثقيل.

العمليات الأمريكية ضد المليشيا الحوثية في اليمن بين عامي 2024 و2025 كانت أشبه بعمليات حزب الله مع إسرائيل في استهداف عمود الكهرباء دون الوصول إلى العظم؛ فقد كانت مخاتلة سياسية وتبادل أدوار لا أكثر، ضحت الولايات المتحدة ببعض سفن مهترئة لدول أخرى لا تهمها في البحر الأحمر، في حين راحت تضرب أهدافاً حوثية غير مؤثرة، وقيل إنها تمويهية استدراجية في الحديدة، عدا عن ضربها ميناء الحديدة ومنشأة الصليف العائد للدولة لا للحوثية.

أقصى ما فعلته الولايات المتحدة الأمريكية في حق المليشيا هو إدراج العشرات من الكيانات والأفراد على قوائم العقوبات الأمريكية والغربية.

في حين حرصت أمريكا على بقاء هذه المليشيا ودورها المسلح في المنطقة وعدم الحسم العسكري ضدها، وعرقلت الشرعية في التقدم نحو صنعاء، وشلت قرار الحرب والتحرير وظلت متحكمة به حتى النهاية، لتؤدي هذه المليشيا دوراً مشبوهاً في المنطقة لابتزاز دول الخليج التي فهمت اللعبة وراحت تتفاهم مع الرأس في طهران لا مع الذنب في اليمن، برعاية صينية، وهو الأمر الذي أزعج أمريكا فقامت بخلط الأوراق من خلال هذه الحرب برمتها.

-     اليوم هناك محاولات عديدة، ومن أطراف مختلفة، لاستدراج دول الخليج للحرب وعلى رأسها المملكة العربية السعودية من خلال استهداف منشآتها الحيوية بالمسيرات وغيرها، لكن المملكة أيضاً تفهم هذا الجانب جيداً وتتمتع بضبط النفس وبعد النظر في عدم الاستفزاز لمعرفتها ما وراء هذه اللعبة بعد أن صارت رأس المشروع العربي حالياً وامتلاكها الخبرة السياسية الكبيرة بعد التجارب العديدة التي مرت بها.

التصريحات الإيرانية ونفيها استهداف مصفاة رأس تنورة التابعة لشركة أرامكو السعودية في شرق المملكة، وأنها لم تكن ضمن أهدافها، ربما تأتي تفسيراً لسياق ضغط دول أخرى على المملكة لاستدراجها للحرب، بينما اتهمت إيران إسرائيل بهذا الاستهداف.

-     في حين صار من المسلم به أن المليشيا الحوثية الإرهابية تعتمد اعتماداً كلياً على الملالي في طهران، إلا أنني فيما يخص الجانب الاقتصادي تحديداً لا أسلم بهذا الأمر مطلقاً؛ فأموالها الضخمة التي تجعل المليشيا قائمة على أقدامها هي من أموال الشعب اليمني ومؤسسات الدولة وميزانيتها التي نهبتها طيلة الأعوام السابقة، فضلاً عن ما تنهبه من أموال المواطنين وما بنته من شبكات استثمارية في مختلف المجالات حتى أصبحت ترسل الأموال إلى حزب الله في لبنان وإلى طهران نفسها.

المليشيات الحوثية الإرهابية في الجانب الاقتصادي ضاعفت جباياتها وفرضت موارد لم تكن موجودة في العهود الماضية لنظامي صالح وهادي التي وصلت في عهدهما إلى 14 مليار دولار؛ فقد ضاعفتها إلى أكثر من الثلثين؛ إذ يقول خبراء في هذا الجانب ومتابعون أنها ربما وصلت إلى حوالي 50 مليار دولار، من خلال فرض الجرعات الكبيرة، والاستيلاء على كافة المؤسسات الخاصة والعامة، واستثمرت في مختلف المجالات، وأكثر من ذلك حتى استنزاف الأموال الخاصة للمواطنين، والدعوة للتبرعات للصناعات الحربية، وفرض المجهود الحربي، والتحلل من كافة التزامات الدولة وتقديم الخدمات للمواطنين؛ كل هذا جعل لها أموالاً فائضة لم تنفقها بعد، أو استثمرتها في الجانب التسلحي والاستثمارات الخارجية.

-     إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الطاقة ستتأثر منه أسعار الطاقة عالمياً ولا شك، لكن أنظر منه إلى الجزئية اليمنية، وعليه لن تصل المشتقات الإيرانية إلى المليشيا الحوثية في اليمن وعدم قدرتها الوفاء بالتزاماتها للشعب الي يقع تحت سيطرتها، مما سيفاقم المشاكل الداخلية لمحاولة التعويض عنها داخلياً، ولأنها مليشيا لا ترعوي عن أي شيء أخلاقي فإن ضغط الشعب القابع تحت سيطرتها سيدفعها لمحاولة انتحارية تجاه مارب إلا إن تفاهمت بشكل رسمي وودي مع الشرعية لإيجاد حل عام للأزمة اليمنية برمتها، ولا اظنها تفعل.

شهر كامل، لا أكثر، سيتضح كل شيء، وهي المدة الزمنية التي تم فيها إلغاء لجنة أونمها الدولية في الحديدة بانتظار ما ستسفر عنه هذه الحرب وتداعياتها، وما إذا كانت الحوثية ستلحق بإيران أم سيتم فرضها على اليمنيين من خلال تسوية سياسية شاملة بين جميع الأطراف، في حين أعلى فرص التحرير قائمة اليوم لمن يريد استثمار اللحظة حتى لا تطل الإمامة من جديد برأس أشد عناداً وإجراماً من الفترات الماضية.