قراءة في خطاب مجتبى خامنئي.. رسائل في زمن التصعيد.. مرشد إيران الجديد يرسم ملامح الجمهورية الخشنة
اليمن ترحب بقرار مجلس الأمن الذي يدين الإعتداءات الإيرانية على دول الخليج والأردن
جامعة عدن تمنح الدكتور عبداللطيف الفجير لقب "أستاذ مساعد" تقديراً لإسهاماته البحثية
كسر الصيام في رمضان- احذر الإفطار على هذه الفاكهة
احمرار العين الشديد- علامات تحذير تتطلب الانتباه
حرب المسيّرات تشعل السودان من جديد… عشرات القتلى وضربات تضرب المدن والبنية التحتية
أول بيان للمرشد الجديد وإسرائيل تقصف موقعا نوويا بطهران
مؤسسة الشموع تطالب اللواء سلطان العرادة بالتدخل للتحقيق في إحراق مقرها وتعويضها عن الأضرار
الدول الكبرى تطلق احتياطيات نفطية استراتيجية لاحتواء جنون الأسعار وتأثيرات الصراع
غوارديولا يودّع المستقبل: سأفتقد سيلهرست بارك وجوديسون بارك
في إطار تطرقنا المستمر لرؤية إدارة المرحلة الحالية في اليمن، والذي اكدنا فيه ان العبور نحو الدولة المستقرة يكمن في التلازم الصارم بين ثلاثة مسارات متوازية لا يقبل أحدها التجزئة، وهي:
مسار سياسي محكوم بـ«فقه الضرورة» لاستيعاب التعقيدات الراهنة، ومسار سيادي تقوده قيادة دولة بنزاهة مشهودة وكفاءة وطنية، ومسار حقوقي يستند إلى «فقه العدالة الانتقالية» لترميم التصدعات المجتمعية.
وبعد أن استعرضنا في مقالات سابقة أهمية القيادة النزيهة كعنوان للمرحلة، والاستيعاب السياسي بضوابطه والتزاماته، نصل اليوم إلى المحور الأعمق والأكثر التصاقًا بوجدان كل يمني: المسار الحقوقي بميزان العدالة الانتقالية. فالحكومة الجديدة المزمع تشكيلها ليست مجرد تشكيل إداري، بل حكومة استحقاقات، ويظل اختبارها الحقيقي في قدرتها على فتح ملفات العدالة المؤجلة، لا الالتفاف حولها.
أولويات المسار الحقوقي في أجندة الحكومة القادمة
أولى هذه الأولويات تفعيل لجان تقصي الحقائق، عبر البدء الفوري في كشف الوقائع بشفافية كاملة، بعيدًا عن التسييس أو الانتقائية، بما يضمن توثيق الانتهاكات ومنع تكرارها.
ويأتي في صدارة الملفات ملف المخفيين قسرًا، بوصفه الجرح الغائر في جسد المجتمع اليمني، حيث لا يمكن الحديث عن مصالحة أو استقرار دون إرادة سياسية حقيقية تنهي معاناة آلاف الأسر وتكشف مصير ذويها.
كما يمثل تعويض الضحايا وجبر الضرر ركيزة أساسية، لا يقتصر فيها التعويض على البعد المادي، بل يمتد إلى رد الاعتبار المعنوي والمجتمعي، بما يسهم في تطهير الذاكرة العامة من رواسب الصراع.
دروس من العالم: كيف عبرت الأمم جسر العدالة؟
إن مسار العدالة الانتقالية الذي ننشده في اليمن ليس طريقًا نظريًا أو مستحيلًا، فقد سبقتنا دول أنهكتها الصراعات ونجحت في ترميم نسيجها الاجتماعي عبر نماذج ملهمة.
في جنوب أفريقيا، شكلت لجان الحقيقة والمصالحة نموذجًا قائمًا على مبدأ «الحقيقة مقابل العفو»، حيث كان كشف الوقائع والاعتراف العلني بالانتهاكات شرطًا لبناء سلام مجتمعي شامل.
وفي المغرب، قدمت هيئة الإنصاف والمصالحة نموذجًا عربيًا رائدًا أثبت أن جبر الضرر يتجاوز التعويض المالي إلى الاعتذار الرسمي للدولة، وإصلاح المؤسسات، وإنصاف المناطق التي عانت من التهميش الحقوقي.
أما رواندا، فقد زاوجت عبر محاكم «الجاكاكا» بين القانون والأعراف المحلية، ما أتاح مشاركة المجتمع في المحاسبة والمصالحة، وحوّل بلدًا على حافة الإبادة إلى نموذج للتعافي والتنمية.
أثر العدالة الانتقالية في استعادة الثقة
العدالة الانتقالية ليست عدالة انتقامية، بل جسر عبور نحو المستقبل. فعندما يرى المواطن أن الدولة بدأت تنصف المظلومين، وتتحمل مسؤوليتها الأخلاقية والقانونية تجاه ضحايا النزاع، يتحول المجتمع من حالة الترقب والريبة إلى حالة الشراكة والمساندة لمؤسسات الدولة.
ولضمان نجاح هذا المسار في السياق اليمني، تبرز ثلاثة مرتكزات لا غنى عنها:
أولها المحلية، من خلال صياغة نموذج يمني يستوعب الخصوصية الاجتماعية ويستثمر الأعراف القبلية الإيجابية.
وثانيها المساءلة، عبر الفصل الواضح بين المصالحة السياسية والحقوق الشخصية والجرائم الجسيمة التي لا تسقط بالتقادم.
وثالثها الإصلاح المؤسسي، بتحويل العدالة من استجابة ظرفية إلى ثقافة راسخة داخل أجهزة الأمن والقضاء، تضمن عدم تكرار مآسي الماضي.
خلاصة القول
إن نجاح الحكومة القادمة مرهون بمدى التزامها بتلازم المسارات الثلاثة؛ فلا استيعاب سياسي بلا عدالة، ولا قيادة نزيهة بلا مساءلة حقيقية. وحدها الشعوب التي امتلكت شجاعة مواجهة ماضيها بعدل وحكمة، استطاعت أن تمتلك مستقبلها بثقة واستقرار.