فوضى الخوف
بقلم/ عدنان هاشم
نشر منذ: 8 سنوات و 6 أشهر و 5 أيام
الأحد 27 يوليو-تموز 2014 04:33 م

غابت الخطابات المحلية والدولية الرنانة ضد سيطرة جماعة الحوثي المسلحة على محافظة عمران التي تبعد عن العاصمة 50 كم، فبين تصريح اللجنة الأمنية العليا أن الحوثيين نقضوا اتفاق وقف إطلاق النار غدرا قبل أن يجف مداده، وتصريح بنعمر أن الحوثيين منقلبين على مخرجات الحوار الوطني وأن مجلس الأمن سيفرض العقوبات، وهّم وغبار تذروه الرياح، هي مرحلة تتمدد لتنفيذ نزوات الأطراف الإقليمية وإعادة بناء الفرد الواحد، دون اعتبار لتأزم الإنسان اليمني وتشظي حياته.

لقد تحول الخطاب الناري للأطراف السياسية المحلية والدولية واللجان العسكرية ولجان الوساطة وتهديدات الرئاسة والحكومة والأركان، إلى خداع تطاير على أشلاء القتلى المواطنين في عمران وجثث العسكريين المناضلين، و رماد يعبث بعيون الأطفال النازحين، ويرسم بقعاَ من الحرمان والتشريد على خدودهم وآبائهم وآمهاتهم، لقد شردت الحرب 45 ألف من المحافظة، لم تُثرهم تطمينات الرئيس الذي زار عمران بالطائرات والمدرعات والأطقم العسكرية فجراً، ولم يلقوا بالاً لـ5 مليارات ريال وعد بها الرئيس لإعادة إعمار البيوت المدمرة، لم يعيّ الرئيس أن نفسيات شعبه دمرت، مع سقوط الفاجعة بالسيطرة على معسكر تابع للجيش، فيه من الآليات العسكرية والجنود ما يوقف هذه الجماعة ويجعلها تجر أذيال الخيبة، لم يخطر–ربما- ببال الرئيس أن الشعب كله وليس أبناء عمران وحدهم أصابهم الذهول وبدأو يفقدون ثقتهم بالدولة وبالحكومة.

وهل يعرف الرئيس ما معنى أن يفقد الشعب ثقته بالجيش والأمن في ظل دعوات الاستقطاب الكثيرة؟!!، ذوبان الهوية الوطنية الجامعة وتحول ولاءات الشعب للهويات الفرعية التي يعتقد أنها ستحميه، الحوثي أنشأ هويته الفرعية الطائفية وبدأ كثيرون ينحنون للقوي؛ "الدولة ليست موجودة، الجيش ليس قوياً، فلماذا استند إلى الضعيف الذي لا يستطيع حمايتي؟!!"، هو حديث مواطن من عمران في حديثه عن الدولة والحوثي، سيذهب الجميع نحو هويته الفرعية كانت قبيلة أو جماعة مسلحة، أو داعش جديدة تتخمر بسبب القهر والضيم، وتتحول البلد كلها إلى فرز في كل منطقة وناحية ومحافظة.

الأمر ليس بتلك البساطة التي يتصورها البعض أن سقوط معسكر بيد جماعة مسلحة هي خسارة معركة في إطار حرب، لا هي ليست كذلك، هي أخطر من ذلك بكثير: هي تفاعلات اجتماعية سيكولوجية تعرضت لعملية فقدان وكبت مشبع بالخوف في ظل تواجد ديناميات الجماعة التي تستقطب، منهورة بانطباعات سابقة عن دور الجيش والأمن، في ظل وجود تعبئة إعلامية و تخرصات إقليمية، كل تلك تعني أن الخطر الحقيقي يتمثل في الهويات الفرعية القادمة على مجنزرات الدبابات الحوثية والتخاذل الحكومي.

عندما يلاحظ الشعب أن الدولة تنازلت عن تشديدها بمغادرة الحوثيين عمران، وتسليم السلاح كل السلاح المنهوب من المعسكر، إلى تسليم المؤسسات الحكومية، فيما نقاط العبور والتفتيش داخل المحافظة وخارجها تابعة للحوثيين في ظل غياب نقاط الدولة، وعدم الإشارة لذلك العتاد الذي نهبه الحوثيون ويمتلكون ضعفه، ومع شرعنة الدولة للجماعة المسلحة بقاء قواتها، وفتح جبهات جديدة في الجوف والحيمة وأرحب وهمدان، بملاحظة ذلك يجد المواطن نفسه عارياً أمام الموت، أمام التشرد، يواجه الخوف لوحدة، وكنزعه سلوكية أبدية سيتجه إلى تكتل يحميه هذا التكتل سيجد طريقة للسلاح، للقتال، للمواجهة، وتكتفي الدولة بدور الشرطي الهارب من عمله.

لا أحد يريد إنتاج الخوف، لا أحد يفتش عن الفوضى، لكن هذا ما يحدث بالفعل، هذا ما يجب أن يفهمه الرئيس وتعيه الحكومة، أن لبناناً ثانياً يتحرك، وأن أوغندا جديدة تتأسس، وأن أخطاء سياد بري رئيس الصومال يفعلها هادي رئيس اليمن دون وعيّ وبلا إدراك.

لا أحد أيها الرئيس... أيتها الحكومة... يريد خوض حرباً للجيش مع الحوثي، كلهم يمنيين، كل ما يريده المواطن حمايته وأهله ومنزله... ما نريده جميعاً هو حماية المواطنين والدفاع عنهم.. حفظ أنفسهم وأموالهم.. هذا الشعب يريد الحياة لا يبحث عن الموت، وفي سبيلها سيتجه إلى أي طريق يستطيع حمايته، ولات حين مندم.