مذكرات أستاذ جامعي.. من أبراج الخليج إلى قصور مأرب 2
بقلم/ د. محمد معافى المهدلي
نشر منذ: 3 أشهر و 22 يوماً
السبت 15 أكتوبر-تشرين الأول 2022 07:50 م

بعد عودتي من الدوحة بيوم واحد بتاريخ الأحد : 22/2/1444هـ، رأيتُ أنْ أزور مدينة مأرب الحضارة والتاريخ والصمود، لإعداد بعض الوثائق الشخصية وزيارة بعض الأهل والأقارب والأصدقاء، بعد طول فراق، بانتظار جلاء المحنة اليمنية، فغادرت ضحىً مدينة شرورة وحيدًا نحو منفذ الوديعة. وحين وصلت المنفذ اليمني هالني ما رأيت، فالمنفذ لا يزال على حاله منذ عقود، وأول ما يستقبلك الأعاصير الحلزونية، المتوسطة والقوية، والأتربة والأغبرة، وجيش من الخبراء والسماسرة لإنجاز معاملتك، وياللعجب العجاب فالمنفذ ومنذ عقود عجزت كل الحكومات "الوطنية" المتعاقبة والرؤساء الأحياء منهم والأموات عن سفلتة المنفذ، سيما ومعظم الأبنية التي فيه عبارة عن هناجر متهالكة يكسوها الغبار والدخان والقات، فليس أقلّ من سفلتة هذا المنفذ البائس الذي يعكس مدى فقر - بل موت وبلادة وتفاهة- ضمير المسؤول اليمني، ومع المساحة الصغيرة للمنفذ والتي تساوي مساحة محطة بنزين لدى بعض دول الجوار، إلا أنّ كل الحكومات اليمنية المتهالكة عجزت عن سفلتته، منذ نظام علي عبد الله صالح، وإلى يومنا، فيما تكفي واردات يومٍ واحد من ماليات المنفذ، التي تبلغ الملايين، من جمارك ورسوم، لتجهيز المنفذ بالمستوى الأدنى، أقله السفلتة، حتى أنّ المرء يتساءل : يا ترى هل ثمة فيتو دولي أو إقليمي لمنع سفلتة هذا المنفذ؟ لإظهار اليمن بهذا الهوان والتقشف والبؤس والفقر والمجاعة والتخلف، وقد يكون لهذا الحديث قدرٌ من الوجاهة في عهد الراحل علي عبد الله صالح، لتفننه في التسول وجلب الأموال نحو خزانته الخاصة، لكن ما بالُ من جاء بعده، الذين أثبتت الأحداث أنهم كهو أو شرٌ منه. على الجهة الأخرى ثمة أبنية علمنا أنها أُعدت وجُهزت قبل أكثر من (15) عامًا كمنفذ "حديث"، إلا أنها هي الأخرى أُهملت وتم الحجر عليها، وصارت ربما سكنًا للعفاريت والرياح والأتربة، وكالعادة اقتربت بسيارتي من المختص للتأشيرة، فأشار عليّ أن أترك السيارة جانبًا وهلمّ إلينا، وثمة موقف لا أستطيع البوح به هنا، وتمّت التأشيرة على الجواز، وانصرفت نحو التأمينات ودفع 300 ريال، س، والتي أخذت مني زهاء الساعة. في الأثناء شبّت فتنة بين مجموعة من الناس على فتى عشريني وحيد، مخزن وشبه مجنون، فشعرت أنّ اللازم أخذ الحيطة والحذر والتنبه لجيوبي، وسرعان ما انتهت الفتنة، وأنهيت الإجراءات وغادرت المنفذ بسلام. في بوابة المنفذ قابلتُ برْكةً كبيرة من الطين والوحل، وبجوار البركة علم الجمهورية اليمنية، تكسوه الأحزان والأتربة، وعلى اليمين فُرجة صغيرة خالية من الطين، فنحوت نحوها، حرصًا على نظافة السيارة، دون أن أعلم أنّ ما خفي من الطريق كان أعظم، وإذا بموظف البوابة قد احمرّ وجهه وأشار عليّ أن أخوض تلك البركة المباركة من الطين والوحل المعتق، بالضرورة، حتى يتسنى له استلام صك العبور، فرفضت وأخذت الطريق البعيدة الخالية