اليمن في قائمة الدول العشر الأولى عالميًا من حيث عدد المساجد
طائرة سعودية طبية تنقل مصابي الانفجار الذي استهدف ''حمدي شكري'' الى الرياض للعلاج
صيدنايا حضرموت.. الإمارات تغادر وتخلف 3 مقابر و6 مراكز احتجاز سرية
الكشف عن الخلافات التي أجلت إعلان تشكيل الحكومة اليمنية.. ماذا دار في لقاء الزنداني مع قادة الأحزاب؟
باكستان تطوي صفحة الاتفاق مع الإمارات لتشغيل مطار إسلام آباد وتتجه للخصخصة
رحيل هامة دعوية يمنية.. وفاة الحبيب عمر الجيلاني مفتي الشافعية بمكة أثناء رحلة علمية
مستويات قياسية جديدة للذهب.. يقترب من حاجز 5000 دولار
أسباب جفاف الفم وأعراضه وعلاجه
ماذا يحدث لسكر الدم عند تناول الزبادي ..تفاصيل
هل يمكن الإصابة بالجلطات دون أي أعراض؟ – طبيب قلب يجيب
تتشابك الأحداث، وإن بدت متفرّقة، إلا أنها خرجت من بوتقة واحدة: التمرّد الحوثي وبداية معركة الانقلاب بإسقاط محافظة عمران.
هذا التشابك أعادني إلى حديث قديم مع صديقي الدبلوماسي.
بعد أحداث سيئون، تواصل معي صديقي الدبلوماسي، والذي يشغل منصب أحد سفراء الاتحاد الأوروبي. كعادته، كان يطمئن على حالي كلما سمع عن حدث سياسي أو عسكري كبير في اليمن.
طمأنته أنني بخير وما زلت في مأرب.
بادرني بالسؤال:
– أين توقفت قوات المجلس الانتقالي؟
أجبته:
– توقفت في الخشعة، فيما تمركزت قوات “درع الوطن” المدعومة من السعودية في العبر، حتى حدود مأرب الإدارية.
سألته بدوري:
– كيف تقرأ المشهد اليمني اليوم، وأنت من الأكثر اهتمامًا بتفاصيله؟
قال بهدوء:
– ما تزال أهداف الحرب التي انطلقت من عمران لم تتحقق كاملة، ولذلك فالمعركة في اليمن مستمرة، حتى وإن تعددت أطرافها وتبدلت أشكالها.
صمتُ قليلًا قبل أن أسأله:
– كيف لم تتحقق؟ وماذا تقصد بأنها مستمرة رغم تغيّر الأطراف؟
قال:
– الحرب التي أخبرتك بأنها ستندلع في عمران، وحددتُ لك أهدافها ونحن في منزلك بصنعاء… هل ما زلت تذكرها؟
قلت:
– نعم، وأذكر أنك تحدثت عن تلك الأهداف، لكنها تحققت بالكامل!
ابتسم وقال:
– لا يا صديقي، لم تتحقق كلها.
قلتُ معترضًا:
– سقطت الدولة، أزيح الرئيس ونائبه، واليوم تكاد الجمهورية تتفكك، وحتى الوحدة باتت مهددة!
قاطعني بهدوء:
– صحيح، تحققت أهداف لقوى إقليمية ودولية عديدة، وتحققت اهداف لقوى يمنية محلية أيضًا، لكن الأهداف التي كلمتك عنها لم تكتمل.
سألته متحيرًا:
– ماذا تبقى؟
قال:
– أعد ذكر تلك الأهداف إن كنت ما زلت تحفظها.
قلت:
– قلت لي إن معركة عمران تهدف إلى إسقاط ثلاث محافظات بمحافظيها: عمران مع محافظها دماج
الجوف مع محافظها محمد بن عبود الشريف،
ومأرب مع محافظها سلطان العرادة.
قاطعني:
– صحيح… والآن قل لي، ماذا تحقق؟
أجبت:
– سقطت عمران وتغيّر محافظها،
وسقطت الجوف وتغيّر محافظها،
لكن مأرب لم تسقط… ونحن ندخل العام الثاني عشر ولم يُغيّر محافظها سلطان العرادة.
بادرتُ بالقول ايضا :
– لكن الحرب حققت ما هو أخطر من إسقاط مأرب، فقد أُسقطت الدولة كاملة!
سكت قليلًا ثم قال:
– يبدو أنك نسيت تأكيدي لك بأن إسقاط هذه المحافظات الثلاث كان هدفًا استراتيجيًا لثلاث قوى إقليمية ودولية.
اعلم يا صديقي سيف أن صمود مأرب وثبات محافظها أفشل مشاريع كبرى، أبرزها المشروع الإيراني، الذي حظي بدعم أمريكي وغربي في مرحلة ما.
دورنا في صنعاء، آنذاك، كان أقرب إلى الوساطة بين الأمريكيين وجماعة الحوثي.
وأضاف:
– إذا بقيت مأرب صامدة، وبقي العرادة على رأسها، واصطفت كل القوى فيها بصف واحد، فلا خوف على الجمهورية ولا على وحدتها، وكل المشاريع الإقليمية ستنتهي إلى الفشل.
