مصير عبدالملك الحوثي.. وملئ الفراغ.
بقلم/ عبدالفتاح الحكيمي
نشر منذ: 3 أشهر و 25 يوماً
الخميس 27 يناير-كانون الثاني 2022 04:59 م
 

مرت واقعة اختفاء عبدالملك الحوثي عن مشهد التطورات الأخيرة في اليمن بعد مصرع ضابط الحرس الثوري الإيراني حسن أيرلو دون أسئلة حقيقية تحدد مصير الإرهابي الأول في جماعة الحوثيين الدموية.

هل قُضِيَ على الرجل حقاً في إحدى غارات طيران التحالف الجوية على صنعاء أو عمران، ولماذا تعتيم الحَوَثة الإعلامي الشامل على مصيره بعد أن أدمن الظهور الإعلامي المباشر أكثر من مرة في أسبوع، وهل ستصمد جماعته بعد اختفائه أو مصرعه ؟؟.

تسببت الطلعات الجوية المكثفة على مدار الساعة فوق صنعاء-عمران- مأرب طوال شهر ديسمبر الماضي إلى تغيير خطط الأختباء الأمني لحماية قيادات الصف الأول في ميليشيات الحوثي, وأُعلِنَت أكثر من مرة خلالها استهدافات مباشرة لأبرز هؤلاء ومنهم مهدي المشاط الذي تعرض موكبه لضربة صاروخية نجا منها، وكذلك قائد القوات المركزية للمليشيات عبدالخالق الحوثي الذي انقطعت أخباره وظهوره الذي كان نادراً قبل ضربات التحالف الأخيرة.

أِعتمدت ضربات التحالف الجوية الدقيقة ملاحقة قيادات في الأزقة وحارات مدينة صنعاء( دار دار.. زنقة زنقة) بتعبير معمر القذافي، وتعرضت أهداف ومخابئ وثكنات عسكرية كثيرة لمنصات الصواريخ والطيران المسير ومخازن أسلحة الأنقلابيين الإرهابيين وغرف القيادة والسيطرة خلال فترة قصيرة جداً لمداهمات جوية مباشرة في العمق لم تتحقق لطيران التحالف العربي الحربي طوال سبع سنوات سابقة من الضربات غير المجدية غالباً.

* من صعدة إلى صنعاء *

كشف مصرع حسن أيرلو عن خلل كبير في شبكة الأمان الشخصي للقيادات الحوثية الإيرانية, وتأكد بنسبة ٩٠ % إن عبدالملك الحوثي مكث مؤخراً في صنعاء لأول مرة على مقربة من حسن أيرلو وضباط الحرس الثوري الإيراني وخبراء حزب الله اللبناني بعد خساراتهم البشرية والعسكرية الفادحة واستحالة نجاح مخطط إسقاط مأرب ليكون على مقربة من غرفة ادارة العمليات الخبيثة التي راهنت عليها طهران لتمكين مشروعها الاستعماري في اليمن.

غَيَّر عبدالملك الحوثي مخبأة من كهوف صعدة وجروف عمران طوال سنوات إلى منطقة أنفاق طويلة خاصة مربوطة ومتصلة ببعض المناطق المعزولة أو منشآت مدنية كالمستشفيات محمية بالمدنيين والأماكن شبه المهجورة في صنعاء بدوافع القلق الشخصي واضطراره أن يكون على مقربة من الضابط الإيراني أيرلو وباقي الخبراء الأجانب في إدارة معركة إيران المصيرية بمأرب، وتحمله جزءاً من الأعباء ونتائج الفشل الذريع، ولقناعته الشخصية العميقة كذلك خلال قرابة عام من التخبط في مستنقعات مأرب التي ابتلعت جيوشه وجحافله بعدم قدرة من اعتمد عليهم على الحسم وفقدانه الثقة بهم، فكان تواجده في صنعاء محاولة لإنقاذ ما تبقى.

* بين الموت والاختباء *

ألاحتمال الأول: إن خطة التحالف العربي والضربات الجوية المتواصلة كانت دقيقة إلى الدرجة التي لم تترك خيارات أخرى أمام عبدالملك الحوثي للنجاة بحياته بعد انكشاف خارطة معظم المخابئ والبدائل الأمنية التي تعرضت للأستهدافات الدقيقة في صنعاء وعمران وصعدة التي تنقلت إليها ومنها قيادات الحوثة طوال الفترة الأخيرة والماضية.

 

وتدل إصابة التحالف اهدافه الأخيرة على الأرض بدقة غالباً على نجاعة الأختراقات الأستخباراتية والأمنية حتى لأقرب شبكات حماية عبدالملك الحوثي وقيادات الوحدات والأجهزة الخاصة التي ركن إليها لضمان حمايته الشخصية مع غيره من القيادات.

وبسقوط منظومة الحماية الأمنية لكبار قادة الأنقلاب وانكشافها وتفككها واصطياد قيادات سياسية وعسكرية كبيرة بكل سهولة سقطت ثقة عبدالملك الحوثي بكل المحيطين به والمقربين منه..

