هاتف زوجي .. سرق النوم من عيني
بقلم/ زعفران علي المهناء
نشر منذ: 14 سنة
الجمعة 22 يونيو-حزيران 2007 08:52 م

مأرب برس ـ خاص

دخلت مكتبي في صباح يوم مشرق زاهي تنبأت بذالك الإشراق من خلال جدول الأعمال الخفيف الذي يخلو من الاجتماعات واللقاءات الطويلة والمرهقة أحيانا.... وما أن بدأت أداعب كل تلك الأوراق المتراكمة والتي طالما وعدتُ من يشاركونني مكتبي بأني سأقوم بإلقاء نظرة على ما يجب أن يبقى وما يجب أن يتوارى في سلة المهملات.

وقتها شع رقمها عبر الكاشف معلنا رنين يحمل غضب مخيف رفعت سماعة الهاتف ملقية اشد أنواع الترحاب حتى امتص كل ذلك الغضب القادم مع رنين الهاتف فصبت عليا جم غضبها وملقية على مسامعي شتى أنواع التهديدات والضغوطات التي تفوق ضغوط البنك الدولي على الدول النامية إذا لم أتخلّى عن كل الندوات والمؤتمرات وبرامج التدريب في يومي هذا وأقوم بدور الأخت و الصديقة وأقف إلى جانبها وأشاركها محنتها .....!

وقتها أعلنت استسلامي لكل ضغوطها محاولة أن أُفهِمها بأني سألبي طلبها على الفور ماعليها الا أن تُحدد المكان والزمان وسأتوجه إليها على الفور... ولكن هذا لايمنع أني تعطيني فكرة مبسطه عن موضوع محنتها حتى لا أعيش تضارب وصراع فكري حول ماهية الموضوع وأنا في الطريق إليها.

 اطمئنيت على صحتها وصحة ابنها وزوجها وانه لاتوجد أي فاجعة قدرية تمسها أو تمس أسرتها طلبت مني أن نلتقي خارج المنزل رحبت كثيرا بذلك لكنها لم تدع لي الفرصة بالسؤال أين سيكون اللقاء..؟ حين بادرتني أتذكرين تلك البوفيه التي بجانب الجامعة التي ضمت ذكريات الدراسة وتطلعات المستقبل .

مارأيك أن نتناول الإفطار فيها ؟

أخذني هذا المقترح إلى روعة تلك الأيام.....

نزلت الدرج مهرولة وتمنيت لو كنت احمل ملازم الجامعة التي كانت تحمل كل خطوط وتصورات المستقبل الطموح الذي كنا نتخيل حال تخرجنا.....

وصلت وخلت نفسي سأسبقها فتفاجأتُ بحضورها بتلك السرعة تعانقنا بشده عناقا يذوب فيه كل جبال الثلج التي كونتها الفرقا بسبب مشاغل الحياة 

حاولت أن أمازحها وقلت لها صباحك سكر....!

هكذا قال نزار مذكرة إياها مدى عشقها لنزار قباني أيام الجامعة ومحيية فيها جمال تلك الأيام

 فقد كانت من الصديقات الرقيقات الحالمات التي كانت تضحك ضحكة ساحرة وساخرة من اهتمامي أنا وبقية الصديقات في اتحاد الطلبة والاحتفالات والمهرجانات الخاصة بقضايا شُغلنا بها في حينها .... وكانت دائما تهرب إلى عالمها الشعري الرومانسي عنا لتفاجئنا بقراءة قصيده رومانسية لنزار قباني نقابلها بالضحك مصحوبا بتعليق بأنه يجب أن تصحو من غفوتها وتخرج من عالم الرومانسية لتعيش واقع المرأة اليمنية ...!!!

جلسنا بعدها والتقت عيني بعينيها وكأن الزمن توقف فسحابة الدموع تنبأ عن مطر غزير ستصب من تلك العينيين السوداويتين....!!!

 أغمضت عيني بعدها مشجعة لها بان تبدأ الكلام .....

