مشرط السجاد
بقلم/ سلوى الإرياني
نشر منذ: 7 سنوات و 5 أشهر و يومين
الجمعة 24 مايو 2013 05:11 م

جلست أنا وصديقي في المقهى نشرب شاي بالحليب ونأكل سندوتشات.. نتبادل النكات ونروي لبعضنا الهموم. أنا رجل أشارف على الأربعين وصديقي تجاوزها بقليل. دار بيننا حديث طويل ومتشعب. حكى لي صديقي الحبيب عن ابنه الذي لحظ أنه لا يذاكر البتة، وامتحانات الثانوية العامة وشيكة.

سأله:

- "هل تنوي أن تغش في امتحانات الثانوية العامة؟"

فأجابه ابنه:

-"من يغشون ومن لا يغشون، من يحصلون على مجموع عالي ومن لا يحصلون، من يجتهدون ومن لا يجتهدون؛ كلهم سواء.. فلا يحصل على منحة للدراسة في الخارج إلا من لديه (واسطة)."

صمت أنا وصديقي، نتفكر في كلام ابنه. الولد - على صغر سنه - محق!

في الطاولة المجاورة لنا رجلان، أحدهما بادية على وجهه مظاهر اعتلال الصحة.. رأينا صديقه يربت على كتفه قائلاً له:

-" إذن لديك مشاكل في الكلى؟ لا بأس يا صديقي.. أمر الله..! هل ستزور الطبيب غداً؟ لابد أن يتابع حالتك طبيب مختص."

أجابه الرجل وهو شديد الاصفرار:

-"لا غداً ولا بعد غد، ولا الأسبوع القادم.. الأطباء عندنا يُمرِضون، والطب عندنا يقتل. إما بسبب إهمال، أو بسبب وصف دواء يعالج المرض ويُوجِد غيره جديد!"

تنهدت أنا ناظراً إلى صديقي.. تنهد صديقي. نحترف التنهيد، حالنا حال كل رجال اليمن.

في الطاولة خلفنا أربعة رجال. قال أحدهم:

-"ابنتي حذائها مثقوب. أردت أخذها لتختار آخر جديد، فقالت لي أنها قد عاهدت نفسها ألا تخرج إلى أي تجمعات بشرية، لأن جارة صديقتها قُتلت في تفجير، في سوق شعبي في باب اليمن!"

علق الرجل الأخر:

-"يستهدفون البشر أولاد إبليس!"

التفت إلى صديقي، وتأملت الشيب الذي غزا سالفيه. كنا في المدرسة، وصداقتنا صداقة عمر. غير أني كنت أصغره بقرابة الأربع سنوات. واليوم ها نحن نبدو في سن واحد. قلت له:

-"ما رأيك، نخرج غداً للسوبرماركت الكبيرة؟ بيتي نضب منه الطعام، أحتاج لبعض الأشياء الملحة، مثل الأرز والزيت."

رد علي صديقي:

-"أنا أساسا قد هجرت السوبرماركت الكبيرة منذ أمد طويل. لماذا أذهب إليها، وفيها كل ما لذ وطاب وليس في جيبي المال لأشتري؟! لماذا؟! لذا قررت كلما انتهى شيء من بيتي، اشتري من الدكان واحداً جديداً مثله، وانتهى الأمر. لا أشتري إلا الضروري. ينتهي الأرز، اشتري أرز.. ينتهي الملح، اشتري ملح. لا قدرة لدي لرفاهية السوبر ماركت الكبيرة! لا، لن أذهب!"

تنهدت و تنهد صديقي.. قد تراهنا مرة، من يتنهد أقل فهو الفائز، ويشتري الخاسر للفائز علبة عصير. فوجدنا في كل مرة أننا نغلط في تسجيل عدد التنهيدات.. أحياناً ننسى.. مرات نسأم.. مرات نستسخف الرهان.

حكى لي صديقي عن مديره في العمل، الذي يسافر في العام من ثلاث إلى أربع مرات.. يسافر مدير ويرجع مدير. يسافر، ونحن خدم للقرش، ويرجع ونحن غفير.

قلت لصديقي:

-"غبي مديرك هذا! لماذا يسافر ويرى الدنيا ويرى كيف يحيا بنو البشر، ثم يعود إلى اليمن، فيقارن ويتأزم ويصاب بالاكتئاب؟! تغتصبه الكآبه حال تطأ قدميه أرض المطار.. وتظل تزوره كل ليله، حتى تخلق منه أنثى تحبل، وفي رحمها أجنة الكآبة، اليأس والحزن والتشاؤم. لا، لا، من الغباء السفر."

قاطعني صديقي قائلاً :

-"هذا صحيح لو كان المسافر أنت. أما مديري فهو يعود للفيلا الفاخرة.. السيارات.. المال.. الخدم والحرس."

