المحميات الطبيعية في اليمن .. تقرع ناقوس الخطر
بقلم/ مطهر السياغي
نشر منذ: 13 سنة و شهرين و 21 يوماً
الخميس 02 أغسطس-آب 2007 10:04 م

تفرز تجارب المحميات الطبيعية برامج تحصينية حقيقية لحماية الهبات الجمالية من الاندثار و ابراز الخصوصية الجمالية الحيوية التي يزخر بها المكان المحمي .. وبالنسبة لهذه التجربة في اليمن فعلى الرغم مما يبذل من جهود من قبل الجهات المعنية ؛ فان ثمة قصور يعتري آليات إدارتها حتى صارت هناك مخاطر تهددها أكثر مما كانت عليه قبل إعلانها محميات جراء العشوائية و تدني الوعي الاجتماعي بأهميتها كمرتكزات اقتصادية لسياحية واعدة في ظل انعدام الميزانيات التشغيلية اللازمة لتنفيذ الخطط الإدارية المعتمدة لحمايتها .

تزخر الطبيعية اليمنية بوافر من مقومات الدهشة و خصائص الجمال الباذخالتي حبا الله بها الأرض اليمنية في السهول والجبال والوديان والجزر المنثورة في المياه الإقليمية على البحرين الأحمر و العربي . و انطلاقا من هذه الأهمية شرعت اليمن في التأسيس لإعلان المحميات بهدف الحفاظ على الخصوصية الطبيعية لهذه المناطق وتأهيلها وحمايتها من الاندثار .

و نتج عن الدراسات والمسوحات التي نفذتها الهيئة العامة لحماية البيئة في السنوات العشر الماضية على 36 موقعا طبيعيا في مختلف مناطق اليمن- الاعلان رسميا عن خمس محميات برية و بحرية بهدف الحفاظ على مكوناتها وما تتميز به من خصائص الندرة و التنوع الحيوي وتأهيلها للعب دور كبير في التعريف باليمن كمقصد للسياحة الطبيعية في العالم وترشيد إستغلال مواردها الطبيعية بما يؤدي الى استدامتها و الحفاظ على مقومات خصوصيتها وحيويتها .

و تعكف هيئة حماية البيئة حاليا على استكمال الدراسات لإعلان ثلاث محميات طبيعية على المدى القريب تشمل مواقع "بلحاف" كمحمية ساحلية و"شرمة - جثمون" كمحمية بحرية في حضرموت, و "إرف" كمحمية برية بتعز بالاضافة الى أكثر من20 موقعا اخر مرشحا لان تؤهل كمحميات طبيعية .

و أعلنت محمية عتمة بمحافظة ذمار رسميا العام 1999م كأول محمية طبيعية في اليمن بموجب قرار مجلس الوزراء لنفس السنة, فيما أعلنت سقطرى رسميا "محمية برية وبحرية" في العام 2000م و "حوف" بالمهرة محمية برية العام 2005م و" برع " بالحديدة محمية برية مطلع العام 2006م ومحمية "شرمة - جثمون" بحضرموت محمية بحرية في أغسطس من نفس العام .

وباتت المحميات المعلنة تحظى باهتمام كثير من الجهات المعنية محليا و دوليا في مقدمتها منظمة (اليونسكو) التي سارعت بحسب ما أفاد به مدير المركز الفني بهيئة حماية البيئة انور الحميري لوكالة الأنباء اليمنية (سبأ) إلى إعلان سقطرى "محمية الإنسان و المحيط الحيوي" على المستوى العالمي و ذلك لما تتميز به عن غيرها من مناطق العالم من خصائص جمال الطبيعة و تفردها بمقومات الثراء الحيوي" ..مؤكدا أن هناك جهود حثيثة تبذل لتسجيل هذه المحمية لدى المنظمة ضمن" التراث العالمي "

وعزز هذا الاهتمام اتجاه الدولة إلى التوقيع على الاتفاقيات الدولية بهذا الخصوص حيث يشير مدير محمية الأراضي الرطبة بعدن فيصل الثعلبي الى قرار رئيس الجمهورية الخاص بالانضمام إلى اتفاقية ( رامسار) والتي تعنى بالأراضي الرطبة والمناطق ذات الأهمية بالنسبة للطيور على مستوى العالم وتم توقيعها في مايو من العام 2006م .وقال الثعلبي " بموجب التوقيع على هذه الاتفاقية يعتبر الحفاظ على محمية الأراضي الرطبة بعدن التزاما محليا و دوليا كونها تشكل تراثا طبيعيا وغنيا ذا أهمية إقتصادية وإجتماعية وتاريخية وأثرية ولها أهمية كبيرة بالنسبة لتعدد انواع التنوع الحيوي لا سيما الطيور المهددة بخطر الانقراض على مستوى العالم والتي تتخذ من اليمن ملاذا آمنا للراحة والغذاء و التكاثر أثناء هجراتها من و إلى أوروبا وآسيا وأفريقيا .

