اليمن بين سندان "القليل من الدولة" ومطرقة "ما دون الدولة"
بقلم/ عبد الكريم سلام
نشر منذ: 11 سنة و شهر و 21 يوماً
الجمعة 28 سبتمبر-أيلول 2007 03:02 م

تواصلت الاحتجاجات الشعبية في العديد من المحافظات الجنوبية الشرقية اليمنية مطالبة بإطلاق المُـحتجزين على ذمة الوقفات الاحتجاجية التي شهدتها العديد من المدن اليمنية في الأسابيع الأخيرة.

وعلى مدار اليومين الماضيين، تواصلت الاحتجاجات الشعبية، رغم التحذيرات التي أطلقتها الأجهزة الأمنية ورغم انتشار قوات الأمن والجيش في شوارع المُـدن، التي شهِـدت الأسابيع الثلاثة الماضية تجمهرات احتجاجية تطوّرت إلى مُـصادمات بين قوات الأمن والمتظاهرين وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من الجانبين.

محافظة الضالع التي سقط فيها جرحى وقتلى في الاحتجاجات الأخيرة، شهدت تظاهرات شعبية أمام المستشفى الذي يتلقّـى فيه الجرحى العلاج، فيما شهدت المكلاّ عشية الاحتفال بالذكرى الـ 45 لقيام الثورة اليمنية، مِـهرجانا جماهيريا نظّـمته أحزاب اللقاء المشترك، في الوقت الذي كان يُـلقي فيه رئيس الجمهورية علي عبدالله صالح خِـطابه بمناسبة الذكرى الخامسة والأربعين لقيام الثورة اليمنية في 26 سبتمبر 1962.

ويرى المراقبون أن مواصلة الاحتِـجاجات الشعبية، التي بدأت بمطالبات المتقاعدين العسكريين والمُـبعدين من وظائفهم من أبناء المحافظات الجنوبية، تطرح تحدّياً كبيراً على حكومة الرئيس علي عبدالله صالح وتنذر بمرحلة جديدة من التحولات، ربما بدأت تباشيرها تُـلوح بإعلان مبادرة رئاسية للتعديلات الدستورية، ترمي إلى إعطاء المجتمعات المحلية صلاحيات واسعة لانتخابات الحكم المحلي وزيادة الأجور، بغية امتصاص حالة الغضب التي تسود، ليس فقط المحافظات الجنوبية، بل المحافظات الشمالية، التي بدأت تتململ جرّاء ارتفاع أسعار العديد من المواد الأساسية وتردّي الخدمات الأساسية، كالماء والكهرباء.

ويذهب العديد من المُـتابعين إلى أن تفاعلات الشارع اليمني وبما يحمله من مطالب، إذا لم تستطع الحكومة بإحداث تغيير حقيقي في الأوضاع المعيشية، ربما في طريقه إلى أن يتحوّل إلى حالة دائمة تشُـل الحياة العامة في البلاد، وليست مجرّد سحابة صيف عابرة، بل ربما في طريقها إلى أن تتحوّل إلى خريف غضَـب قد يطُـول أمده، حسب أولئك المراقبين، خاصة مع تجدد تلك الاحتجاجات والإصرار على مواصلتها وتبادل الاتهامات بين السلطة والمعارضة.

وعلى ما يبدو، فإن الإجراءات الوقائية والزجرية التي اتّـبعتها السلطات حتى الآن، سواء بالمبادرة إلى معالجة الأسباب التي أدّت إلى تلك الاحتجاجات والتي منها تسوية أوضاع العديد من المتقاعدين وإرجاع المبعدين إلى أعمالهم أو باحتجاز وملاحقة منظِّـمي تلك الاحتجاجات، فإنها لم تُـؤتِ ثمارها، بل أجّـجت المواقف المُـلتهبة باحتجاز وملاحقة بعض القيادات المنظمة للمظاهرات والمسيرات وتحول المطالب الاقتصادية والمعيشية إلى مطالب سياسية، خاصة في المناطق الجنوبية الشرقية التي رُفعت خلالها شعارات تطالب بانفصال الجنوب عن الشمال، مما يطرح على صنعاء ضرورة مراجعة السياسات التي انتهجتها طيلة الفترة الماضية وأدت إلى تزايد التذمر الشعبي على النحو الذي ظهر خلال الأسابيع الأخيرة.

