عدن: التاريخ الحاضر والتحولات الملموسة
بقلم/ عوض عميران
نشر منذ: شهرين و 8 أيام
الثلاثاء 10 فبراير-شباط 2026 06:40 م
 

لطالما كانت عدن مرآة لتقلبات النفوذ الإقليمي والسياسي في اليمن. المدينة التي شهدت عبور القوى الكبرى، من الغزو البرتغالي إلى النفوذ البريطاني، ثم التدخل الإماراتي والسعودي، لم تكن يومًا معزولة عن حركة التاريخ، بل كانت مختبرًا لتجارب السلطة والمجتمع، يلمس فيها المواطن أثر كل تدخل خارجي وصراع داخلي.

خلال سنوات النفوذ الإماراتي في المناطق المحررة، تكشفت عدن على حقيقتها: وعود كبيرة، مشاريع رمزية، وأزمات متراكمة. على الرغم من وجود استثمارات في مجالات محددة، لم يلمس السكان تحسنًا ملموسًا في الخدمات الأساسية، وظلت البنية التحتية في حالة هشاشة. هذا الواقع أنتج شعورًا متزايدًا بعدم الأمان وعدم الثقة، فكل إخفاق كان يذكّر بتاريخ طويل من التحديات والهشاشة المؤسسية.

مع دخول المملكة العربية السعودية إلى المشهد في الأشهر الأخيرة، تغيرت اللعبة بشكل سريع. تدخل مباشر، إمدادات وقود، إعادة تشغيل محطات الكهرباء، وضبط الاختناقات اللوجستية، أعطى السكان شعورًا ملموسًا بالأمان والاستقرار. لم يكن مجرد تدخّل تقني، بل إعادة ترتيب النفوذ الخارجي بطريقة أنتجت أثرًا نفسيًا وميدانيًا ملموسًا.

 

التفاؤل المشوب بالحذر

 

ما يراه المواطن اليوم هو تفاؤل مشوب بالحذر. التفاؤل ينبع من المظاهر الملموسة: انتظام الكهرباء، توفر الوقود، وضوح الإجراءات الأمنية والإدارية، وانخفاض الاحتكاك بين الفصائل المحلية. أما الحذر، فيرتبط بتجربة السنوات الماضية، حيث كانت أي خطوة للتحسن هشّة وسريعة الانكسار. التاريخ في عدن علم الناس أن لا شيء يُؤخذ كأمر مسلم به، وأن كل نجاح يحتاج إلى تثبيت واستدامة.

 

البعد النفسي والاجتماعي

 

هذا المزج بين التفاؤل والحذر لا يقتصر على الشعور الفردي، بل يمتد إلى المجتمع ككل:

الأسواق بدأت تتحرك تدريجيًا،

النشاط الاجتماعي عاد إلى بعض الأحياء،

الثقة بالمؤسسات المحلية بدأت تتشكل، ولو ببطء،

المواطنون يراقبون ويقيّمون كل تغيير في الخدمات والقرار السياسي، مدركين هشاشة المكاسب.

 

التاريخ يعلمنا درسًا

 

عدن اليوم ليست سوى انعكاس لتراكم السنوات الماضية:

كل تدخل خارجي ترك أثرًا،

كل تجربة فشل أو نجاح ساهمت في تشكيل المزاج العام،

كل خطوة نحو الاستقرار المرتقب تعتمد على دمج الرعاية الخارجية مع بناء القدرة الذاتية للمؤسسات المحلية.

 

المستقبل القريب

 

إذا استمر التدخل السعودي المباشر في توفير الخدمات الأساسية، مع تعزيز قدرة المؤسسات المحلية تدريجيًا، يمكن أن يتحول التفاؤل المرحلي إلى استقرار أكثر ديمومة. ومع ذلك، فإن أي فراغ أو صراع محلي، أو تغيّر مفاجئ في الدعم الخارجي، قد يعيد الحذر إلى المقدمة، كما يعلمنا التاريخ الطويل للمدينة.

عدن، كما كانت دومًا، مدينة التجربة والملاحظة، حيث يتفاعل التاريخ مع الواقع اليومي، والشعور بالأمان مع الوعي بالمخاطر، في نمط مزدوج يجمع بين الحذر والتحفز. وما يحدث اليوم هو مرحلة انتقالية: تحسن ملموس، تجربة تاريخية، وفرصة لبناء قدرة ذاتية مستقبلية.