بادرتني بقولها : تعبت ... تعبت

فتحتُ عيني بدهشة....!

هزت رأسها مؤكده نعم .. تعبت مِن(........ ) قاصدةً زوجها

تذكرين يا صديقتي والكلام لها...... مشاعري الجياشة نحوه منذ كنا في الجامعة لقد حلمت به كثيرا كحلم الأرض العطشى للأمطار وكحلم أم بطفل يغدو مسرعا إليها لتحتضنه وتعطيه كل حنانها.

والحديث مازال لها : أتذكرين يا صديقتي عندما ارتأيت فيه شريك المستقبل ورفعت شعار

 ( غدا سأزف إليه )

تركتها تسترسل بالكلام وأخذتني مخيلتي..... لتلك الأيام فقد كانوا نموذجا رائعا داخل الكلية وهم في فترة الخطبة وما كان أجمل استعدادهم لبناء عش الزوجية فقد كانا يعملان مع الدراسة مصممين أن يؤثثا منزلهما قطعه قطعه ومن مرتبهم البسيط آنذاك....

وكان كل طالب وطالبه في الكلية يتمنون لهم السعادة ويجدونهم نموذجا رائعا لا يجرؤ من يقدم على مثل تجربتهما في تلك الفترة

وانتقلت بي ذاكرتي إلى يوم زفافها حين أخفى عنها مبلغ تحرت شوقا أن تعرف أين استقطعه وفاجأها بذلك المبلغ يوم زفافها

 بتقليدها طوقا ذهبيا جميلا محفورعليه آية الكرسي

تبادلا بعدها الخواتم... وتناصفا قطع الحلوى.... وطبع فوق جبينها قبلة المعزة والمحبة

أتذكره شابا نفتخر بمعرفتنا به طلبة وطالبات فكان أخاً لنا قبل أن يكون أخا لزملائه

 مؤدبا... قويا... شامخا....

 احتوى رقة صديقتي احتواءاً ليس ككل الرجال

رجعت إلى وعيي بهدوء فصديقتي لم تلحظ شرودي من جور ما فيها فأحسست أنها بدأت في سرد مشكلتها .. بقولها :اثنا عشر سنة هي عمر زواجنا لم الحظ يوما على (.........) شيئا مريبا

لم يخفي عني أوراقه أو كتبه أو شنطته الجامعية...

رافقته حتى نال شهادة الدكتوراه وعيّن أستاذاً في الجامعة ورزقنا الله بإبننا الحبيب الذي هو هبة الرحمن لنا ولم يطرأ على حياتنا شي إلا هو ...؟؟

من هو ....؟؟

نظرت ألي و صمتت... مستجيرة بكاس العصير ليعطيها برهة تستجمع شجاعتها وتحدثني عنه

كررت سؤالي من هو هذا المزعج الذي اخترق استقرار حياتك ؟؟

فردت بغضب : قاتل الله شبكات الاتصال هذه.

ماله الهاتف الأرضي .. كان رائعا ويلبي الحاجة .

نظرت إليها باستغراب وسألتها:وما دخل شبكات الاتصالات يا عزيزتي ؟

ردت بصوت مغمور : كيف وما دخلها !! وهي العدو الذي تسلل إلى حياتي ليزعزع استقرارها

ما لقيت راحة من يوم عرفت هذه التلفونات النقالة

 فقد أصبح زوجي على اثر اقتناءه.. شاردا.. هائما.. منفصلا عني أنا وإبني فما عاد يحث الخُطى اليَ مسرعا كعادته بعد انتهاء المحاضرات

فهو أصبح يريد أن يختلي بنفسه ليتسنى الرد على تلك المكالمات الغامضة والتي لا يجرؤ على رفع صوته مع وجودها

أو يدّعي النعاس في ليالينا الدافئة لأغمض عيني فيقوم لذلك الجهاز ويبدأ في إرسال وتلقي الرسائل

