ميسي ورونالدو في سباق أخير مع التاريخ…كأس العالم 2026… مسرح الأساطير بين المخضرمين والنجوم الصاعدين
تحالف قبائل مأرب والجوف: يدعو كافة القبائل اليمنية إلى التكاتف والتضامن ودعم نكف دهم ضد اعتقال الشيخ الحزمي ويحذر الحوثيين من المساس بالقبيلة
وفاة سيدة الشاشة الخليجية الفنانة حياة الفهد
عدن تستضيف اجتماعاً رفيعاً مع المنظمة الدولية للهجرة … خطة يمنية لمواجهة تدفقات الهجرة غير النظامية
تقرير أممي: اليمن يتصدّر دول العالم في انعدام الأمن الغذائي… قيود الحوثيين ونقص التمويل يدفعان نحو مجاعة وشيكة
اجتماع عسكري في عدن يبحث مستوى التقدم في ضبط بيانات القوات المسلحة وأتمتتها
سجون سرية للتعذيب… 14 معتقلاً مظلماً و200 حالة اختطاف خلال عام واحد – تقرير حقوقي يفضح الوجه الدموي لسلطة الحوثي في إب
تشييع رسمي وشعبي لجثامين عشرة شهداء من أسرة واحدة في مأرب
اللجنة العسكرية الثلاثية تعود للواجهة: لأمم المتحدة تدفع بلجنة التنسيق العسكري نحو مسار تهدئة جديد في اليمن
الرئيس السوري يصل جدة للقاء ولي العهد السعودي
في صمت الفجر، حيث تبدأ الحياة بالنبض من جديد، يقف علم الجمهورية اليمنية شامخاً فوق ساريات قصر المعاشيق. قد يراه البعض مجرد قماش يرفرف مع النسيم، لكن من يقرأ اللغة الصامتة للأشياء، يعرف أن هذا القماش هو الجسد المرئي للوطن، وأن تلك الألوان هي خلاصة دماء الشهداء وأحلام الأحياء. إنه الوطن وقد تجسد في لحظة بصرية واحدة، مختزلاً كل جغرافيا اليمن من صعدة إلى المهرة، ومن صنعاء إلى عدن، في لوحة صامتة تنطق بكل لغات الانتماء.
حين يرفع العلم على مؤسسة حكومية، يحدث تحول جوهري في طبيعة المكان. فالمبنى الذي كان مجرد إسمنت وزجاج، يتحول إلى كيان مقدس قانونياً، إلى خلية حية في جسد الدولة. كأن العلم يقول للحجر: "قم فأنت الآن وطن". إنه الطقس اليومي الذي يمارس فيه الجماد معجزة التحول إلى مؤسسة، حيث تكتسب الجدران روحاً، وتصبح المكاتب أماكن لصناعة القرار السيادي.
هناك من يتساءل: وما أهمية قطعة قماش في زمن الحرب والدمار؟ هؤلاء ينسون أن الأمم لا تُبنى بالخرسانة وحدها، بل بالرموز التي تمنح الخرسانة معناها. العلم ليس زينة نضيفها إلى المشهد، بل هو المشهد نفسه في أبهى تجلياته. إنه اليمن كله في سبع عشرة ثانية من التأمل، هو صبر المرأة وكفاح الرجل ، وصمود الجندي في الجبهات، وبكاء الأم على شهيدها، وضحكة الطفل الذي لا يزال يؤمن بأن الغد أجمل.
غياب العلم، إذاً، ليس مجرد إهمال إداري يمكن التسامح معه. إنه غياب للدولة في أكثر لحظات حضورها احتياجاً. المؤسسة التي لا يعلوها علم هي مؤسسة معلقة في الفراغ القانوني، لا تعرف لمن تنتمي، ولا تعرف باسم من تتحدث. إنها مثل إنسان فقد ذاكرته، يتجول بين الناس لا يعرف هويته ولا يعرفون هويته. جسد بلا روح، وكيان بلا عنوان.
وإذا كان العلم هو وجه الدولة الذي تراه العيون، فإن صورة رئيس الدولة هي البوصلة التي تعرف بها المؤسسات اتجاهها. في كل مكتب حكومي، تطل صورة الرئيس من على الجدار، شاهداً صامتاً على ما يحدث. قد يسافر الرئيس، قد ينام، قد ينشغل، لكن صورته لا تغيب. هي الحضور الدائم، والضامن الرمزي لاستمرارية الدولة.
