مأرب... سُقوط نَصر الله وتَيْس الأمم المتحدة
بقلم/ عبدالفتاح الحكيمي
نشر منذ: 4 أشهر و 29 يوماً
الخميس 25 فبراير-شباط 2021 07:24 م
 

حشد الحوثيون لمأرب ما لم يحشدونه من مليشيات وعتاد في كل البلاد طوال ست سنوات في مهمة أِنتحارية يعتقدونها الأخيرة لتسهيل سيطرتهم على باقي اليمن.

عرفوا تاريخ مأرب القديم.. ولقنتهم أيضاً مرارة الهزيمة حديثاً منذ عام ٢٠١٥ م إلى اللحظة.

حتى أن خطاب الصنم المريض حسن نصر الله الأخير يحمل هزيمتهم العسكرية الماحقة واستحالة إحراز تقدم وشكك بقدرات مليشيات إيران في اليمن على الحسم بعبارة : إذا تمكنوا من مأرب..؟... وإذا هي رديف(( لَوْ)) في اللغة.. تفتح عمل الشيطان.

يذكرنا ذلك بما قاله عيدروس زبيدي مؤخراً في موسكو((إذا أقمنا دولة الجنوب سنعترف بإسرائيل)) فلا الانتقالي (سوف يقيم ولا شيء محتمل)) ولا الحوثة تمكنوا من مأرب التي يعكس خطاب رأس حزب اللاة اللبناني قلقه الفظيع من إخفاق محقق ظاهر ليس لمواساة الحوثيين المندحرين وإنما تهرب زعيم حزب الضاحية أيضاً من مسؤولية انغماس خبرائهم المباشر مع الحرس الثوري في تحمل هزيمة وتبعات معركة مأرب ألتي خططوا لها وأداروها بفشل ذريع بلغت عجز آباء المغرر بهم عن معرفة بقايا جثث أبنائهم على طريقة(( ربي أرني كيف تحيي الموتى)) فنهشتها الكلاب والضواري وتحللت في الصحارى والقفار.

وسياسياً يفصح حسن نصر الله عن مطمح وأهداف المعركة التي تحطمت على صخرة عزيمة أبناء مأرب وشبوة وأبين وحضرموت والجيش الوطني الحر وغيرهم ..

وبحسب فحوى خطاب الهزيمة يكشف ضمناً عن تورط محور إيران ورهانه على هذه المعركة أكثر من الحوثيين أنفسهم كونها ستحدد حجم طهران وعملائها ومكاسبهم في المنطقة على ضؤ ما يتحقق لهم على حساب آلام وعذاب ومصائب اليمنيين..

ويختصر خطابه ذلك أمنياته الشيطانية بجملة خطيرة:

موضوع مأرب إذا تمكنت هذه الجبهة من استعادتها هذا يعني أن تأثيراته على الحل السياسي الموعود كبيرة جداً)).

ويظهر التحريض الخبيث ضمناً لنصر الله من خلال ربط وقف تصعيد المليشيات للحرب في مأرب بتحقيق هدف تمكين إيران من استثمار النتائج في ملفها النووي والصواريخ والعقوبات الاقتصادية مع الأمريكان والرهان على بقاء الحوثيين قوة عسكرية لاحقاً متحكمة بالمشهد السياسي في اليمن وحارسة لأطماع الولي الفقيه خامينئي ضمن محور العراق الشيعي ضد المملكة وغيرها.

* هل تنجح إيران *

هكذا يتكشف دور إيران الانقلابي المباشر من صنعاء إلى مأرب وبحثها عن موطئ قدم ونفوذ تاريخي مستدام في اليمن ومَلْشَنَة المنطقة على المدى الطويل بتفكيك وسحق القوى الوطنية اليمنية المناهضة وتمكين الحوثيين.

ويلمح زعيم حزب اللاة اللبناني إلى تفاهمات ووعود دولية خفية باستكمال السيطرة على مأرب لتمرير وفرض الأجندات الاقتصادية النفطية ومساومة الشركات الغربية حال سيطرتهم عليها.

ويتظاهر الخطاب لحماسته كذلك بتأييده المراوغ لحل سياسي في اليمن بشروط المنتصر(الأفتراضي) لمجاراة توجهات الإدارة الأمريكية السلمية في الظاهر ونفي ضلوع مليشيات الضاحية الجنوبية وطهران في استدامة الحرب.