أصبحتُ كالعصفور المكسور الجناح أحاول أن أُرمم كسري واستجمع قواي وأعلن غضبي على هذا الجهاز لكن باتت كل محاولاتي بالفشل

سمحت لنفسي أن أتلصص على كل تلك الرموز الوهمية وبدأتُ أتابعها لأكتشف أنها متطفلة ليس إلا .وحاولت مواجهتها أيضا وباءت محاولتي بالفشل أمام اعتدادي بكرامتي

حاولت بعدها أن أعيده إلي

لبست له ذلك الطوق الذهبي

 أطلقتُ له تلك الضفائر التي طالما عشقها

ارتديت له ألف قناع واخترت له أجرأ الألوان

 قرأتُ له كل رسائل الحب وقصائد القباني التي يعشقها

أعدت ترتيب هداياه لي في دولاب مكتبه الزجاجي

 رقصت له جميع أنواع الرقص لأقاوم أمامه ارتباكي واختناقي

 ولكنه أسدل الستار على ليل حبنا ، لتبكي ذلك الليل كل شراييني

 واضعة يدي على فمي حتى لا اصرخ كيتيم الليل

 وأقول .. تعبت.

أفلا يحق لي بعد كل هذا أن أتعب !!!؟؟

تنفست تنفسا عميقا بعد شحنة الكلام الغزيرة التي أفرغتها على مسامعي تناقشنا بعدها نقاشا طويلا .. حول ايجابيات وسلبيات عده حتى أعطي لنفسي الفرصة لأجد ما اعبر لها عما سمعت منها فتدخل هاتفها السيار بنغمة تنبأ عن رسالة وصلت إليه ، نظرنا إلى بعضنا وقد لمع في عيني نوعا من الفضول لأعرف من المرسل ؟!

 أشبعت هي بدورها ذلك الفضول بإستغرابها ودهشتها وبصوت فرح ممزوج بالاستغراب

أنها رسالة من زوجي ؟

تأملت ملاح صديقتي وهي تقرا الرسالة التي حسمتها بدموعها الرقيقة حينها ناولتني الجهاز وهي تحث الخطى للمغادرة مرددة : .. سأزف إليه الأن...... !!!

تملكني العجب والحيرة.. لماذا وضعت الجهاز في يدي!! ولماذا خرجت مسرعه وهل يحق لي أن أقرأ الرسالة ..؟!!

وآمنت بأنها رغبتها بان أقرأها .. وبدأت بقراءة تلك الرسالة وكانت تحمل عنوان

(اعترف لكي )

أني اكتب لكي الان معترفا وأنا في قمة حاجتي إليكِ وجنوني بك

 في وقت كنت فيه في قمة قسوتي عليك وأنتِ في قمة معاناتك واحتراقك مني

 واعترف لكِ أني مرعوب جدا

فقد اكتشفت انه لا غنى لي عنك فانا طفل مدلل وعاشق لكِ

ولكنني عاشق فاشل

 آلمتك كثيرا

وأبكيتك كثيرا

وشارفت على أن أسدل ستار النهاية على مشوار حياتنا

عودي إليَ حبيبيتي

 ولا ترتدي كل تلك الأقنعة

 ولا تضعي لي تلك الألوان الجريئة

 ولا ترقصي لي رقصة الموت

ارتدي لي الطوق الذهبي فقط

لأعلن لكل البشر بأنك عجزت عن التلون بكيدهن

 واني لم أتلاعب يوما بنبرات صوتي ولن أرسل واستقبل إلا نبضات قلبك الطاهر

الذي يحمل أنقى وأصفى أنواع الحب

ولن يكون بعد اليوم في بيتنا هاتف سيار

عودي إليَ حبيبتي

سعدت كثيرا بهذه الرسالة وتمنيت لها الهدوء والاستقرار وتكبدت فاتورة المطعم بعد أن أطفأت جهاز الهاتف الخاص بها نهائيا.... لأبدا البحث عن قلمي !!!!