كَلَمُن....
بقلم/ سالم الفرّاص
نشر منذ: 7 سنوات و 8 أشهر و 26 يوماً
السبت 20 إبريل-نيسان 2013 04:25 م

أعتقد أن مرور ما يربو على الخمسين عامًا ليست فترة أكثر من كافية وحسب، بل وأكثر من متأخرة - أيضًا -على ما يتوجب طرحه على أنفسنا من سؤال نستوضح من خلاله سر ملازمة وطغيان وتكرار تعرض مسيرة حياتنا كمجتمع للانتكاس والتراجع والسقوط والانهزام واستفحال مظاهر الفقر والإفقار والجوع والتجويع والتهميش والقمع والنهب والسلب والظلم والتنكيل والتسلط ومصادرة الحقوق وغياب القانون والنظام، رغم ما لدينا من ثورات وحركات وانتفاضات وهبات، وفي الوقت الذي نمتلك فيه أحزابًا ومنظمات وتنظيمات قومية وإسلامية واشتراكية رغم ادعائنا بأن لنا أنظمة (جمهورية) و(ديمقراطية) و(تقدمية) قدمنا وما زلنا من أجلها وباسمها تضحيات غالية وجسيمة.

نعم إن خمسين عامًا فترة خرافية ومتأخرة جدًا جدًا جدًا على أية أمة أو شعب كي تبدأ بالتساؤل عن معنى هذا التآخي والتلازم والتعايش الغريب وغير المنطقي والمستعصي على القبول والاستيعاب.

سؤال لو أدركنا الحاجة إلى طرحه - الآن - سنكون قد حققنا رقمًا قياسيًا لم يسبقنا إليه أي شعب بكل مكوناته من قبل في تأخر إدراك ما يتوجب إدراكه، وهو أمر أقل ما يمكن وصفنا أننا إما أدعياء أو أغبياء أو متخلفين عقليًا؛ لأننا ظللنا طوال هذه الفترة نعيش ونلامس ونرى مواطن الخلل والخطأ ثم نتصرف حيالها تصرف الغائب الحاضر الذي نشيح بمسامعنا وأنظارنا ووجوهنا عنها، نشير إلى غير مكان الآلام ونبحث في غير مواضع العلل، فلا نتمكن من تسمية الأشياء بأسمائها ولا نكاد نفقه أو نهتدي إلى النقاط فنضيع ونضيع مع هذا في ذاك ونصرخ حتى تبح أصواتنا ولا نقول شيئًا يُذكر.. نخُب ونهرول ونعمل ونجتهد ولا نخلص إلى شيء.

سؤال علينا في سبيل استعادة بعض إنسانيتنا وبعض حقنا في العيش بكرامة أن نتقبل بشجاعة حقيقة ما كنا عليه من تغريب وتغييب وضعف عندما تأخرنا كل هذه الفترة في طرحه، وأن نبدأ الآن، ونسأل قائلين:

- لماذا درجنا طوال خمسين عامًا على التغني والترديد بأن لنا ثورة وجمهورية مع أن الأولى قد وئدت وذبحت باكرًا وأفرغت من مضامينها, والثانية قد قامت على أنقاض ماضٍ بغيض ولى، مع أن ما هو ماثل معها صورة مكثفة لذلك الماضي المظلم وتجسيد حي لأبشع صورة؟

- لماذا نصرّ على أننا قد توحدنا بعد فرقة وتباعد مع أن ما كان يجري منذ اليوم الأول لإعلان الوحدة هو استهداف واستئصال قيم ومعاني الوحدة التي كانت راسخة في الواقع بقوة رسوخها في نفوس الشعب شمالًا وجنوبًا والشروع في ضرب خوابير التمزق والتباين والفرقة بصور بشعة ومقيتة؟

- لماذا مستمرون في تمكين من نهبوا وصادروا ودمروا وتآمروا على ثوراتنا وجمهوريتنا ووحدتنا ليواصلوا تشويه وفكفكة واحتواء كل فعل جاد يحاول الشارع أن يجد من خلاله نفسه ويعيد الاعتبار لقيمه ومثله؟

- لماذا نزعم ونكذب عندما نصادق أو نصدق بأن لنا دولة حديثة مدنية بهذا الشكل أو ذاك، مع أن الذي تملكه وتقاسي بسببه هو (سلطة) جمهورية قِبلية منذ سنة أولى، ثورة وجمهورية ووحدة ؟

- لماذا؟ ولماذا..؟ ولماذا..؟

أسئلة مُرة مؤلمة، لكنها ليست مختلقة أو مرتجلة.. أسئلة يجب أن لا نتوقف عند مجرد طرحها، بل لا بدّ من الذهاب بشجاعة وصدق وإدراك خلف بيان وتحديد الإجابات الصحيحة عنها، والبدء جديًا بالعمل على جعلها إجابات حية ترى، وتلمس وتُعاش, إجابات تبدأ ولا تنتهي بـ:

- إلغاء وزارة شؤون القبائل وسن وتطبيق قوانين لإخلاء القبيلة من السلاح وجعلها تستجيب لنداء القانون والنظام؛ بدلًا من داعي القبيلة والشيخ والوقوف ضد القانون والنظام.. ووقف فرض القبيلة نفسها كوصية على الدولة وعلى الشعب، تنصّب, تعزل، تغير، تبدل، تنهي, تأمر، تحيي وتميت.

- استعادة الدولة كل الأموال المنهوبة والمسلوبة من خزينة الدولة كل يوم وشهر وعام لصالح القبيلة المعينة والشيخ المعين باسم عتاد وجنود وقوام ألوية ورواتب ومناصب ودخول وخروج وتحكيم وأغذية وغنائم ومشاريع وهبات، وتسخير هذه الأموال الطائلة لصالح تحسين حياة القبيلي الذي بفعل فرض هيمنة الشيخ والقبيلة عليه وجعله لا يجد رجولته ولا مكانته إلا بحمل السلاح واستخدام القوة والتمرّد، وإعادته لكي يصبح مواطنًا صالحًا يجيد حب الحياة ويعشق العمل, بدلًا من مواصلة تحسين مستوى حياته بالولاء للقبيلة والشيخ عن طريق النهب والسطو والتقطع, كخطوة أولى ومهمة لإيجاد وطن واحد ومواطنة وهوية واحدة وحياة حرّة مستقرة وآمنة ينعم الجميع فيها بسيادة القانون والنظام والعدالة والمساواة في الحقوق والواجبات.