من الطين، وإذا بشخص يقول لذلك الموظف دعه يمضي دعه يمر، وتسلّم مني الصك، وكله نظرات استغراب فقد شعر أنّ ثمة استكباراً لدي، فوق العادة، فيما الحقيقة هي عدم معرفتي بالمنفذ وأنظمته ولوائحه وأعرافه الإلكترونية والدبلوماسية!!!. في الطريق إلى العبر رافقني عسكري مجهدٌ جدًا عليه علامات الفاقة والمجاعة والتعب والقهر، يريد مثلث العبر، يبحث في الأرض من الجوع وربما القات، رغم أنه كما أخبرني يتقاضى راتبًا وقدره 2000 ريال خليجي، شهريًا، وسألته عن أحواله وأوضاعه، فلم يدّخر وسعًا في الجواب عن أسئلتي، كمدني، عابر سبيل، لم يستطع في حديثه إخفاء بؤسه، مع علامات الجوع الظاهرة على وجهه، وللأمانة لم أسأله عن شيء ذي بال سوى عن أحواله الشخصية وأسعار مثلث العبر. وبعد وصولنا مثلث العبر حيث جماعات وأسراب التسول من نساء وأطفال ورجال وشيوخ، محلي وخارجي، سلكتُ الطريق الدولي السريع نحو مأرب الحضارة والتاريخ، وما هي إلا بضع دقائق حتى وجدت طريقاً ترابيًا، غاية في السوء والوحشية والتكسرات والحُفر والمطبات، وكل الناس يسلكونه كرهًا، فلا بديل سواه، ولم أجد دعاءً يناسب هذا الطريق إلا (ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون). في الطريق تجد السيارات المحترقة والسيارات المغرّزة، وأخرى وقد انقلبت، وأخرى وقد تجمع فئامٌ من الناس يحملونها بدلا من أن تحملهم!!!. تساءلت أين أموال الصناديق العربية وأين دول الخليج وأين الحكومة اليمنية وأين وأين وأين؟. ومن لطائف القدر أنه بعد عودتي من مأرب قابلتُ صديقًا عزيزًا في مركز تغيير زيوت السيارات، وسألته عن أحواله، فأخبرني أنه مقاول لطريق العبر صافر عن مركز الملك سلمان للإغاثة، مشكورًا، وانتهزت الفرصة وحدثته عن معاناة الناس وعذاباتهم، وبدوره ذكر لي أنّ الطريق معدٌ للعبور وأنه يرش بالماء بين الحين والآخر، وأنّ الناس يسلكون طرقًا فرعية وبحمولات كبيرة مهلكة ويعرضون أنفسهم للمخاطر والحوادث والتلفيات. وأخبرني أنّ هذا الطريق الترابي سيكون جاهزَا من 3 - 6 أشهر وبمواصفات خليجية ممتازة. في هذا الطريق المرعب رآني أحدهم بعد الظهيرة وأنا أمشي مشية العرنجلي فقال لي جدّ السير قبل حلول الظلام، وفحوى الخطاب أنّ الطريق محفوفة بالمخاطر والسرّاق ليلًا، فحاولت الإسراع لولا غلبة النعاس، وخراب الطريق، وفجأة استوقفني شيخ وابنه، بأسلحتهما، وقفا بجواري وقالا يا شيخ هل تعرف فلانا الكربي قلت نعم، قالوا نحن من جماعته، جنّب جنّب، وفعلاً أخذت ذات اليمين، وسلما عليّ وسلمت عليهم، وكنت مطمئنًا فليس في جيوبي عملات ورقية كبيرة، لكن اتضح لي أنّ ثمة معرفة وطيدة من خلال معرفتهم لي بإمامة مسجدي بشرورة، فرحبا بي وأخذاني إلى محطة بنزين، واخترقا طابورًا طويلًا جدًا، ووقفت في مقدمة الطابور المبارك، وعبئت سيارتي بنزينًا، وأثناء وقوفي في المحطة لتعبئة البنزين، لاحظت شابًا يافعاً بسيارةٍ قديمة جدًا جدًا، موديل 1968-1970م ، ومعه سلاحه، وعجبت لهذا السلوك، وقلت ماذا لو باع السلاح واشترى سيارة أحدث، موديل 1980، أو 1990م، لكن