بعد تنازلات الشرعية.. هذا هو الحل.
بقلم/ عبدالفتاح الحكيمي
نشر منذ: شهرين و 21 يوماً
الخميس 14 إبريل-نيسان 2022 10:39 م
 

كل ما جرى من خطوات سياسية في مشاورات الرياض الخميس الماضي هو امتداد لما سمي مبادرة مسقط ٢٠١٩م التي اقترحها المبعوث الأممي السابق إلى اليمن غريفيث مضافاً لها ما يتعلق بنقل صلاحيات رئيس الجمهورية إلى نائب توافقي.

ويلاحظ إن تشكيل مجلس الرئاسة انطلق في تمثيل أعضائه أل٨ من روح المبادرة نفسها وتأكيدها على صيغة تثبيت مناطق سيطرة الفصائل المسلحة المختلفة في جغرافيتها الحالية ووقف إطلاق النار دون تحقيق إشراف قوات دولية أو مراقبين أمميين بحسب المبادرة.

لم يقتنع الرئيس عبدربه منصور هادي ونائبه الفريق الركن علي محسن الأحمر بنقل السلطة(الرئيس) والتنازل عنها(النائب) إلا عندما اقتنع تحالف الأشقاء العربي والمجتمع الدولي بالخيار السلمي للحل ولو من طرف واحد في ظل إصرار الأنقلابيين الحوثيين أخذ الجميع إلى المجهول بأي ثمن إلى ما لا نهاية.

ومن باب المناورات الخبيثة سوف يمعن تيار أنصار الله الحوثيين في المماحكات السياسية واعتبار مجلس القيادة الرئاسي بتشكيلته ليس رسالة تقويض لتوجهات السلام التي يرفضوها وحسب بل ومناقض بنظرهم أيضاً لروح مبادرة كيري-مسقط-غريفيث التي تميل الى نقل سلطات الرئيس إلى نائب توافقي وليس إلى مجلس رئاسة.

وإذا قبلوا ذلك على مضض سيعترضون على تولي بعض الشخصيات العسكرية عضوية المجلس أو تمثيل الشرعية وعدد الأطراف المخولة في مباحثات الحل النهائي مقابل إصرار مراكز القوى العسكرية في حق التمثيل ولو كمرحلة انتقالية، فكون الحوثيين لم يثبتوا حسن نواياهم لليمنيين وغيرهم حتى الآن إزاء وقف الحرب والحل السلمي الشامل والتوافق فالمرحلة تبرر للآخرين الدفاع عن أنفسهم والتخندق مع استمرار نقض الأنقلابيين للهدنة الأممية وقصف مخيمات النازحين في مأرب بالصواريخ الباليستية والتحشيد العسكري الشامل غير المسبوق، عدا استغلال تحييد طيران التحالف لفرض معادلة عسكرية لصالحهم على الأرض فشلوا في تحقيقها قرابة عام ونصف في مأرب.

*  هَيَجان حُوثي *

أظهر إعلان سلطة الشرعية الرئاسي ميله الكبير للتحول نحو السلام والتفاوض مع أنصار ألله الحوثيين مع احتفاظ مجلس الرئاسة الانتقالي الجديد برمزيته ودلالته العسكرية كمجلس سلام ودفاع.

 وقد اعتبر القيادي محمد علي الحوثي ومحمد عبدالسلام ناطق الحوثيين تشكيل مجلس رئاسة خطوة تصعيدية لتوحيد التشكيلات العسكرية المنظوية في الشرعية بعد أن ظل تفكك قوى دعم الشرعية هذه مصدر القوة الرئيسي للأنقلابيين وليس لما بحوزتهم من مقاتلين وسلاح .. وتحملت أعباء مواجهة الانقلابيين طوال سبع سنوات بعض القوى الحالية الممثلة في مجلس الرئاسة دون غيرها إلى درجة الإنهاك.

كسب الرئيس هادي ونائبه الفريق الأحمر والتحالف العربي بقيادة السعودية بأعلان نقل السلطة وتشكيل مجلس الرئاسة مصداقية أخلاقية كبيرة أمام الشعب اليمني والعالم مقابل وجه مليشيات الحوثي الأسود وخرقها للهدنة المعلنة بهجومات وتحشيدات واسعة في مأرب وتعز والحديدة، وقتل النازحين بالصواريخ كردود فعل هستيرية على نجاح نقل السلطة وتشكيل مجلس الرئاسة التوافقي واحساسها بخطورة وحدة صف قوى دعم الشرعية.