ويرجح كل ذلك احتمالات أولية أن يكون اختباء عبدالملك الحوثي وبعض معاونيه لإعادة ترتيب تركيبة منظومة حمايته الشخصية، مع ترجيح مقتله أيضاً.؟؟.

لعل أهمية هذه الجزئية أن خشية زعيم الجماعة على حياته من الدوائر المقربة منه أصبحت أكثر من مخاوف وقوعه في مصيدة طيران التحالف العربي والقضاء عليه، ودلالات ذلك الكبرى هي نجاح التحالف في خطة تشتيت هرم الرأس القيادي المُدَبِّر للمليشيات وتأثيرات ذلك لاحقاً على انتكاسة أدوات إيران السلالية مؤخراً في جبهات مأرب وشبوة بوجه خاص حيث ظهرت حالة فقدان السيطرة السريعة على قوات المليشيات بسبب تفكك حلقة قياداتها الأعلى وليس بسبب قدرات قوات العمالقة الشرعية المبالغ فيها، والتي لم تخض معارك كبيرة مع الحوثيين لاستعادة بعض مديريات شبوة وحريب، بل أن خسائر العمالقة البشرية في الثكنات بصواريخ الأنقلابيين منذ قدومها إلى شبوة أكثر مما سقط منهم في المواجهات المباشرة !!.

* تكتيكات ملئ الفراغ *

تغيرت حسابات وقناعات القيادات العسكرية والأمنية الحوثية إزاء مستقبل معركتها الشاملة مع اليمنيين بعد تمكينات خطط التحالف العربي الجوية من كشف الغطاء عن حزام صنعاء الأمني وتَشْظِيَته.. وإذا لم يتم القضاء على زعيم التمرد عبدالملك الحوثي في الضربات الأخيرة ونجا منها بأعجوبة كما يعتقد البعض فإن الوصول إلى مخبأه لم يعد مستحيلاً لاحقاً في أي ضربات جوية قادمة بكل ما يعنيه في اقتراب حتف المليشيات.

ولهدف سياسي كبير ربما أشارت عليهم به قيادة الحرس الثوري الخميني فمن الأفضل لتنظيم الحركة الإرهابية الحوثية الفصل بين وجود قاعدتها ونشاطها عن بقاء عبدالملك الحوثي على قيد الحياة من عدمه، ومنهجية التعتيم على مصيره لضمان استمرارها كأدوات إيرانية في المستقبل وتحويل غياب الزعيم الروحي الشيطاني من مصدر إضعاف وتفكك للقوى العسكرية والفكرية التابعة إلى مصدر قوة لها في خدمة أجندة الولي الفقيه.

وسيكون الصراع الداخلي القادم بين أجنحة الحوثية بين تيار إيراني الهوى والولاء وتيارات رفض الوصاية الخارجية، مع بروز نزعات سلالية عائلية جديدة ترى أحقيتها في الولاية والحكم.. وكلها ستتهاوى تباعاً بالتشظي والانحلال من داخلها، وبضربات عسكرية قاصمة من خارجها تمنع إعادة ترتيب صفوفها على المدى البعيد. 

وما تقوم به بقايا قيادات الصف ألأول والثاني حالياً لملئ الفراغ القيادي هو محاولة لملمة أوضاع الجبهات العسكرية الميدانية وإظهار تماسكها ووحدتها وحشد المقاتلين في ظل المصير المجهول لقائد الفتنة السلالية في اليمن الذي لا تختلف نتائج مصرعه عن اختفائه الطويل من حيث تأثيرهما بالدرجة نفسها على بداية الأنهيار العسكري للجماعة ومشروع الحق الإلهي والسلالي في الحكم.  

وإذا استثنينا فرضية أنه قد لقي حتفه مع حسن أيرلو وآخرين أو بضربة خاصة فلن يتجرأ عبدالملك الحوثي بالظهور علناً إذا كان على قيد الحياة أو حتى أصابته باعاقة جسدية شديدة بعد أن أصبحت مخابئه وأوكاره الأمنية مكشوفة للخصوم إلى درجة فقد معها الثقة أيضاً بأقرب المقربين حوله ومعه، وهو الذي عاش سنواته الأخيرة بسِرِّية تامة تحت الأرض يخشى ضؤ النهار، ما يجعل ظهوره من خلال خطاب مصور جديد مجرد مجازفة بحياته في وقت فقد معه الثقة بأصدقائه الوشاة قبل أعدائه المتربصين, مؤشرات عالية على الخطر الشديد ووقوع زعيم الإرهابيين تحت تأثير رهاب القصف الجوي في أي لحظة.. أو أنه في أفضل الأحوال يعاني حالياً في غرفة انعاش مجهولة تحت الأرض أو ربما جرى ترحيله قبل ذلك بطريقة ما مع الإرهابي حسن أيرلو على نعش موازي.