تعديلات دستورية

ومع أن مبادرة الرئيس اليمني للإعلان عن جُـملة من التعديلات الدستورية عشية ذكرى الثورة اليمنية، تصبّ في سياق امتصاص الغضب الشعبي الذي تزايد في الآونة الأخيرة، إلا أنه من السابق لأوانه القول بأنها ستُـخرج البلاد من مأزقه قبل اتِّـضاح موقف المعارضة منه، خاصة بعد رفضها حضور الدعوة إلى الحوار الذي كان الرئيس صالح دعا إليه مطلع الأسبوع الجاري.

وفي معرض تعليقه على الدّعوة للحوار ورفْـض المعارضة لها، قال الناطق الرسمي بإسم أحزاب اللقاء المشترك السيد محمد الصبري لسويس انفو، "الحوار بين السلطة والمعارضة بالدعوة التي وجّـهها الرئيس، تحوّلت بقُـدرة قادِر إلى تأكيد استمرارية النّـهج القديم، كمهرجان إعلامي وليس حسب التواصل واللقاءات التي جَـرت في السابق بين الحكومة وأحزاب المعارضة. فالحوار مجمّـد منذ ثلاثة أشهر، وحسب ما وعد الرئيس، بأنه سيُـذلل كل الصعوبات، إلا أنّـنا فوجئنا بتحدث الإعلام الرسمي عن حوار مفتوح ليس له لا علاقة ولا صلة بينه وبين ما اتّـفق عليه سابقا".

أما فيما يتعلق بمبادرة التعديلات الدستورية التي أعلن عنها الرئيس، يقول الصبري "إن المعارضة ستتدارسها وتُـعلن الموقف منها في وقت لاحق"، لكنه استدرك قائلا أن رأيه الشخصي في المبادرة "أنها طُـرحت بطريقة لم تُـراع لا أهمية الموقع الرئاسي ولا الأطراف المعنية"، مشيرا في هذا الصدد إلى القول أن أسلوب تقديم موضوع ما، هو جزء من ذلك الموضوع وطرحه في وسائل الإعلام بتلك الطريقة أحاله إلى مسألة تخُـص السلطة.

وحسب الصبري، فإن المبادرة بتلك الطريقة لا تُـعد سوى هروبا من مواجهة المشكلات القائمة والقفز عليها، لاسيما أن هناك وثيقة للحوار بين الحزب الحاكم، المؤتمر الشعبي العام، وأحزاب المعارضة.

فالحزب الحاكم، خلال الحوار، قدّم رزنامة للإصلاحات الدستورية والاقتصادية والسياسية والتشريعية والإدارية، مُـكونة من 200 صفحة، والتعديلات واسعة وليس كما طُـرحت في المبادرة عشية الاحتفال بعيد الثورة.

احتجاجات شعبية

وحول استمرار الاحتجاجات الشعبية وما ستُـسفر عنه، يقول الناطق الرسمي لأحزاب المعارضة: "البلاد تمُـر بمرحلة خطيرة من التحوّلات، أرضيتها الوضع الاقتصادي المُـختل والفساد الإداري، وما ستنتهي إليه تلك الاحتجاجات تتوقّـف على إرادة الناس والمعارضة وإرادة السلطة بفشلها وعجزها، وهناك بدائل ظاهرة، أهمها الاحتكام إلى مشروع وطني يرتكِـز على دولة الحق والمواطنة المتساوية".

