بعضهم في اليمن السعيد يهرب من المدرسة... ليتسوّل!
بقلم/ علي سالم
نشر منذ: 12 سنة و 10 أشهر و 6 أيام
الخميس 04 أكتوبر-تشرين الأول 2007 11:36 م

ولّى زمن كانت فيه المدرسة اليمنية تعطي لبناً وجبناً ولحما. وحلّ محله زمن الجبايات على أنواعها، ما جعل بعض التلامذة، ممن يحصلون على مصروف بانتظام، يقلقون من أن يستيقظوا ذات صباح على «أتاوة» جديدة، قد تضطر أهاليهم إلى حسمها من مصروفهم.

وفي بلد ينحدر مزيد الأسر إلى ما دون خط الفقر، ما زال مصروف الصغار محكوماً بمتغيرات اقتصادية واجتماعية. وهو لم يترسخ بعد كتقليد عام. وحديثاً، انتبهت المؤسسات الدولية المانحة لليمن السعيد، إلى الآثار التي يخلّفها العوز، فراحت تخصص دعماً مادياً لبعض الأسر الفقيرة، ضمن برنامج تشجيع تعليم الإناث في المناطق الر يفية، بخاصة.

بيد أن تزايد الضغوط الاقتصادية لم يمنع التلاميذ والتلميذات من أبناء الأسر الميسورة، من التمتع بمصروف يومي، يصل في الأسبوع الواحد إلى نصف راتب موظف حكومي في الدرجة العاشرة.

وعلاوة على سيارة خاصة تقل التلميذ المترف إلى مدرسته القريبة من منزله، يحصل عبد الملك (13 سنة) على 600 الى 800 ريال يومياً، وأحياناً ألف (أي 5 دولارت)، كما يقول الطالب في مدرسة آزال الأهلية.

وفي المقابل، تحرص أسرة التلميذين نضال وجميل علي اسكندر، على النهوض باكراً لإعداد وجبة طعام يأكلانها في المدرسة. فكل منهما يحصل، بالكاد، على عشرين ريالاً، وليس بانتظام، بل بما يتيسّر مع والده، بحسب أوضاعه المالية، كما يشرح نضال (12سنة).

وكان بعض الجمعيات الخيرية دأب على توزيع حقائب مدرسية مع بداية كل سنة، لأبناء الأسر الفقيرة. لكن اللافت أن نشاط الجمعيات، الذي ترافقه حملة دعائية وإعلامية مبالغ فيها، يكون ذا أبعاد انتخابية. فحتى الآن، لم يُعرَف ما إذا كانت تلك الجمعيات (وبعضها تابع لأحزاب سياسية)، توزّع الغذاء على المدارس، مثلما تفعل سواها من المنظمات الدولية.

ويبقى العمل في إدارة التغذية المدرسية مطمح كثيرين من موظفي وزارة التربية والتعليم، نظراً إلى الأموال التي يدرّها عليهم، بسبب تفشي الفساد.

وتكشف خديجة علي عليوة، مديرة إدارة نشاطات المجتمع، في مكتب التربية، في العاصمة صنعاء، أن إدارتها تعتزم قريباً التواصل مع المؤسسات الخيرية، لطرح برنامج لمد المحتاجين من تلامذة وتلميذات مدارس العاصمة، بأغذية خفيفة تعينهم أثناء التحصيل، مشيرة إلى الأثر الايجابي الذي يتركه مثل هذا الفعل في نفس الطالب، ما يعزز ارتباطه بالمدرسة ويقلّص من التسرب. وسُجّلت حالات هروب تلامذة من بعض الحصص، وأثناء الدوام الدراسي.

وشوهد صغار بالزي المدرسي على الرصيف يتسولون، مدعين أنهم لم يتناولوا الفطور، أو أنهم لا يحملون أجرة المواصلات.

وتشعر عليوة بالأسف لأوضاع الصغار الذين لا يحصلون على مصروف، ولو قليل، معتبرة أن محنتهم تزداد في ظل الجبايات التي يمارسها بعض الادارات والمدرسين. وتؤكّد مديرة إدارة نشاطات المجتمع، غياب أي اهتمام رسمي أو دراسات تتناول أوضاع هولاء.

وتوضّح أن ما جرى حتى الآن ونُفّذ، إنما هو من قبيل المبادرات الفردية، يقتصر على جمع تبرّعات من زملاء أو جمعيات، لتغذية بعض التلامذة، ممن لا يتوافر لهم مصروف.

وأدّى اتساع رقعة الفقر إلى تزايد أعداد الصغار الذين يذهبون إلى مدارسهم، بجيوب فارغة ومعدٍ خاوية، سيراً على الأقدام لاسيما في الأرياف. يبد أن الملاحظ أن أسراً يمنية كثيرة، من بينها تلك التي تتوافر لديها موارد مالية كافية، تقلل من أهمية المصروف، وترى في إعطاء الصغار نقوداً، إفساداً لهم.

ويبدو أن المتخيل الشعبي حول الولد «الفحفوح» (المجتهد)، ما زال سائداً بين بعض الآباء، بخاصة أولئك الذين عاشوا عهد شظف. ومثل هؤلاء يعتقد أن تعويد أبنائهم على التقشف، وجعلهم يذوقون الحرمان، سيجعلهم ينشأون معتمدين على أنفسهم، ويشقون طريق حياتهم بنجاح.

وعلى رغم وجود كثيرين من الصغار، ممن تدفعهم ظروف أسرهم إلى أعمال هامشية، مثل عرض الميزان والبيع المتجوّل، ثمة آباء، ممن يعيشون في بحبوحة، يجبرون أبناءهم على العمل، سواء في دكان الوالد، أم في محال أشخاص من معارفهم، بداعي أن العمل يصنع من الصغير ولداً مجتهداً، ويجنبه مزالق الميوعة والفشل.

عن الحياة