الحكومة اليمنية الجديدة.. دلالات التشكيل وتحديات المستقبل
بقلم/ المستشار منير عبدالله الحمادي
نشر منذ: 4 أسابيع و يوم واحد و 14 ساعة
الأحد 08 فبراير-شباط 2026 05:02 م
 

مدخل عام

جاء تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في لحظة سياسية دقيقة، تتداخل فيها تعقيدات الداخل مع ضغوط الإقليم، وتعلو فيها تطلعات الشارع اليمني إلى الاستقرار وتحسين الأداء العام للدولة. ومن زاوية قراءة واقعية، يمكن القول إن التشكيلة الحكومية حملت في طياتها مؤشرات إيجابية تستحق التوقف عندها، إلى جانب تحديات حقيقية ستحدد مستقبلها العملي.

كفاءات وتراكم خبرة

 

أول هذه المؤشرات يتمثل في حضور الكفاءات التكنوقراطية ضمن التشكيلة، إلى جانب الحفاظ على عدد من الوزراء الذين أظهروا نجاحًا نسبيًا في الحكومة السابقة بحسب واقع الحال وظروف الميدان.

هذا التوجه يعكس رغبة واضحة في البناء على ما تحقق، وتغليب معيار الأداء والخبرة على منطق التغيير الشكلي أو الاستبدال بدوافع سياسية بحتة، وهو أمر تفرضه طبيعة المرحلة وحساسية الملفات المطروحة.

 

ما بعد المحاصصة المناطقية

 

كما يُحسب للحكومة أنها تجاوزت منطق المحاصصة المناطقية بدرجة لافتة، خصوصًا في ما يتعلق بالوزارات السيادية، حيث لم يظهر التوزيع بما يعكس هيمنة منطقة على أخرى.

فوجود وزارة سيادية واحدة للشمال مقابل ثلاث وزارات سيادية للجنوب يعكس حالة من التوافق على الأشخاص وقدرتهم على إدارة المنصب، لا على انتماءاتهم الجغرافية، ويبعث برسالة مهمة مفادها أن المسؤولية الوطنية يجب أن تكون فوق اعتبارات المنطقة والهوية الضيقة.

 

شراكة لا إقصاء

 

وفي السياق نفسه، فإن استمرار وجود أسماء تمثل مكونات جنوبية كانت تُصنَّف سابقًا ضمن المجلس الانتقالي الجنوبي داخل الحكومة، يؤكد عمليًا أن خيار الإقصاء لم يعد مطروحًا، وأن هناك إدراكًا متزايدًا بأن إدارة المرحلة تتطلب شراكة سياسية واسعة، مهما بلغت حدة الخلافات في المراحل الماضية.

 

تمثيل المرأة: دلالة سياسية ومجتمعية

 

ومن الدلالات اللافتة في تشكيل الحكومة الجديدة حضور ثلاث نساء ضمن التشكيلة الوزارية، وهو حضور يُسجَّل للمرة الأولى بهذا العدد في الحكومات اليمنية المتعاقبة.

ولا يمكن التعامل مع هذا الحضور بوصفه تفصيلًا شكليًا، بل يعكس إدراكًا متقدمًا لأهمية تمثيل المرأة كقطاع واسع ومكوّن رئيسي في المجتمع اليمني، وشريك فاعل في مسارات البناء والاستقرار.

 

ويحمل هذا التمثيل رسالة سياسية ومجتمعية مفادها أن الحكومة تتجه نحو توسيع قاعدة الشراكة الوطنية، وإشراك فئات ظلت لعقود خارج دائرة التأثير في صناعة القرار، رغم أدوارها المحورية في الصمود المجتمعي خلال سنوات الحرب والأزمات.

كما أن هذا الحضور النسوي، إذا ما اقترن بتمكين حقيقي وصلاحيات فاعلة، يمكن أن يشكّل إضافة نوعية لأداء الحكومة، ويسهم في تعزيز الثقة الداخلية وتحسين صورة الدولة اليمنية إقليميًا ودوليًا.

 

الاعتراف الدولي والدعم الإقليمي

 

إلى جانب ما سبق، فإن الحكومة الجديدة تتمتع باعتراف دولي كامل، وتحظى بدعم إقليمي فاعل، وفي مقدمة ذلك دعم المملكة العربية السعودية، بوصفها الفاعل الإقليمي الأهم في الملف اليمني.

هذا الاعتراف والدعم لا يمنحان الحكومة شرعية سياسية فحسب، بل يوفّران لها فرصًا أوفر للنجاح، سواء على مستوى الاستقرار، أو في مسار إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحريك عجلة الاقتصاد، وتعزيز حضور الدولة في المحافل الدولية.

 

ويمثل هذا الدعم عنصر قوة حقيقيًا إذا ما أُحسن استثماره ضمن رؤية وطنية مستقلة، تُحسن إدارة العلاقة مع الشركاء الإقليميين والدوليين بما يخدم المصلحة اليمنية العليا.

 

من التشكيل إلى الفعل

 

إن تشكّل الحكومة وصدور قرارها الجمهوري يجعل منها اليوم أمرًا واقعًا ومسؤولية وطنية مشتركة. وعليه، فإن الواجب يقتضي من جميع القوى السياسية والمجتمعية تكاتف الجهود لإنجاحها، وتسهيل قيامها بمهامها، بعيدًا عن منطق العرقلة أو تصفية الحسابات.

ويبقى التقييم الحقيقي لأداء الحكومة مرهونًا بما ستقدمه على أرض الواقع، لا بما يُقال عنها مسبقًا؛ فالميدان وحده هو الحكم، والنتائج هي الفيصل.

 

التحدي الأهم: الدولة أولًا

 

التحدي الأخطر في المرحلة القادمة لا يقتصر على الملفين الاقتصادي والخدمي، بل يتمثل في توحيد الجبهة الداخلية، والعمل الجاد في إطار الدولة الدستورية الواحدة، مع التزام الجميع بالخضوع لسلطتها ومؤسساتها الشرعية.

كما أن توحيد كافة التشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية يظل المدخل الحقيقي لأي استقرار سياسي وأمني مستدام، وأي تأخير في هذا الملف سيبقي الدولة رهينة للازدواجية والفوضى.

 

الخلاصة

 

في المحصلة، فإن الحكومة الجديدة تمتلك فرصة حقيقية للنجاح، مستندة إلى توافق سياسي نسبي، وكفاءات مهنية، واعتراف دولي ودعم إقليمي فاعل. ويبقى الرهان الحقيقي على قدرتها في الانتقال من إدارة التوازنات إلى بناء الدولة وخدمة المواطن، وهو الرهان الذي ينتظره اليمنيون اليوم أكثر من أي وقت مضى.

ختامًا

قال تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾

صدق الله العظيم.