تلك الصورة ليست مجرد تكريم لشخص الرئيس، بل هي تجسيد للفكرة التي يحملها. إنها البيعة المتجددة كل صباح، تذكير دائم للمسؤول بأنه ليس صاحب السلطة، بل مجرد أمين عليها. بأنه يعمل باسم الرئيس وبموجب الدستور، وأن أي قرار يصدر عنه يجب أن يكون في إطار هذه الشرعية. هي حبل السرة الذي يربط أصغر دائرة حكومية بأعلى قمة في الهرم، مانعة إياها من الانفلات أو الانعزال.
عندما تغيب هذه الصورة، أو تُهمل، فإنها ترسل رسالة صامتة لكنها بليغة: هذه المؤسسة لا ترى نفسها جزءاً من هذه الشرعية. إنه طعن ناعم في شرعية النظام، لا يرقى إلى مستوى التمرد العلني، لكنه يمارس ذات الوظيفة التآكلية مع مرور الوقت.
كالماء الذي يسقط على الصخر قطرة قطرة، لا يحدث صوتاً، لكنه مع الأيام يشق الصخر نصفين.
اليمين الدستورية التي يؤديها المسؤولون أمام رئيس الدولة هي اللحظة الفارقة في حياتهم المهنية. لحظة يتوقفون فيها عن كونهم أفراداً عاديين، ليصبحوا تجسيداً للدولة في مواقعهم. كلمات قليلة يقولونها، لكنها تغير كل شيء. من بعدها، كلماتهم تصبح قرارات، وصمتهم يصبح موقفاً، وحضورهم يصبح مؤسسة.
تأمل اليمين جيداً، ستجدها جسراً من ثلاث طبقات: جسر مع الماضي، تعترف به الأجيال الحالية بأنها امتداد لسلسلة طويلة من خدمة الدولة، وأنها لن تكون آخر حلقاتها. جسر مع الحاضر، تعلن فيه للشعب بأنها تحت طائلة المساءلة، وأن سلطتها مستمدة من ثقة المواطنين. وجسر مع المستقبل، تتعهد فيه للأجيال القادمة بأنها ستسلم الدولة أقوى مما تسلمتها.
الحنث بهذه اليمين، إذاً، ليس مجرد كسر لكلمة. إنه قطع لهذه الجسور الثلاثة معاً. هو تفكيك للعقد الاجتماعي، ونسف للثقة بين الحاكم والمحكوم، وتدمير لمستقبل الأجيال. عندما يحنث مسؤول بيمينه، فهو لا يخون فقط من حلف أمامهم، بل يخون أيضاً كل من سيأتون بعده، ويخون كل من سبقوه ممن حافظوا على الأمانة.
قد يقول قائل إن رفع العلم وصور الرئيس أمور شكلية، بينما اليمين والدستور أمور جوهرية. لكن هذه ثنائية خادعة. في القانون كما في الحياة، الشكل والجوهر وجهان لعملة واحدة. اليمين الدستورية هي القول، والرموز الوطنية هي الفعل الذي يجسد هذا القول. حين يقول المسؤول "أقسم بالله العظيم أن أحترم الدستور والقوانين"، ثم لا يرفع العلم، ولا يضع صورة الرئيس، فإن قوله يصبح بلا معنى. يصبح مثل من يقول "أنا أحبك" ثم يدير ظهره.
الرموز الوطنية هي ترجمة اليمين الدستورية إلى لغة مرئية. هي التي تجعل من الكلمات المجردة مشهداً ملموساً، ومن الالتزامات القانونية حضوراً يومياً، ومن الدولة فكرة متجسدة يمكن رؤيتها بالعين المجردة. بدون هذه الترجمة، تظل اليمين حبراً على ورق، تذروه رياح النسيان مع أول اختبار.
الخطر الأكبر لا يكمن في المخالفة الفردية، بل في تحول هذه المخالفة إلى قاعدة. التساهل مع مسؤول لا يرفع العلم يخلق سابقة خطيرة. فإذا لم يعاقب الأول، سيتجرأ الثاني، ويقتدي الثالث، وتعم الظاهرة. في لحظة معينة، يصبح عدم رفع العلم هو القاعدة، ورفعه هو الاستثناء. وعندها تكون الدولة قد انهارت من الداخل، ليس بفعل عدو خارجي، ولا بفعل مؤامرة مدبرة، بل بفعل التآكل الرمزي البطيء الذي يفتت هيبتها يوماً بعد يوم.
