هيئة لتنمية الفضيلة ..أم دعاة خراب ؟
بقلم/ بكر احمد
نشر منذ: 12 سنة و 11 شهراً و يومين
الإثنين 02 يونيو-حزيران 2008 04:15 م

مأرب برس - خاص

أذكر أنه تم سؤال مفتي المملكة العربية السعودية السابق أبن باز عن من يخرج إلى الشارع وهو حاسر الرأس ( بدون عمامة أو طاقية ) فكانت الفتوى بأنهم أناس بلا مروءة ، وأحسب أن تلك الفتوى هي من أخف الفتاوى تجاه المجتمع الذي يقع دوما تحت وطأة الرقابة الشديدة من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السعودية والتي ترى من خلال هذه الهيئة بأنها تحرس قيم وأخلاق الناس وأنها بدونهم سيعم الفساد وتسقط السماء على الأرض فورا .

ثنائية المجتمع ورجل الدين ثنائية ركيكة لا أعرف كيف استمرت طوال هذه العقود من السنين والناس مستسلمة لها خانعة لنفوذها قابلة لأحاكمها التعسفية تجاه أهم ما يمكن للإنسان أنه يناضل لأجله ألا وهي الخصوصية _ الحرية الشخصية _ وحرية الفكر والرأي ، ورجل الدين لا يشعر بأنه موجود ويتنفس إلا بعد أن يحيط الجميع بكلامه وأن ينشر هيمنته على المحيطين به على اعتبار أن ما يقوله أو يفعله هو انعكاس فعلي عن الدين الإسلامي الصحيح الخالي من البدع والنقائص .

 

دارت أحاديث مؤخرا حول اعتزام عبد المجيد الزنداني وحمود الذارحي إنشاء هيئة لتنمية الفضيلة على غرار ما هو موجود في السعودية تكون من أهم واجباتها هي الذوذ عن أخلاقنا بعد أن صارت في الحضيض وأن الأمر لم يعد يستدعي الصبر أكثر من ذلك وأن واجبهم التحرك نحو إعادتنا إلى الطريق القويم ، وأن كل من يعترض على ذلك حسب تصريح الذارحي في صحيفة الناس هم " الموالعة" أو المنغمسين في مشروع تدمير الأخلاق ، وهنا تأتي هذه اللغة في التعامل مع الآخرين من منطلق أنهم دعاة انحلال فقط لأنهم اعترضوا على فكرة أراد هو وصاحبه أن يقيمها ويترأسها ويبسط نفوذه ويفرض قيمه الفكرية على المجتمع .

 

يقول الذارحي بأن من سيعمل بهذه الهيئة _ أن تمت الموافقة عليها _ هم من طلاب جامعة الإيمان وأن العمل بها سيكون تطوعي بلا أية رواتب من الدولة أو من المال العام وأن هذه الهيئة ستنتشر مبدئيا في صنعاء وعدن والحديدة ، وأنا حقيقة لا أستطيع أن أصدق هذا الكلام من منطلق بأن هذه الهيئة ستحتاج إلى مباني وسيارات وأجهزة اتصالات وكلها أمورا تحتاج إلى مال يهدر من خزينة الدولة، وأجزم أن ميزانيتها ستفوق ميزانية أية هيئة حكومية أخرى كما أنها ستوفر وظائف لطلاب جامعة الإيمان الذين يملكون عقلية تمت أدلجتها بما يضمن تنفيذ كل أساليب وطرق وأهداف مشائخهم الذين يؤمنون بهم بشكل شبه مطلق .

 

كلام حمود الذارحي مخيف جدا ففي المقابلة الصحفية والتي كان من المفترض به أن يطمئن المتخوفين من قيام مثل هذه الهيئة ، إلا انه وكما يبدوا في أفضل حالات اعتداله كون المقابلة هي دعائية في المجال الأول لهيئته المفترضة لم يستطيع إلا أن يصور الوضع بأن أعراض نسائنا منتهكة وأن قيمنا منحلة وأن اليمن بؤرة فساد ودعارة في كل زقاق ومنطقة ، كما أنه لم يستطيع أن يخفف من حالة الترقب حول الاعتراض على الحريات الشخصية إذ أنه قال بأن هذه الهيئة لن تعترض الحريات الشخصية ( ولكن ) " لكن من يقف حجر عثرة أمام القيم والفضيلة والتوعية أو من يتبني مشروع لتدمير القيم ومسخ الأمة فهذا لابد من التصدي له, أما الحريات الشخصية فمجالها التوعية والتربية والإقناع " بمعني أكثر دقة أن أي حرية شخصية خارجه عما يراه الذارحي أنها صواب _ حسب وجهة نظره _ فمجالها توعية وتربية _ إعادة تكوين من جديد _ ثم إقناعه ، وهذا الإقناع سيكون تحت وطأة كم هائل من الآيات القرآنية والأحاديث الدينية التي ستجعلك في حال أن قررت عدم الاقتناع بأنك رافض لهذا الدين بشكل أو بآخر !؟ كما أننا لا نجد معايير محددة لما أسماه مشروع لتدمير القيم ومسخ الأمة ، فهو قد يرى أن حديث صحفية مع رجل في الشارع أو إلقاء تحية على زميلة عمل تقع ضمن هذا المشروع أو المخطط الهدام .

وأنا هنا أستطيع أن أتخيل الصورة بشكل لا غبار عليه بأن هذه الهيئة ما وجدت إلا لقمع الحريات الشخصية والتعرض للأفراد في الطرقات والأسواق والحدائق والتجمعات الخيرية والفنية والمدنية ،وأنهم سيدخلون أي منزل أو جمعية أو تنظيم بحجة أنه ثمة مفاسد تقع ربما أقلها في نظرهم هو الاختلاط بين الرجال والنساء .

 

هيئة لتنمية الفضيلة في اليمن ،، أم أن الشعب اليمني قد بات يحتاج إلى دعاة وحراس فضيلة وأنه لا يجب أن يترك هكذا دون سلطة أبوية ، وأنه ولا بد من الوصاية عليه حتى لا يخرج عن السيطرة ، ثم ما هي هذه الفضيلة الناقصة حتى يأتي هو لتنميتها على حساب الطعن في أخلاقنا وفي أعراض نسائنا بهذا الشكل المبتذل والفج ، وهل حان الوقت كلما قررنا الخروج مع زوجاتنا إلى الأسواق أن نحمل معنا عقود النكاح حتى نثبت للمتربصين بنا من تلك الهيئة بأننا لا نمارس رذيلة حسب وجهة نظرهم وأن نراعي من الآن وصاعدا طريقة تسريحه شعرنا وثيابنا وأن نهيئ أنفسنا للضرب بالعصي في الشوارع مثلما حدث مؤخرا في عدن لمجموعة من الطلبة والطالبات في موقف لانتظار حافلة تقلهم من الجامعة إلى منازلهم .

 

كان الله في عون المواطن اليمني ، فهو دوما بين مطرقة الفقر والفساد الإداري وبين سندان كهنوت رجال الدين الذين لا يرون إلا مصالحهم العليا في محاباة حاكم فاسد على حساب أسلوب وطريقة حياتهم البسيطة والهادئة التي لم تعد تحتمل المزيد من المنغصات السخيفة كالتي يروج لها دعاة الفضيلة .

 

خاتمة :

قال المتنبي قديما :

أغاية الدين أن تحفوا شواربكم .... يا أمة ضحكت من جهلها الأمم .