وفي المحصلة تسويق حزب الله نفسه أمام الأمريكان بلعب دور ما لصالح مشروع بايدن الباحث عن أي إنجاز صوري على حساب قضية شعب اليمن الحقيقية في إسقاط مشروع الأنقلاب والوصاية الإيرانية على مركز البلاد.

وبتسارع متغيرات المعادلة العسكرية على الأرض لصالح القوات الحكومية وانهزام مشروع استيلاء مليشيات إيران الانقلابية على مأرب لن يستسلم محور إيران لقاعدة حسن نصر الله في أن من يحسم المعركة يفرض صيغة الحل السياسي التي لا تنطبق بنظره على سلطة وجيش الشرعية !!.

وأي حسابات أو مساومات تلجأ إليها إيران وحزب الله مع القوى الدولية لتعزيز شروط حِمارهم المهزوم في التسوية السياسية(الأفتراضية) سوف تعيد حالة تهديد أدوات ايران الحوثية لأمن اليمن والجوار والملاحة الدولية بأسوأ ما كان عليه.

ولا بديل لفرض تسوية سياسية حقيقية لصالح أمن واستقرار مستقبل اليمن إلا بتعزيز انتصارات مأرب والجوف بالحسم الشامل على الأرض لا تكتفي بتطويق صنعاء فقط بل تعيد مليشيات الانقلاب إلى جحورها ومحاكمة قادة الانقلاب.

والحجة القانونية لدى الشرعية في ذلك هو استكمال تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي ٢٢١٦ على الأرض عسكرياً بتجريد الانقلابيين من أسلحة الدولة الثقيلة والمتوسطة التي يشكل بقاؤها بأيديهم عامل ابتزاز وتهديد دائم وانتكاس لأي جهود سلام حقيقي يزعم مراعاة معاناة اليمنيين الإنسانية.

ودون ريب سوف يقدم المنهزمون تنازلات كبيرة للخارج وأربابهم وليس لبلادهم إذا كان الثمن هو إعادتهم إلى مشهد العبث المأساوي.

فهل تقبل إيران الهزيمة كما هي ويذعن حسن نصر الله لمقولته أن الذي سيحسم جبهة مأرب سيحدد حجمه ومسار التسوية.

وهل يتعض الحوثيون(ألأيرانيون) أنهم لم يعودون يمثلون طرفاً أصلياً لا كأنقلابيين ولا كسياسيين.

فهم مجرد تحالف عسكري فقد مبرراته.

وإذا كان لا بد من تمثيل سياسي فهو للأحزاب والجماعات المنظوية تحت مظلة أنصار الله, فعليها أن تقرر ذلك بعيداً عن وصاية الطاهش الذي فتك بها أكثر واستغلها فقط كمظلة لجرائمه البشعة.

فالتسوية الواقعية المتوازنة لا تكون إلا بين قوى مجتمع مدني وليست مصالحة لتقاسم مغانم غير مشروعة مع الدمويين.

* بيعة بن عُمَر للحوثة *

وكما يتجلى مفهوم الحل السياسي عند الخمينيين في أبشع صور الابتزاز والمتاجرة بأرواح وحقوق اليمنيين تتجرد رؤية المبعوث الأسبق للأمم المتحدة في اليمن جمال بن عمر للحل السياسي من أدنى الاعتبارات الأخلاقية وكأنه أيضاً على وعود مغرية تتوسل تفعيل شبكات علاقاته العنكبوتية داخل الهيئات الدولية.

كتب بن عمر رؤيته تحت ضباب كثيف من الإنتقام والغلواء أفقدته حيادية ولغة الديبلوماسي إلى الإسفاف.. كأنه يذكر الآخرين بعدم نسيان ثأره مع طرف الشرعية اليمنية الذي طالب بتركه المهمة واستبداله.

فلم يكن متوازناً أيام مهمته ولا الآن وهو ينغبش في رد صفعة ما.

والأطار العام في مطالبته بإلغاء القرار ٢٢١٦ وكل مرجعيات الحل انبنى على فكرة إنه لا يمكن مساواة الانقلابيين الحوثيين المسيطرين على الأرض بنظره بقيادات الشرعية المتغربة في المنفى.

وهذه مردود عليها بأن الذين يطالب بمكافأتهم شردوا ملايين اليمنيين من ديارهم.. ومنفى قيادات الشرعية امتداد لتداعيات مشروع الانقلاب الذي يباركه بن عمر.