وتعتمد هيئة حماية البيئة التي خولها قانون حماية البيئة رقم 26 لسنة 1995م الحق في إنشاء المحميات الطبيعية و إدراتها, تعتمد في إعلان المحميات على مجموعة شروط تستوفيها المواقع المدروسة ليتم تأهيلها كمحمية طبيعية برية أو بحرية أو ساحلية أو محمية أراضي رطبة .

وبَّين مدير عام المحيمات بالهيئة المهندس خالد الأصبحي الكيفية والشروط التي يتم بموجبها إعلان المحميات : "عند تحديد أي موقع يتم عمل دراسة تفصيلية تشمل جوانب التنوع الحيوي النباتي والحيواني والجانب الاقتصادي والاجتماعي للسكان و دراسة المشكلات التي تتعرض لها الموارد الطبيعية في الموقع وعلى هذا الأساس يتم عمل الخطط الإدارية والسياحية للمحمية ليأتي بعد ذلك قرار مجلس الوزراء لإعلانها رسميا كمحمية طبيعية". وأوضح أن آلية الحماية تتمثل في " تقسيم المحمية إلى عدة أقسام أهمها (المنطقة المركزية) التي يمنع فيها ممارسة إي نشاط بشري نظرا لخصوصيتها الحيوية, ( المنطقة المحيطة ) وفيها يتم الاستخدام البشري بصورة تؤدي إلى إستدامة المنطقة, و( منطقة الإستخدام العام ) التي يسمح فيها بتنفيذ المشاريع التنموية والسياحية بشرط ان تخضع لدارسة تقييم الأثر البيئي " .

واوضح مدير عام الموارد الطبيعية بالهيئة عبد الله أبو الفتوح أن " المحميات الطبيعية أو المناطق الحساسة بيئيا يتم عمل دراسات كاملة لها, تشمل دراسة التنوع الحيوي - نباتيا, حيوانيا جيولوجيا - والجانب الاجتماعي والاقتصادي للمكان و دراسة للملكية والمناطق القابلة للاستثمار بكل أنواعه إن وجد " .. و أكد أن مناطق

المحميات " لا يمكن ان يقام فيها مشاريع استثمارية و لا حتى سياحية ولكن تستثمر تلك المناظر بالزيارات وليس كمنشآت تقام في المواقع ".

و أضاف : " بعد هذا كله يتم عمل خطة إدارية, ترصد الأنواع: أنواع نادرة, أنواع هامة - من ثم يتم عمل خارطة (مستر بلان) أو خطة لتقسيم المناطق هذه للحدود فيها مناطق تسمى مراعي , مناطق الأساس أو الكور أو المناطق المركزية .. و أستطرد" بناء على هذا الكلام نعد خطة إدارية تقر بقرار من مجلس الوزراء بالتالي تصبح تشريعا ملزما للتنفيذ وتعمل لها خطة تشغيلية تحتاج إلى موازنة لتطبيق الضوابط الإدارية ".

وتقوم الهيئة عبر إدارات المحميات بتنفيذ عدد من الانشطة التي تهدف إلى تفعيل المحمية و الحفاظ على مواردها الطبيعية و ما تشتمل عليه من أصناف نباتية وأنواع حيوانية نادرة .

و أشار مدير عام المحيمات إلى جملة من الإجراءات التي تعتمد في المحميات بهذا الخصوص في مقدمتها إقامة مشاتل خاصة للنباتات النادرة الموجودة في المحميات وتوجيه المواطنين في نطاق المحمية إلى زراعتها لإكثارها بما يضمن ديمومتها, بالإضافة إلى الجهود التي تبذل لإيجاد مصادر بديلة لسكان المنطقة ممن يعتمدون على الموارد الطبيعية في المحمية و الاسهام في حل القضايا التي تعترض تنفيذ برامج الحماية و في مقدمتها معوقات الملكية الخاصة للأراضي .

وبالرغم مما يبذل من جهود للاهتمام بالمحميات إلا أن ثمة ما يعطل تلك الجهود ويحول دون خروجها بالنتائج المتوخاة بسبب مجموعة من المعوقات اهمها : عدم توفير الميزانيات التشغيلية للخطط الإدارية المعتمدة لادارة و تفعيل المحميات, وهو ما أكده مدير عام المحميات بالقول : " تخرج خطط إدارية و لا يتم رصد ميزانية تشغيلية لها و بالتالي تصبح مجرد خطط نظرية لا تمت الى الواقع العملي بصلة ما يفقد المحمية كثير من المقومات والبرامج المعتمدة لتفعيلها و الحفاظ عليها وهذا يمثل حجر عثرة أمام تطوير المحميات وتنمية خصائصها الطبيعية ". وقال: " بالاضافة الى تلك المعوقات ياتي تدني وعي المواطنين والمجتمع المحلي بأهمية الحفاظ على هذه المحميات, كما ان الملكية الخاصة للارض تجعلنا عرضة لمشاكل كبيرة تحول دون تنفيذ بعض المشاريع المقرة والمعتمدة في إطار الحفاظ على المحمية " .