وهدف الأنقلابيين ليس تحقيق مكاسب تفاوضية بل هو خلط الأوراق وتعطيل مسار السلام وانتكاسه ومحاولة فرض واقع عسكري جديد للأستحواذ على كل اليمن وفرض هيمنة المشروع الإيراني التخريبي بالقوة على المنطقة.

فهؤلاء يعتقدون إن دوافع جنوح التحالف العربي والشرعية للسلام العادل والمتوازن في اليمن عن عوامل ضعف في القدرات وليس لحسابات واعتبارات إنسانية وأخلاقية وعقلانية تستحق التنازلات السخية لمصلحة الشعب اليمني خارج حسابات مطامع ونوازع الأشخاص.

ويلاحظ تغريد الحوثيين خارج سرب التنازلات الكبيرة للطرف الآخر مع زيارة المبعوث الأممي الجديد هانس غرودنبيرغ لأول مرة لصنعاء بعد منعه من الوصول مراراً منذ بدء مهمته قبل أشهر.. فلا يزالون يطالبون فقط بفتح مطار صنعاء ومطار الحديدة لرحلاتهم ومصالحهم التجارية والمالية الخاصة وليس إنهاء الحرب كلها ووقف نزيف الدم والموت والخراب في كل البلاد .. ولا يقدمون تنازلات جزئية مقابلة أيضاً بل يراكمون فقط مكاسب تعزيز سيطرتهم على الأرض في دلالة على رفض الحل الشامل وتعويقه.

يتحدون العالم في خرق الهدنة الإنسانية بمواصلة الحرب والقتل والدمار في الجبهات ومفاقمة معاناة شعب، ويبحثون عن جزئيات لسفر قياداتهم وعبور تجاراتهم من الموانئ لتمويل حربهم !!.

* أصابع إيران القذرة *

ولا تخفى تحريضات حسن نصر الله وعلي خاميئني الأخيرة لقيادات الحوثيين بعدم الإعتراف بالمجلس الرئاسي التوافقي ولا بالتفاوض مع طرف الشرعية في دلالة على دفع إيران وحزب الله اللبناني بخيار الحرب المستمرة في اليمن والمنطقة وابتزاز السعودية خلافاً لحق ورغبة اليمنيين بالأمن والأستقرار على أرضهم بعيداً عن التدخلات العدوانية لإيران وأدواتها.

ويظن أنصار ألله الحوثيين الانقلابيين حتى مع الأستجابة لوقف إطلاق النار الصِّوَري سيفرضون على المجتمع الدولي المُتَسَوِّل لعملية السلام مجاراة خياراتهم ورغباتهم القاتلة والمماطلة بالتنفيذ والعبث بالوقت والأنشغال بفرض شروطهم ككيان جغرافي وإداري مستقل ومهيمن له مشروعه الخاص وغير قابل بالأندماج ولا مشاركة الآخرين الحكم والسلطة.

* حرب الحوثة الجديدة *

أعادوا أمس الأول المبعوث الأممي هانس غرودنبيرغ في لقائه بقيادات الحوثة إلى المربع الأول وهو اعتبار مقابلة هؤلاء بذاتها دون نتيحة إنجاز شخصي كبير للمبعوث، وذهب ذباب المسالخ الإليكترونية للحوثة إلى تهديد ووعيد الرجل إن زيارته مرة أخرى لهم مرهونة بتنفيذ شروطهم ومطالبهم الوقحة دون التزامهم بالهدنة ولا الرغبة في إنهاء الحرب والانقلاب، بدليل مماطلتهم في فتح ممرات وطرقات تعز الداخلية الإنسانية وألحاحهم على رحلات مطار صنعاء التجارية، عدا خرق وقف إطلاق النار في جبهات المحافظة والحديدة، ومأرب !!. 

فالحوثي بنوع من العناد والمكابرة يريد أن يقول للجميع بعد تلاحم قوى دعم الشرعية لأول مرة أنا لا زلت المتحكم بالمعركة، ولا يهمني حجم القوة الكبيرة الجديدة التي أصبحت للشرعية !!..