رديت عليه:

-"وإن يكن؟! دعه يسافر و يعود أما أنا فلا أحلم مجرد حلم بالسفر. سأظل هنا أرمم نفسي، وأضمد جروحي، وأمسح أوجاعي بالمراهم. سأظل أراقب المتسولين، لكي أجد نفسي في وضع أفضل من وضعهم. كذلك المتسولين الجدد.. الوافدين.. الهاربين من الحروب.. لعبة الشطرنج التي تمتهنها أيادي حكامنا.. سأقارن نفسي بهم، لكي اشعر أنني الأفضل. سأتأمل كذا حياة الكلاب؛ كم هي ضائعة و متشردة؛ وسأحمد الله كوني لست كلباً، وإن كنت متشرداً في وطني، وضائعاً في أحلامي."

رد بحده:

-"ما بك يا رجل؟! أنت تبالغ!"

فخنقتني العبرة.. في اليمن يعيب الرجل أن يبكي - و لو مرة - فصمت لبرهة، حتى تمضي العبرة؛ ثم أجبته مطأطئ الرأس:

-"أنا أبالغ؟! علمني إن استطعت ألا أفعل..! أنا أبالغ؟! ربما! لكنني بالغت، بعد أن وجدت أن الدنيا بأسرها من حولي تبالغ. ما معنى كل ما يحدث في بلاد العرب؟! علمونا حكامنا في المناهج كذبة! كبرنا ننشد نشيد الوحدة. حفظونا غيباً كذبة.. لقنونا عن ظهر قلب كذبة.. ظلت تؤرقنا الكذبة.. ظللنا نتعذب بالكذبة.. الوحدة العربية.. العرب حزمة واحدة.. العرب إخوة.."

 ثم قلت:

-"انظر حكامنا اليوم ما هم فاعلين بنا..! عجنونا، خبزونا، ثم أكلونا.. مزقونا إرباً إرباً.. تفننوا في تجريعنا الذل.. أذلونا.. وإن لم نتقطع، أشبعونا قتلاً و فقراً. أنا أبالغ؟! أم تراها المؤامرة تبالغ؟! ليس في عصرنا خير. عصرنا للأسف عصر العمالة، العهر، وزمن زنا الأرصدة وبغاء المبالغ! يا صديقي، فكر فينا..! من نحن؟! نحن لا أحد.. بلا هوية.. لا نعتز، إلا إذا استبدلنا الجنسية.. نحن بلا أم تحنو.. بلا اب يرشد.. بلا تاريخ.. بلا أصل.. بلا جد..! ههههههه.. حتى عندما ثرنا على حكامنا الفاسدين، اتضح لاحقاً أن ثوراتنا كانت مؤامرة.. مصيدة.. سيتحمل تبعاتنا الولد وابن ابن الولد. الغرب يلعب بنا لعبة الراعي والنعاج.. يُلبس أحدنا لباس الذئب، ثم يخيفنا منه.. يزمجر الذئب فنخاف، لأننا نعاج، ونهتف بعاع بعاع..! مهما هتفنا، نظل للأسف نعاج..!"

قاطعني صديقي بتنهيدة، سمعها كل القاعدين في المقهى، وطيرت ورقة من فوق الطاولة. قال لي:

-"هيا، يكفي! لا تعكر مزاجي، لا فائدة من هكذا كلام! نخرج لنضحك وننسى!"

أجبته بغل:

-"لكنها الأحداث من حولنا التي لا تتركنا نفقد الذاكرة. تأمل معي - استحلفك بالله - ألا تذكر الطفلة التي اغتصبوها؟! لم يحدث أي شيء للجناة.. بل قالوا إنها كانت فتاة هوى! أما سمعت عن الشابين الذين أرادا أن يتجاوزا زفة سيارات لشيخ سفاح، فأردوهما حرس الشيخ قتلى في لمح البصر، ولم يحدث للقتلة شيء، بل قالوا إن الشابين كانا سكارى! أما تذكر حارس المسؤول الذي قتل حارس المعهد الواقف يؤدي مهمته، ولم يحدث للقاتل المجرم شيء، وقالوا إن القتيل استفزه! أما سمعت بالطائرات الحربية التي تسقط فوق رؤوس الناس القابعة في بيوتها؟! أما سمعت بلغز الكهرباء؟! تُصلح فتُضرب.. فُتصلح فُتضرب.. ألا لعنة الله على نور يضيء من تحت أيديكم يا مسؤولينا، وتبت مليون مرة أيديكم!"

نهضت واقفاً منكسراً. ودعت صديقي، وعدت إلى داري. كان الجميع يشاهد التلفاز، ما إن دخلت حتى أُطفئت الكهرباء. ذهبت وارتميت فوق فراشي. سمعت بعد قليل الكل يتجه لغرف النوم، وسرعان ما ساد صمت أسود. لست أدري؛ هل أنا نمت، أم دخلت في غيبوبتي الليلية؟ لكنني لم أفق إلا على ابني يلهث هامسا في أذني:

- "بابا هناك جلبة في المطبخ."