هذا من المحال لدى الشخصية المأربية، فالسلاح لا يُستغنى عنه بحال من الأحوال، حتى في المساجد وحلق العلم، وهو جزء من كيان الرجل المأربي، بل والمرأة وحتى بعض الصغار، بل كل من شاهدتهم في الطابور بأسلحتهم، وكثير من السيارات بلا أرقام، إلا سيارات المغتربين وقليل ماهم، وشعرتُ أنّ الأعراف القبلية تقضي بإغاثة اللهفان وعدم التعرض له، خاصة المسافر، ولذا لم يتعرض أحد لي في الطابور، ولم يتكلم أحد بكلمة واحدة، بل كانوا يرحبون بي جدًا، رغم اختراقي الصفوف نحو مقدمة المحطة، وتأخرهم. في محطة البنزين وأنا أتصفح وأقرأ وجوه المأربيين، قرأت حقيقة علمية ثابتة لا تقبل الجدل ولا النقاش، ولو حلفتُ عليها لا أكون حانثًا، أنّ مأرب لا يمكن لأي محتل داخلي أو خارجي دخولها، إلا بعد 30-40 عامًا من التخطيط للحيلولة بين الرجل وسلاحه وعقيدته، وستسقط حينها كما سقطت الأندلس، بيد أنّ هذا يبدو لي محال كذلك، بعد أنْ دخلت المدينة ورأيتُ أهلها ورأيتُ الحصون الإيمانية والقلاع الأخلاقية والثورية والفكرية والثقافية والتربوية والعلمية، التي يتحلى بها المأربيون جميعًا، بلا استثناء، شبابًا وشيوخا، رجالًا ونساءً وأطفالاً. غادرت محطة البنزين نحو مأرب كانت الطريق مسفلتة فيما يبدو لكنها عبارة عن حفر بديعة وعجيبة وعميقة جدًا، وعليك أن تسير بطريقة حلزونية كالإعصار تجنبًا للحفر والمطبات، وأنت وحاستك السابعة حتى لا تصطدم بأحد أو يصدمك أحد، وهممت أنْ أدخل الطريق الترابي فهو أفضل من هذه الطريق المسفلتة بكثير، لكني خشيت على معنويات السيارة فأخذت أقود السيارة حينًا وأنام حينًا آخر، على مدى أكثر من 8-9 ساعات، حتى وصلت مشارف مأرب عشاءً. الجدير بالذكر والإشارة في هذا المقام والسياق ما لاحظته على جنبات الطريق المتهالكة، والسيارات المحترقة، بسبب الحوادث الأليمة، فقد لاحظت أن ثمة أراضٍ بمساحات شاسعة أُعدت مدنًا سكنية، بانتظار جهوزية الطريق، وإن تعجب فعجب أمر هذا اليمني الجبار، فمع هذه الأحوال السيئة والمدمرة، لكنك كأنك في وسط مدينة خليجية، الجميع يتسابق ويخطط نحو البناء والإعمار والاستثمار. على مشارف مأرب الأبيّة، استقبلني أخي العزيز د. حسن، وكنت أهاتفه أين أجدك؟ فيقول لي بجوار الإشارة؟!!!. فقلت له أيّ إشارة تعني ، في مأرب عشرين إشارة اتق الله في روحك!!! مثلَك كمن يقول قابلني بجوار عمود الكهرباء، فقال لا ، لا ، لا يوجد في مأرب سوى إشارة واحدة لا غير، يتيمة ستجدها أمامك، وأنا حولها. ودخلتُ مدينة مأرب عشاءً بسلام بعد رحلة شاقة مليئة بالمخاطر والخواطر والهواجس والمغامرات، ونسيت كل المتاعب بعد أنْ شممت عبق رياح وروح الثورة السبتمبرية والوحدوية الشامخة، شموخ العلم الجمهوري الأكبر في البلد في دوار الشهيد شعلان. في الحلقة القادمة والأخيرة –بعون الله-سـأتحدث عن مشاهداتي في الشارع المأربي والجوازات ومحكمة العدل والمساجد، والاحتفالات والقصور الماربية وأجواء الثورة والوحدة اليمنية، وأشياء أخرى، ألقاكم على خير وعافية إن شاء الله. والله تعالى من وراء القصد ،،،