وَعَدَ غرودنبيرج الحَوَثة بتسيير أولى رحلات مطار صنعاء التجارية ولم ينتزع أي التزام حقيقي منهم بفتح المعابر وطرقات تعز لأنهم لا يعطوا اعتبارات للأنسان فيها.

ولدى الانقلابيين خارطة طريق طويلة تجعل مفاوضات السلام معهم حرباً نفسية أصعب من حرب البنادق، تبدأ بهدنة طويلة جداً جداً وإعادة ترتيب تموضعهم العسكري وحرق الأعصاب ولا تنتهي بتسليم السلطة والأسلحة الثقيلة دون ضمان تحكمهم بلعبة مستقبل الحكم والسلطة في اليمن.

لذلك تبدو معركة التفاوضات السياسية مع الحوثيين أصعب بكثير من الحرب التقليدية خصوصاً إن الموقف الدولي تجاههم لم يكن حازماً من جماعة إرهابية مسلحة خطيرة مدانة بالأجماع إلى تقديم كل التنازلات المجانية لها ومجاراة نزواتها الشيطانية العابثة، فلم ينجُ منها شعب اليمن ولا الجيران ولا مصالح العالم التجارية المهددة.

* ألحلول الواقعية *

لا تكفي الضغوطات والأستعراضات الأمريكية العسكرية الرمزية الأخيرة في البحر الأحمر وتسيير دوريات مراقبة مشتركة على مداخل ميناء الحديدة والمخا وباب المندب إذا لم يتم إرسال مراقبين وقوات دولية لتثبيت الهدنة ووقف العمليات على الأرض والفصل بين القوات بحسب مبادرة مسقط ابتداءً من الحديدة على الأقل مروراً بنزع السلاح الثقيل وتسليمه لقوات مسلحة جديدة تعمل بأمرة قيادة موحدة لليمن في إطار زمني قاطع وحاسم.

ويسعى الحوثيون اليوم إدارياً إلى تعزيز بسط نفوذهم وهيمنتهم العائلية على باقي مفاصل القوة والثروة كما حدث مؤخراً من تمكين نجل شقيقة عبدالملك الحوثي من آل الحمران من قيادة الأمن الوقائي والاستحواذ على مصارف أموال الزكاة والضرائب كما فعلوا بباقي الأوعية المالية والمؤسسات الدينية واستولوا عليها من قبل بما فيها إيرادات الدولة التي قال يحي الحوثي بشفافية أنها لا تورد إلى البنك المركزي بصنعاء ولا يعرف مصيرها.

وستشهد الأيام القادمة خطوات أكبر في أحكام حلقة حكم الاستبداد الكهنوتي على باقي مؤسسات الدولة.

وما يظهره الأنقلابيون من مرونة زائفة إزاء الأذعان لصوت السلام يصطدم بحقيقة تشبث رؤوس الحوثة القياديين حتى النخاع بمشروع الحكم الأِثْني (ألعرقي) العنصري، بكل تعقيدات ذلك على مهمة المبعوث الأممي وتعطش اليمنيين لسلام حقيقي يمنع إعادة إنتاج وتدوير مخلفات مشروع الأنقلاب ومخرجاته بنسخة أسوأ وكارثية بقوة السلاح والعنف.

* وليس ختاماً *

وضعت مبادرة سلطة الشرعية نقل السلطة إلى مجلس رئاسي الشعب اليمني كله إزاء الطرف الوطني الحقيقي الذي ينشد السلام بتنازلات كبيرة تعكس أخلاقيات رجال الدولة وحقنهم للدماء ومقدرات الوطن البشرية والإقتصادية للخروج من حرب عبثية يصر عليها الأنقلابيون بخسة ولؤم دفين.

ويستطيع أبناء الشعب اليمني اليوم بوضوح تمييز أصحاب النفوس الخبيثة عن غيرهم ومن الذي يسعى إلى إطالة أمد الحرب لصالح لوثة الحكم العائلي السلالي وارتهان مصير ومستقبل البلاد والعباد للمشروع الإيراني الفارسي في المنطقة العربية واليمن.

وعلى المجتمع الدولي الأنتقال في حل المشكلة اليمنية من سياسة مراضاة ومداراة الأنقلابيين البغاة إلى فرض الحلول عليهم بأدوات ووسائل ردع ناجعة وعلى الأرض.