ومن الاحتمالات أن تكون إصابات عبدالملك بليغة، وكلها مؤشرات تدل على أن مليشيات إيران في اليمن تعاني أخطر درجات وحالات التفكك وسوف يختار ما تبقى منها طريق الحرب إلى ما لا نهاية ليس رفضاً للتسوية السياسية مع سلطة الشرعية اليمنية بل هروباً من استحقاقات صراعات أجنحة المليشيات المؤجلة نفسها.

ولا تخرج تسريبات المطابخ الإيرانية والملالي حول مقتل عبدالملك الحوثي عن احتمالات أهمها :

الأول إن إيران نفسها أيضاً لا تعلم بمصير هذا الشخص بعد عمليات التحالف الشهر الماضي ما يدل على ارتباك قيادتها وفقدان سيطرتها على أدواتها في اليمن.

والثاني: احتمال نقل عبدالملك الحوثي جراء إصابة بليغة تعرض لها في العمليات الأخيرة دفع إيران إلى تسريب مقتله لخصومه على أمل ظهوره لاحقاً ولو بعد حين ولو عاش معاقاً ذهنياً وجسدياً وفي حالة موت سريري.

والثالث : إن اعتراف إيران عبر أدواتها الإعلامية بمقتله سوف يفسره خصومه في المنطقة واليمن على أنه كذبة إيرانية ترجح وجوده على قيد الحياة، وهو ما تسعى إليه إيران في إثبات أن عبدالملك الحوثي لم يُقتل، بغرض ابقائه حياً في أذهان أتباعه واستمرار خوض معركة إيران في مأرب وغيرها وأن خسرتها إلى الأبد.

والرابع: إن إشاعة طهران مقتل الحوثي عبدالملك غطاء إعلامي يهدف إلى حمايته وتشتيت عمليات التحالف الجوية المكثفة والدقيقة وامتصاص حماسة البحث عنه وملاحقته بعد أن تقرر تصفيته دولياً واستئصال ورمه الخبيث كمجرم حرب خطير على الأمن والسلام الدولي، وبأي ثمن ومهما طال الزمن.. فالقدرات الاستخبارية لخصوم إيران تدفعها إلى تقديم خيار الدفاع عن حياة عميلها عبدالملك الحوثي أكثر من رهانها على استمرار دعم معركة بدت خاسرة في مأرب وباقي اليمن.

ولا تمثل خسارة إيران لحسن أيرلو الأهمية ذاتها التي لعبدالملك الحوثي كركيزة رهان استثنائية لنجاح مشروعها الزائل في اليمن والجزيرة العربية.. ولا يمكن أيضاً تحملها لخسارتين كبيرتين، سقوط وهم السيطرة على ثروات ومقدرات مأرب من جهة ومصرع رجلها الأول ونهايته المفزعة في غمضة عين مع خبير الصواريخ المقبور أيرلو ..

وستلجأ طهران إلى محاولات التدخل أكثر من ذي قبل في شئون جماعة الحوثي الإرهابية واليمن لإبقاء السيطرة عليها، وستخوض مغامرات بحرية وبرية مكشوفة لتهريب السلاح والمتفجرات والمال أكثر مما كانت عليه وستحاول اختراع زعامات روحية وعقائدية ذيلية بديلة في وضع داخلي يمني غير مبشر لها لا في صنعاء وصعدة ولا في مأرب والجديدة والبيضاء وتعز.

والشاهد إن موت الرجل أو اختفائه المدروس كلها مؤشرات قوية راجحة على ضعف وتضعضع حركة الإرهاب الحوثية الدموية حتى لكأن كثافة العمليات الصاروخية الحوثية ضد الإمارات المتحدة والمملكة السعودية ليست ردود فعل على انهيارات الحركة الأخيرة في شبوة ومأرب بل محاولة للتظاهر بعنفوان الجماعة وعدم تأثر قدراتها العسكرية الميدانية بمصير قائدها المعتوه، وأنه بمقدورها صناعة معادلات كبيرة في المستقبل وشحذ همم أنصارها المخدوعين بالبطولات العابرة، واثبات تحكمها بمسار معركة بدأت تبتلعها وتجتز رأسها المدبر الذي لم توفر له عقدة حب الظهور أدنى مبررات لغيابه، ولشخص لطالما كان يستعرض تحديه لإرادة اليمنيين والعالم من خلال إدمان خطابات جوفاء رعناء، يعتبر انقطاعها الشاهد الوحيد على أن هذا المجرم قد قضى تحت الأنقاض غير مأسوف عليه كجرذ مؤذي، بل وملعون في الدنيا والآخرة بعدد جرائمه التي لا تحصى ، وعدد دعوات المظلومين والمقهورين وضحايا نزوات البغي التسلط الفردي لهذا الطفيلي الطافح من عفن التاريخ وأردأ نسخ الجهالة البشرية الحمقاء.

والمرجح عندي إن الله القوي العزيز قد اجتث هذا النبتة الشيطانية الخبيثة إلى الأبد أو أقعد صاحبها بأعاقة جسدية وعقلية على سرير المذلة يتبول على جثته التي تعافها ديدان الأرض.