مأرب… حين تُصحح الجغرافيا أخطاء السياسة
بقلم/ طعيمان جعبل طعيمان
نشر منذ: 3 أسابيع و 4 أيام و 8 ساعات
الخميس 12 فبراير-شباط 2026 09:22 م
 

ليست كل المناطق التي تُظلم إعلاميًا ضعيفة، ولا كل المناطق التي تُتهم خارج السياق بعيدة عن الدولة. أحيانًا تكون المشكلة في العدسة، لا في الصورة.

 

مأرب واحدة من تلك المناطق التي دفعت ثمنًا باهظًا لسوء الفهم المتراكم عبر عقود. صُوّرت طويلًا باعتبارها هامشًا جغرافيًا، أو منطقة عصية، أو ملفًا أمنيًا أكثر من كونها مجتمعًا حيًا له تاريخ وثقل ودور. كانت تُذكر غالبًا في سياق الاتهام، لا في سياق الإنجاز.

 

لكن الأحداث الكبرى لا تترك مساحة طويلة للوهم.

 

حين واجهت الدولة أخطر مراحلها، لم تُقاس مواقف المحافظات بالشعارات، بل بالمواقف الفعلية. هناك سقطت الأقنعة، وتبدلت الروايات، وظهر الفرق بين من كان عبئًا على الدولة، ومن تحمّل عبء الدفاع عنها.

 

مأرب لم تكتب بيانًا لتثبت نفسها؛ بل كتبت موقفًا.

لم تدخل في معركة لتُحسن صورتها؛ بل لتؤدي واجبها.

 

وفي خضم الفوضى والانهيار الذي أصاب كثيرًا من مفاصل البلاد، برز نموذج مختلف:

إدارة محلية استطاعت أن تحافظ على قدر من الاستقرار، مجتمع استوعب مئات الآلاف من النازحين دون تمييز، بيئة احتضنت الجميع دون سؤال عن الانتماء أو الخلفية أو الجهة.

 

هذا التحول لم يكن صدفة.

بل كان نتيجة تراكم من الوعي الاجتماعي، والتماسك القبلي الإيجابي، والشعور العميق بالمسؤولية الوطنية.

 

المفارقة أن المحافظة التي وُصفت يومًا بأنها بعيدة عن الدولة، أصبحت عنوانًا للصمود من أجل استعادتها.

والمكان الذي قيل إنه خارج السيطرة، قدّم نموذجًا نسبيًا للاستقرار وسط الانهيار.

 

ليست القضية تمجيدًا لمكان بقدر ما هي مراجعة لرواية.

فاليمن، في محطاته الصعبة، أعاد تعريف مناطقه وفقًا لمواقفها، لا وفقًا للتوصيفات القديمة.

 

مأرب اليوم ليست مجرد مساحة جغرافية في شرق البلاد؛ بل تجربة تستحق القراءة. تجربة تقول إن الهامش قد يتحول إلى مركز حين ينهار المركز، وإن الصورة النمطية قد تتلاشى حين يُتاح للمجتمع أن يُظهر حقيقته.

 

من حق أي محافظة أن تُنتقد، ومن الطبيعي أن تُراجع أخطاؤها، لكن من الظلم أن تبقى أسيرة توصيفات سياسية تجاوزها الواقع.

 

مأرب لم تطلب شهادة حسن سلوك من أحد؛ يكفي أن الوقائع تكلمت.

وحين تتحدث الوقائع، تسقط الأحكام المسبقة.

 

ربما آن الأوان أن ننظر إلى الجغرافيا بعين العدالة، لا بعين الإرث السياسي.

فبعض المناطق لا تحتاج إلى دفاع… بل تحتاج فقط إلى إنصاف.