واعتبر مدير عام الموارد الطبيعية بالهيئة المعوق المالي اهم المعوقات امام الجهود المبذولة لانقاذ تلك المحميات من مهددات الانقراض و العبثية العشوائية : "مشكلتنا اننا ننجز دراسات وخطط ادارية ولا نوفر لها ميزانيات تشغيلية ، بمعنى اخر لا توجد ميزانية حكومية لها و بالتالي فان التدهور الذي يهدد المحميات سيكون اشد فتكا ؛ لان الناس قد عرفوا الانواع الحيوية و مناطق تواجدها و يسعون الى احتكارها , وهذه مشكلة قائمة بحد ذاتها" . و أشار أبو الفتوح إلى التمويل الحكومي الواجب توفره ولو بأقل القليل : " لا توجد ميزانية رسمية حكومية لبعض المناطق الحساسة بيئيا او التي يتم اعتمادها كمحميات و هذا عائق كبير, أما الميزانية التشغيلية فهي ستحدد كل الجوانب المتعلقة بالحفاظ على المحمية - الجانب الامني, الحماية , الحراس, المرشدين - حتى الذين كانوا يصطادوا في المنطقة فمن الممكن الاستفادة منهم كمرشدين,كحراس وبالتالي لا يتضرر من تنفيذ الخطة الادارية اي فرد او يتعطل عمل اي شخص في نطاق المحمية بل هي فائدة لسكان المنطقة " .

وتؤكد مديرة وحدة سقطرى السكرتير المساعد و السكرتير الفني في وحدة السلامة الاجتماعية بالهيئة أفراح ابو غانم أن " التمويل المالي لدعم المحميات مفقود ما عدا سقطرى التي تعتمد على الدعم المقدم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ( يو إن دي بي ) " .

بالإضافة إلى أثار المعوق المالي تبرز في نطاق المحميات و محيطها العام عدد من المخاطر التي تحدق بها و تكاد تقضى على خصوصيتها و ثرائها الطبيعي, منها ما أشارت إليه افراح ابو غانم :" الطريق التي تم شقها في محمية برع دمرت60 % من المحمية لان مشروع الطريق التي تم شقها جاءت من وسط المحمية ولم يتم عمل دراسة تقييم اثر بيئي له و تم إيقافه قبل بلوغه نهاية المحمية بقليل ".

ولفتت أفراح إلى تجاوزات بعض الجهات - حكومية و قطاع خاص - وما ترتكبه من اخطاء في حق المحميات عند تنفيذ المشاريع الاستثمارية فيها دون الرجوع الى الهيئة لتقييم الاثر البيئي لتلك المشاريع .

ودللت : محمية عتمه لا توجد لها خطة إدارية حتى الآن وهي التي تم إعلانها أول محمية طبيعية في العام 1999م. وهو ما أكده مدير المركز الفني بالهيئة : " كان من الخطاء إعلان محمية عتمة قبل استكمال الدراسات " .

وفيما تدمر السيول الجارفة في محمية عتمة - حسب افراح ابو غانم - كثير من الوديان الزاخرة بتنوع حيوي كبير فإن انشطة الهيئة في هذا المجال لم تتجاوز " تقديم مشروع لتنفيذ دراسة حول تأثير المساقط المائية على الوديان في المحمية " .

من جانبه اعتبر مدير محمية عتمه محمد على صلاح الإمكانيات المالية هي ما تحول دون إيجاد البنية التحتية في المحمية, وقال:" الدراسات حول المحمية لم تستكمل و لم يتم تحديد النطاقات البيئية الهامة في المديرية الواقعة في نطاق المحمية ".
وأضاف " تتعرض الغابات للتحطيب وقد بدأنا بوضع مراقبين بيئيين في بعض المناطق للحد منها, كما أن كثير من الأودية والغابات تتعرض لإنجرافات التربة والطمر بحكم السيول الجارفة والتي عادة ما تكون بسبب تجمع السيول في بعض المناطق نتيجة إنسداد الطرقات التي تم شقها بعشوائية في أعالي الجبال .

واشار الى الجهود التي تبذل على مستوى المحمية و المجالس المحلية لحماية المحمية من المهددات والإخطار التي تنتج عن الممارسات السلوكية الخاطئة :" بالتعاون مع السلطة المحلية استطعنا أن نمنع ضرب النار في الأفراح والمناسبات وبهذا تراجع الخطر الذي كان يتهدد الحيوانات في المحمية و يؤدي الى هجرتها ونفوقها ..وقال " نتمنى الحصول على الدعم الكافي لانجاز الدراسات وايجاد بنية تحتية للسياحة البيئية ".

أجمع المشتغلون والمهتمون بشؤون المحميات على ضرورة توفير المصادر التمويلية اللازمة لتفعل خططها الادراية و تنميتها كبداية للانطلاق في برامج حماية تبدأ من توفير بنية تحتية تردم ثغرات القصور .. اذ لا جدوى من اي خطط ادراية للمحميات دون ميزانيات تشغيلية تستثمر امكاناتها وتحمي مكوناتها و تنمي خصائصها .. دون هذا كله .. يصبح الإعلان عن محميات طبيعية و التعريف بخصوصيتها أشبه بالإعلان عن كنز لسنا على استعداد لحمايته و بخاصة في ظل تدني الوعي الاجتماعي بان حماية من هذه المحميات واجب وطني . 
 

سبأنت