تخيل النسيج الدستوري للدولة كنسيج حقيقي: الدستور هو الخيوط الأساسية التي تشكل الهيكل، القوانين هي الخيوط الداعمة التي تمنحه المتانة، المؤسسات هي الإبرة التي تنسج هذه الخيوط معاً، والرموز الوطنية هي الزخارف التي تعطي للنسيج جماله وهويته. عندما تهمل الزخارف، يفقد النسيج جماله. وعندما يفقد جماله، يبدأ الناس في الاستغناء عنه. وعندما يستغنون عنه، ينهار النسيج كله.عدن اليوم ليست مجرد مدينة، إنها مرآة تعكس حالة الدولة اليمنية. حين نرى العلم يرفرف فوق الوزارات فيها، لا نرى مجرد قطعة قماش. نرى اليمن كله مختزلاً في تلك اللحظة. نرى صبر المواطن الذي انتظر طويلاً، وتضحيات الجندي الذي دفع الثمن غالياً، وأحلام الطفل الذي يستحق مستقبلاً أفضل، وصمود المرأة التي كانت ولا تزال عماد هذا الوطن.
غياب هذا العلم، بالمقابل، ليس مجرد فراغ. إنه حضور للغياب، وكأن شيئاً مفقوداً يستصرخ العودة. المؤسسة بلا علم هي مثل الأم بلا ابتسامة، مثل الوطن بلا هوية، مثل الكلمات بلا معنى. تشعر وأنت تدخلها بأن شيئاً ناقصاً، شيئاً أساسياً، شيئاً لا يمكن تعويضه.وصورة الرئيس على المكاتب، حين تكون حاضرة، تعكس للمواطن أن دولته ما زالت حية، أن شرعيتها مستمرة، أن مؤسساتها تعمل. لكن حين تغيب، يشعر المواطن بأنه يتعامل مع كيان مجهول، لا يعترف بأحد، ولا يلتزم لأحد، ولا يسأل عن أحد. كأنه يدخل متاهة بلا خرائط، أو يبحر في بحر بلا منارات.الحقيقة التي يجب أن ندركها جميعاً هي أن استعادة الدولة تبدأ من استعادة رموزها. ليس هذا كلاماً شعرياً نزين به خطاباتنا، بل هو قانون سياسي أثبتته تجارب الأمم عبر التاريخ. كل دولة انهارت، كان انهيارها يبدأ بانهيار رموزها قبل مؤسساتها. وكل دولة نهضت، كانت نهضتها تبدأ بإعلاء رموزها. الرموز ليست نتيجة الاستقرار، بل هي شرطه المسبق.لذلك، فإن المطالبة برفع العلم وصور الرئيس ليست مطالب شكلية يمكن تأجيلها لحين استقرار الأوضاع. إنها مطالب وجودية، هي المطالبة بأن تكون الدولة حاضرة هنا والآن، وأن تكون المؤسسة معبرة عما تفعله، وأن تكون الشرعية ظاهرة للعيان. والمطالبة بذلك هي واجب وطني قبل أن تكون حقاً قانونياً.والمساءلة عن التقصير في ذلك ليست تشدداً أو تعصباً، بل هي حماية للدولة من أعدائها الخفيين. أولئك الذين لا يحتاجون إلى إسقاطها بالرصاص والصواريخ، يكفيهم أن يفرغوها من مضمونها تدريجياً، حتى تصبح قشرة فارغة، وجسداً بلا روح. أولئك الذين يعرفون أن إهمال الرموز هو مقدمة لإهمال كل شيء.في النهاية، يبقى السؤال الذي يطرحه كل مواطن يمني، في عدن أو صنعاء أو تعز أو حضرموت، في الداخل أو الخارج: أين دولتي؟
والدولة، في أبسط تعريفاتها وأعمقها في نفس الوقت، هي حيث يكون العلم مرفوعاً. هي حيث تكون صورة الرئيس موجودة. هي حيث تكون اليمين محفوظة. هي حيث يكون المواطن واثقاً أن من يدير شؤونه يعرف لمن يتبع، ولمن يلتزم، وباسم من يتحدث.هذه ليست تفاصيل صغيرة يمكن التغاضي عنها. هذه هي الدولة ذاتها في جوهرها. هذا هو اليمن الذي نريد. وهذا ما عدا ذلك، فهو سراب.

