آخر الاخبار

توكل كرمان: العالم يدخل مرحلة إعادة تشكّل كبرى وتفكك اليمن يهدد أمن البحر الأحمر وممرات الطاقة العالمية خطط عسكرية لإعادة ترتيب وتموضع قوات المنطقة الأولى والثانية بحضرموت قناة بلقيس الفضائية تعلن عودة برامجها وتحدد مكان ونوعية العودة الجديدة   جمعية مرضى الثلاسيميا والدم الوراثي في اليمن تحذر من كارثة صحية مع نفاد الأدوية والمستلزمات اللازمة ''بلاغ'' توتر سريع بين مبابي وماستانتونو يثير الجدل في ختام مباراة ريال مدريد البنك المركزي يوجّه البنوك التجارية في عدن لشراء العملات الأجنبية لاحتواء أزمة السيولة خلال لقائه الحكومة الجديدة.. العليمي يشدد على توحيد القرار الأمني والعسكري لمواجهة التحديات ويؤكد أن تعزيز الأمن وسيادة القانون هو المدخل لاستعادة الدولة لماذا تغيب أحد الوزراء عن أداء اليمين الدستورية أمام الرئيس العليمي اليوم؟ في أول لقاء مع الحكومة الجديدة.. العليمي يرسم ملامح المعركة الاقتصادية ويحدد المهام والخطط القادمة سالم الخنبشي: يدعو إلى إعادة دمج وتموضع القوات المسلحة تحت مظلة موحدة لتعزيز الأمن والاستقرار

الدولة اليمنية بين تغوّل المركز وحقوق الأطراف
بقلم/ علي محمود يامن
نشر منذ: 3 أسابيع و يوم واحد و 9 ساعات
الأحد 18 يناير-كانون الثاني 2026 05:32 م
 

تتميّز الجزيرة العربية، في سياقها التاريخي والاجتماعي، بدرجة استثنائية من التجانس البنيوي الذي يتجاوز التشابه السطحي ليبلغ مستوى التطابق في كثير من عناصر التكوين الجمعي. ويتجلّى هذا التجانس في وحدة الانتماء والنسَب، وفي الاشتراك العميق في العقيدة واللغة والتاريخ والذاكرة الوجدانية، فضلًا عن منظومة القيم العربية الجامعة القائمة على الحميّة، والتكافل الاجتماعي، والتماسك الثقافي، واستحضار معاني المجد والعزة والكرامة الوطنية، إلى جانب النزعة الإنسانية المتجذّرة في البنية الأخلاقية للمجتمع العربي. ويُعد هذا النسق المتكامل من عناصر الوحدة ظاهرة نادرة في المقاييس الجغرافية والسياسية العالمية، إذ قلّما تجتمع هذه المحددات في فضاء واحد بهذه الكثافة والامتداد التاريخي.

 

وفي هذا الإطار، يشكّل اليمن جزءًا أصيلًا وعضويًا من هذا التكوين الجغرافي والحضاري والثقافي، لا بوصفه هامشًا تابعًا، بل باعتباره أحد مرتكزاته التاريخية العميقة. وقد أثبتت التجربة التاريخية، عبر تعاقب الحقب، أن كل مشاريع السيطرة والتفتيت وإعادة التشكل القسري التي استهدفت اليمن اصطدمت بصلابة بنيته الاجتماعية وعمق وعيه الجمعي، إذ ما لبثت هذه المشاريع أن انهارت، لتعود اليمن في كل مرة إلى استعادة وحدتها الوطنية والحضارية والسياسية، وإن بعد مخاضات معقّدة وتكاليف باهظة.

 

وانطلاقًا من هذه الحقيقة التاريخية، يمكن فهم الدعوات المعاصرة للتقسيم المناطقي أو القروي باعتبارها امتدادات وظيفية لمشاريع التفتيت، وأدوات لإعادة إنتاج السيطرة من خلال تفكيك الكلّ الوطني إلى وحدات صغرى قابلة للاختراق والهيمنة. فهذه الدعوات لا تعبّر عن تنوّع مشروع أو تعددية صحية، بقدر ما تسهم في تقزيم وطنٍ يمتلك من العمق التاريخي والحضاري ما يتجاوز حدود الجغرافيا السياسية الراهنة، وتؤدي إلى خلق مراكز نفوذ ضيّقة تنخر في البنية الجامعة للوحدة الوطنية.