والحوثة في مناطق سيطرتهم التي يفاخر بها السيد جمال بن عمر بإعجاب منقطع النظير نزعوا اللقمة من أفواه الجياع وزرعوا شرورهم ولا يزالون يدفنون الألغام وحصاد الأرواح ونهب الأموال العامة والخاصة وجرائم مخجلة ضد الإنسانية وتلغيم الحياة الثقافية والدينية إلا إذا كان بن عمر لا يصدق تقارير لجنة خبراء الأمم المتحدة التي تدين الانقلابيين أو أنه يحرض الانقلابيين على المزيد من التشدد في خيار الحرب المدمرة((عَلَيّ وعلى أعدائي)).

أما دغدغة الرجل عواطف الناس دون هدى بمقارنة اداء مسمى حكومة الفنادق مع أصحاب المدافع والبنادق فليس دقيقاً .. فنموذج إدارة الشرعية لمحافظات مأرب وشبوة وحضرموت نسبياً تبطل حجته.. ومعظم الوزارات والمؤسسات رغم تفككها تمارس مهامها على الأرض عبر الوكلاء والمدراء المباشرين بعد تعطيل مليشيات الانتقالي مهام الحكومة وتنفيذ انقلابات متوالية لم يقل الرجل رأيه فيها من منطلق إعجابه وحماسته لكل انقلاب أو خراب.

فانتقاد بن عمر أقرب إلى المناكفة وغوغائية الشوارع والفسبكة.

وكان عليه انتقاد ظاهرة فساد بعض وزراء الحكومة والمدراء في استغلال السلطة للأثراء غير المشروع واحتكار الوظائف على الأقارب والمحسوبية وعدم فاعلية أجهزة الرقابة والضبط وغيرها.. وليس مجاراة الغوغاء والنساء في إنكار كل شيء انتقاماً لفشله الشخصي في مهمته الكارثية إلى اليمن. 

* سلبيات مشهودة *

سلبيات سلطة الشرعية في المنفى كثيرة أبرزها تضخم الجهاز الوظيفي الديبلوماسي غير الفاعل, والإنفاق البذخي الطائل .. لكن لا يزعم بن عمر أن مشروع الحوثيين الاستئصالي العرقي هبة السماء لليمنيين .. والمقارنة لا تجوز علمياً وأخلاقياً في غير المتشابهات يا بن عمر إلا إذا كان يعتقد بن عمر أن ألله اختصهم بالولاية؟؟

وفي حين يعتقد الرجل أنه يقدم إكسير الحياة لليمنيين في محنتهم يسعى إلى تكريس التعايش مع الأوضاع كما هي وأسوأ وليس عبر رؤية حلول وتسوية متوازنة تتفادى الكارثة.

تقوم رؤية بن عمر على تناسي تسليم الانقلابيين لسلاح ومؤسسات الدولة كأمر واقع.. مع تخيله أن أطراف الكارثة اليمنية هم أيضاً رهان الحل.. على أن ما حصل فقط صراع على السلطة ينهيه تقاسم الفرقاء((الأطراف)) للمغانم.

هذا تسطيح ساذج لطبيعة المشكلة لأن اليمنيين رغم كل قهر وضنك معيشة وخوف فظيع يبحثون عن مخرج لهم من كابوس الصراع الدموي على السلطة.

ولا بد من استلهام توصية برلمان الاتحاد الأوروبي في ربط ملف أي تسوية قادمة في اليمن بطبيعة المحكمة الجنائية الدولية وهو المفتاح الذي قفزت عليه تهويمات جمال بن عمر على الرغم من أن رؤيته حصر مباحثات ومفاوضات التسوية في أربعة أو خمسة أطراف لا بأس بها عند اشتراط خلو سجل الممثلين(الانقلابيين) من محاذير الانتهاكات الجسيمة كشرط مؤقت للتهدئة وليس التسوية النهائية بما فيها معايير النزاهة والكفاءة.

أما تبرئة قيادات الحوثة الاستئصاليين العنصريين من الانقلاب فالحديث هنا عن مكافأة وليس محاكمة جنائية عادلة .. وكذلك غيرهم.