قفزت ووقفت في ربع ثانية، حيث كانت بيوت عديدة قد سُرقت في حارتنا. مشينا أنا وابني بخفه إلى المطبخ.. تأكدنا أن هناك من يفتح الأدراج و الدواليب.. وقفنا أنا وابني على جانبي باب المطبخ.. وما أن خرج الغبي مسلطاً ضوء مصباحه إلى اليمين والشمال، حتى أطبقنا عليه من الخلف، وربطت معصميه خلف ظهره، وركله ابني بشدة، بينما كان هو يبكي و يتوسل.. أجلسناه أرضاً، وجذبت أنا جورب نسائي شفاف من فوق وجهه معلقاً:

-"تشاهد الأفلام المصرية بكثرة؟!"

هز رأسه باستحياء. خمنت أن يكون اللص في الثامنة عشرة.. جسمه ضئيل، قصير القامة، باد الهزال والشحوب.. رجحت أن يكون ضحية.. تحكم بي شعور بأنه مسكين و جائع.

هتف ابني في أذني معاتباً:

-"بابا، لا تأخذك به شفقه..! هتك حرمة دارنا."

أجبته:

-" أي حرمة و اي هتك..؟! المسكين جائع."

قال ابني معاتبا إياي على تعاطفي:

-"ما هكذا يأكل الناس..! مالك يا أبي؟!"

جلست أمامه وهو يبكي ويحلف أنه لن يعود للسرقة أبداً. أسكتة لأتحدث أنا:

-"الجورب هو الشيء الوحيد الدال على ذكائك. أما باقي ما قمت به، فيدل على غباء حاد. أولاً، لا يأتي اللص مبكراً هكذا."

أجابني:

-"أصدقائي يهاجمون البيوت في مثل هذا الوقت، فما يبقيكم مستيقظين؟!"

أجبتة:

-"همومنا..! المهم.. ثانياً، جئت لتسرق والكهرباء مضاءة، وكان الأسلم أن تنتظر حتى تُقطع الكهرباء - فهي تقطع بمعدل يومي كل ليلة - إذ لما كنا قبضنا عليك."

رأيته يهز رأسه مستحسنا صدق النصح. ثم اضفت أنا قائلاً:

-"ثالثاً، كان الأجدر أن تهاجم بيوت باد على أصحابها الثراء، أما نحن فقد أحرجتنا وأفشلت نفسك."

أجابني مدافعاً عن ذكاءه المطعون:

- "الأغنياء لديهم رشاش وآلي.. لديهم جدران حجر عالية.. تعلوها ألواح حادة، تكاد تصل إلى السماء.. لديهم حراس.. لديهم كلاب.. نوافذهم تحميها زخارف حديدية.. سمعنا أن طيراً وقف فوقها، فصعقته الكهرباء! أنتم بيوتكم عارية."

قلت له:

-"طيب معك سلاح يا مسكين؟!"

أجاب بغرور:

-"طبعاً!"

فتشناه أنا وابني، فوجدت أنا مشرط لقص السجاد، نصله أعوج، وممسكه يكاد يسقط! قلت له:

- "والأن يا بني، ما أنا فاعل بك؟! إن سلمتك للبوليس، جعلوا منك غانية. أخاف أن يعاقبني الله. وإن ربطتك في عمود كهرباء، وشهرت بك، لطمك الرايح ولكمك الغادي، و تسددت أبواب الرزق الحلال في وجهك الذي سيحفظه الناس. أنا أريدك أن تفتح صفحة جديدة. سأعطيك سندوتش وماء لتأكل، ثم أطلق سراحك. "

دعى لي طويلاً. تأثرت بما فعل، وثمنته عالياً.. فككنا وثاقه.. حلف ألا يعود للسرقة، ولو مات جوعاً.. خرج من باب البيت.

صباح اليوم التالي، علمت أن منزل جاري تعرض للسرقة.. سرق اللص لاب توب، ومبلغ 40 ألف.. ونسي الغبي مشرط السجاد..

عودة إلى تقاسيم
تقاسيم
عبد الرحمن العشماويمَاذا جَرَى ؟!!
عبد الرحمن العشماوي
ياسين عبد العزيزإلى وطني الحبيب في عيده 23
ياسين عبد العزيز
د. محمد جميحنقطةُ النون..
د. محمد جميح
السفير/الدكتور عبدالولى الشميريمضناك.....
السفير/الدكتور عبدالولى الشميري
محمد جمال الدينالحوار........
محمد جمال الدين
عبد الرحمن العشماويأبطال ملحمة القصير..
عبد الرحمن العشماوي
مشاهدة المزيد