 

وتأسيسًا على ذلك، تبرز المسؤولية التاريخية للنخب السياسية والاجتماعية والثقافية بوصفها فاعلًا مركزيًا في بلورة مشروع وطني جامع، يقوم على إعادة تعريف الوحدة الوطنية بوصفها عقدًا أخلاقيًا وسياسيًا يستند إلى مبدأ المساواة الكاملة في المواطنة، وإلى تجريم كل الخطابات والممارسات التي تسعى إلى تمزيق النسيج الوطني، أو إنتاج صراعات وهويات متنازعة تحت أي مسمّيات غير وطنية. فصيانة وحدة اليمن، في هذا المعنى، لا تمثّل مجرّد خيار سياسي مرحلي، بل ضرورة حضارية وتاريخية تفرضها شروط البقاء والاستقرار والنهضة

 

ومن المؤكد ان اختزال الجغرافيا السياسية اليمنية في ثنائية الشمال والجنوب، مع تجاهل الدور البنيوي والمحوري لكلٍّ من الشرق والغرب بوصفهما جناحين أصيلين للدولة، أسهم بصورة مباشرة في تشويه فهم التوازنات الوطنية، وأنتج مقاربات قاصرة لطبيعة الدولة ومشكلاتها البنيوية. وقد أتاح هذا الاختزال لنخب نافذة في الشمال والجنوب تبرير نزعات التغوّل الجغرافي والسياسي؛ حيث تجلّى التغوّل الشمالي في الهيمنة على الغرب، ممثلًا في إقليم تهامة، في مقابل سعي نخب جنوبية إلى التمدّد على حساب المحافظات الشرقية.

 

وأفضى هذا المسار إلى اختلال عميق في ميزان العدالة السياسية، وأضعف فاعلية أي معالجات جادة لقضايا التهميش، التي تُعد من أخطر التحديات البنيوية أمام قيام دولة يمنية مستقرة وعادلة. فالتهميش لم يكن محصورًا في طرف دون آخر، بل طال مناطق واسعة جرى إخراجها من معادلة السلطة والثروة والقرار.

 

وانطلاقًا من ذلك، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة تعريف الدولة اليمنية باعتبارها جغرافيا وطنية شاملة، تمتد في جميع الاتجاهات، وتحضر فيها كل ربوع اليمن، برًّا وبحرًا، بجزره ومياهه وسواحله وعمقه القاري. كما تزداد الحاجة السياسية إلى بناء شراكة وطنية حقيقية وفاعلة، قائمة على الاعتراف بالتنوّع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي في مختلف جهات اليمن، وضمان شراكة عادلة في السلطة والثروة وصناعة القرار.

 

ولا يمكن تحقيق ذلك إلا في إطار موجّهات دستورية واضحة، تمنع تغوّل المركز على الأطراف، وتكبح في الوقت ذاته نزعات الانسلاخ أو التفكك، بما يضمن توازن المصالح الوطنية، ويخدم جميع أبناء الشعب اليمني، ويصون الأمن القومي اليمني في امتداده العربي والإقليمي.

 

إن اختزال اليمن في مركزي الشمال والجنوب يفرغ فكرة الدولة من مضمونها؛ فاليمن كيان تاريخي وثقافي يتجاوز هذه الثنائية. والوحدة، بوصفها ضرورة تاريخية، تتقدم على كونها خيارًا سياسيًا، ما يجعل تجاوز الاختزال الجغرافي شرطًا أساسيًا لبناء مستقبل آمن ومستقر.

 

ويعد تحديد شكل الدولة وهويتها، والذي افرزته احداث محافظات الشرق حضرموت والمهرة يقف في قلب التحوّل المنشود نحو اليمن الاتحادي .

 واي تجاوز لمحورية المحافظات الشرقية يقود حتماً إلى فشل أي تسوية، والتي تعد اهم ركائز المشروع الوطني.

  

وفي هذا السياق، فإن أي مسار حواري – بما في ذلك حوار الرياض – ينبغي أن يرتكز على مقاربة جغرافية عادلة، تولي الجنوب والشرق تمثيلًا منصفًا، يأخذ في الاعتبار معادلة المساحة والسكان معًا، ويعبّر عن الإرادة الوطنية الحقيقية، بعيدًا عن اختزال القضايا الوطنية الكبرى في مشاريع ضيقة ذات أفق محلي أو قروي. كما يجب رفض أي صيغة تقوم على تبادل السيطرة على المركز بين الشمال والجنوب على حساب الشرق والغرب، لأن ذلك لا يعيد إنتاج الدولة، بل يعيد إنتاج الخلل نفسه بأدوات جديدة