ونجاح أي تسوية دائمة عندنا مرهون قبل كل شيء بتجريد كل المليشيات المسلحة والجماعات الدموية الداخلية من أدوات العنف وقطع دابر التدخل الخارجي وتجريم الأرتباط بمشاريع مشبوهة بالوكالة.

وأي مبادرات وتسويات لا تستهدف تعزيز قيم بناء الدولة الاتحادية الجديدة والمواطنة المتساوية وتجريم التمييز الإجتماعي والوظيفي واحتكار السلاح من قبل دولة ذات سيادة حقيقية فلا تعدو أكثر من استراحة التقاط أنفاس في مجتمع ينحو إلى الأنحدار.

* تحريضات بن عمر*

تفتقد رؤية جمال بن عمر إلى البصيرة مرتين وثلاث.. ألأولى في ابتعادها عن تشخيص طبيعة مشكلة استعادة الدولة وفقر معرفته باليمن وتطلعات الغالبية.

والثانية اتسامها بردود الفعل على تجربة شخصية له مع طرف في القضية تفقد طرح الرجل حياديته.

والثالثة تحريضها غير المباشر على تأجيج هجوم الانقلابيين العسكري باستهداف مأرب وسكانها بدلًا من إدانة جرائم الحوثة الاستئصاليين ضد الإنسانية.

وليس مصادفة تلاقي إعجاب جمال بن عمر بجرائم الانقلابيين في هذا التوقيت مع خطاب حسن نصر الله الذي ينتظر مع الإيرانيين حصاد ثمار بطولات مجانين جبل مران من أرواح ودماء اليمنيين.

فلا سياسة أو كياسة أو ضبط نفس تؤهل بن عمر لمهمة إنسانية وليس الثأر من شبح اليمنيين الذي يطارده لاللتحاق بمليشيات الضاحية وصعدة عبر ذكرى ((موفنبيك)).

كان ولا يزال بن عمر جزءاً من انقلاب الحوثيين على سلطة الحكومة الشرعية ويغمض عينيه كشاهد( ما شافش حاجة).

ثم لا ندري لماذا صدق جمال بن عمر نفسه أنه كان فعلاً قاب قوسين أو أدنى من الفوز بلقب تيس الأمم المتحدة.. أو تيس المهمات الصعبة..

أليست نرجسية الذات المفرطة ألتي أوقعت الشاب الجميل في النهر بعد أن أطال النظر كثيراً في صفحة الماء الزئبقية مولعاً بانعكاس وجهه على مرآة النهر.    

نزعة الاخ بن عمر الأستبدادية التسلطية على الفرقاء ألتي ظهرت أثناء ابتعاثه إلى اليمن يعكسها ميله الراهن إلى موالاة الاستبداد والظلم الفادح الذي يسومونه الحوثيون قطاعاً كبيراً من أحرار اليمن.

تلتقي إذن رؤية حسن نصر الله الإرهابي مع رُغْيَة جمال بن عمر الحضاري جداً في النفخ بسبلة الانقلابيين ونفش ريشهم والتحريض على مواصلة نهج الأنقلابيين في تدمير البلاد بنهج الحرب والكوارث .. وهو غير مستغرب من حسن نصر الله الخميني ويدين تنطع واستماتة بن عمر حتى اللحظة في الغاء القرار الاممي ٢٢١٦ الذي لا يستهدف سلاح الانقلابيين وحدهم بل وتجريد باقي الجماعات منه أيضاً وتسليم سلاح ومؤسسات الدولة التي تم تشريدها وملاحقتها في صنعاء وعدن بوجود وشهادة المتباكي على غياب وظائف الدولة وتشرد رئيس البلاد في الخارج بسبب تواطؤ أمثال جمال بن عمر واستماتهم حتى اللحظة في الدفاع عن مشروع دمار وخراب اليمن.. وكأنه طعم العسل السقطري وخلافه مثل باقي الديمقراطيين الأمريكان ومركز السلام المتحمسون لدفن قرار ٢٢١٦ ومعه شعب اليمن الذي لن يستسلم للحثالات والميوعة.

فهذا القرار هو الضمانة الوحيدة ألتي يعول عليها اليمنيون في مستقبل أقل دموية وصراع على الحكم والثروة.

ولتبدأ تجربة بن عمر وبحثه عن دور قادم في اليمن بالتواصل مع مكونات أنصار الله المدنية وليس مع جحافل الأرهابيين القادمة من جروف مران وحيدان.