قاطعته بقلق:
– كيف ستفشل، وقد سقطت حضرموت، والانفصال على الأبواب، والحوثي يسيطر على معظم الشمال؟
قال بهدوءه المعتاد:
– مأرب تمتلك أدوات إفشال هذه المشاريع، حتى دون نصر عسكري حاسم قريب.
المطلوب منها الآن أن تصمد على مسارات متعددة:
أن تصمد عسكريًا على حدودها بقوات الجيش والقبائل،
وأن تصمد سياسيًا وترفض أي تنازلات تُبطل “سحر مأرب” الذي يلتهم مخططات أعدائها،
وأن تحمي نفسها من الاختراق الأمني والحصار الاقتصادي.
قلت بحدّة:
– ما زلت لا أفهم… كيف ستفشل تلك المشاريع؟
قال:
– هل تعرف أهم عوامل فشل مشروع إيران والحوثيين في اليمن؟
قلت:
– أسباب كثيرة… فما الذي تقصده؟
قال:
– عدم سيطرتهم على مأرب أفقدهم عصب النجاح: النفط والغاز.
من دونهما سيظل مشروع الحوثيين مهددًا بالانهيار، مهما امتلكوا من سلاح.
قلت:
– وماذا عن مشروع الانفصال؟
قال:
– مؤخرًا، أجرت الإمارات مباحثات مع الأمريكيين وبعض الدول الأوروبية، ومنها بلادي ألمانيا، حول مستقبل الغاز اليمني وإعادة تصديره.
قُدمت وعود لبعض العواصم الأوروبية بحصص من الغاز، وما تشهده مأرب اليوم من زحف ليس هدفه الانفصال الجغرافي بقدر ما هو الوصول إلى منبع الغاز.
سألته:
– هل تقصد أن غاز مأرب بات هدفًا مباشرًا؟
قال:
– مأرب ما زالت هدف الحرب، من كل الاتجاهات.
ثم استدرك بالقول :
– لقد سرقنا الوقت. لدي ارتباط مهم.
أتمنى أن يكون حديثنا القادم واليمن قد خرج من عنق زجاجة الحرب.
وداعًا يا صديقي.
إن ما تكشفه هذه الشهادة، بكل أبعادها السياسية والاستراتيجية، يفرض حقيقة واحدة لا تقبل الجدل: مأرب ليست ساحة عابرة في معركة اليمن، بل هي القلب الذي ما زال يضخ الحياة في جسد الجمهورية المرهق، وآخر عقدة استعصت على الكسر رغم تغيّر أدوات الحرب وتعدّد واجهاتها.
لقد أثبتت مأرب، بصمودها وثبات موقفها ووحدة صفها، أنها أكثر من مجرد خط دفاع جغرافي؛ إنها خط الدفاع الأخير عن فكرة الدولة نفسها.
وأن بقاءها عصيّة لم يكن صدفة، بل نتيجة وعي سياسي، وتماسك قبلي، وصلابة عسكرية، وقيادة حافظت – رغم كل الضغوط – على جوهر المعركة ومعناها الوطني.
اليوم، مأرب محاصرة لا بالدبابات وحدها، بل بمحاولات الاختراق، وتفكيك الصف، وإشعال الخلافات الداخلية، ودفعها نحو استنزاف يفشل ما عجزت عن إسقاطه الجبهات.
ومن هنا فإن أخطر ما قد تواجهه مأرب ليس الخطر القادم من خارج حدودها، بل أي تصدّع يحدث داخل صفها، أو أي تنازل سياسي يُفرّغ صمودها من مضمونه الاستراتيجي.
إن الالتفاف حول محافظها سلطان العرادة، لا بوصفه شخصًا، بل بوصفه عنوانًا لوحدة القرار واستقرار الجبهة السياسية والعسكرية، لم يعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية تفرضها لحظة الصراع.
فاستهداف مأرب هو استهداف مباشر لعصب الدولة: النفط والغاز، واستهداف قدرتها على البقاء، وتمهيد لفرض خرائط تُكتب خارج إرادة اليمنيين.
وإذا كانت معركة عمران قد أُطلقت لإسقاط الجمهورية عبر إسقاط محافظاتها السيادية واحدة بعد الأخرى، فإن فشلها في مأرب أثبت أن الجمهورية لم تُهزم، وإنما أُرهقت فقط… وأن بقاء مأرب متماسكة هو ما يُبقي باب الدولة مفتوحًا، ويُبقي المشاريع التقسيمية مؤجَّلة مهما طال الزمن.
اليوم، مأرب مطالبة بأن تنتصر بصمودها قبل سلاحها، وبوحدتها قبل شعاراتها، وبوعيها السياسي قبل اندفاعها العسكري.
فإما أن تبقى صلبة كما عرفها اليمنيون حصنًا أخيرًا للجمهورية،
أو يُفتح – لا سمح الله – الباب أمام مرحلة انهيار شامل لن يستثني أحدًا.
مأرب اليوم ليست خيارًا… إنها خط العودة الأخير إلى الدولة.