وبخصوص ما تذهب إليه السلطة من أن المعارضة تركب موجة الشارع وتلعب على حاجات الناس المعيشية لتمرير مطالبها السياسية، حتى وإن كانت تلك المطالب تُـهدد الوحدة الوطنية، قال الصبري: "هذا فهم غريب وعقيم للسياسة وللديمقراطية، فالمعارضة في كل بلدان العالم لها برنامجها وللحاكم برنامجه، والحكم عندما يخفِـق، تسعى للاستفادة من إخفاقاته واستثماره في توسعة قاعدته الشعبية، وكان الأجدر بالحاكم أن لا يخفق ويفشل، حتى لا يترك للمعارضة ما تَـستفيد منه وتستثمره في مُـمارستها للسياسة. أما تهديد الوِحدة الوطنية، فهذا لا يأتي من الحُـفاة العُـراة، بل من عجز الحاكم وفشله في إدارة الشأن العام وتحويله للأمن والاقتصاد والثروة الوطنية، إلى مِـلكية خاصة".

من الواضح أن ثمة عوامل كثيرة ومتداخلة هي التي تُـحرك الشارع اليمني، منها أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. اقتصاديا، شهد في الفترة الأخيرة ارتفاعا جنونيا للأسعار، خاصة في المواد الأساسية كالقمح والدقيق والحليب ومشتقاته، وهذا الارتفاع، وإن جاء نتيجة لعوامل خارجية وداخلية، إلا أن ضُـعف الأداء الاقتصادي للبلاد يرتبط بسوء التدبير الذي أنتج مساحة واسعة من الفاقة والفقر، مقابل استئثار قلّـة قليلة بالثروة، والسلطة مارست الإقصاء والتهميش في الوظائف العامة ضد الفئة الغالبة لليمنيين عامة، والمنحدرين من المحافظات الجنوبية الشرقية على وجه الخصوص، مما ألحق الكثير منهم بطبقة المحرومين من الثروة والسلطة، والنتيجة الطبيعية هي حالات التذمر تلك.

حلم بدولة المواطنة والحق

على المستوى الاجتماعي، بدأت تبرز للعلن خِـلافات قبلية بين الفئات المُـهيمنة تقليديا، بسبب صِـراعاتها على النفوذ والثروة وبدأت تعبِّـر عن نفسها في الآونة الأخيرة بالتجمّـعات القبلية والدعوات إلى تكتُّـلات مناطقية، برزت بقوة مُـعيدة للأذهان الإغارة التي مارستها القبيلة على السلطة المدنية، لاسيما مع العجز الفاضح في مؤسسة الحُـكم الحالي على معايير مؤسسية وإعادة إنتاج قِـيم "البداوة والإغارة"، حسب بن خلدون.

سياسيا، هناك حسابات وتكتيكات تبرز وتنتعش في مثل هذه اللّـحظات، تُـحتِّـم استثمار اللحظة من منظور براغماتي على اعتبار أن النفعية من مستلزمات السياسة، لا تقتضي وجود أنبياء، كما يذهب إلى ذلك البعض في تصوّرهم وتصويرهم للعمل السياسي.

الخلاصة، وكما يلتقي عليها الكثيرون في نقاشاتهم على هامش هذه الأحداث، هي أن ثمة تداخُـل بين السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهو ما يبدو جَـلِـيا في الوضع الرّاهن، كما تعبِّـر عنه الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها البلاد ولا يمكن معالجتها إلا بإدراك ذلك التداخل بين الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، والوعي بمُـعطياته بعيدا عن التدبير اللحظي، بل بالانفتاح على المستقبل حتى لا يبقى البلد على حالة المكتفي بالقليل من الدولة أو مهددا باللادولة (مثلما يحدث في الصومال منذ عام 1991).

ربما يظل اليمن يدور في إطار هذه الثنائية، إما الاكتفاء بالقليل من الدولة أو الانزلاق إلى ما دون الدولة، على أن ذلك ارتبط تاريخيا في اليمن، إما بالتوافق والتراضي أو بالانقسام والتشظي.

فهل سيظل اليمن يُـراوح بين هذه الثنائية أم أن ثمة إصرار على دولة المواطنة والحق، التي لا زالت بإجماع المراقبين، مجرّد خطاب تطرحه السلطة والمعارضة، دون بروز ما يؤكِّـد حتى الآن، أن ثمّـة ضمانات لبلوغ ذلك الحلم الذي يُـراود النسبة الكبيرة من المواطنين اليمنيين.

* سويس أنفو