الدراما التاريخية..الفشل الأكثر كلفة
بقلم/ جمال الهنداوي
نشر منذ: 8 سنوات و يومين
الأحد 12 أغسطس-آب 2012 10:48 م

على رؤوس الأصابع نحاول التحرك في تلك المساحة من الورق التي نحاول ان نسطر بها أفكارنا دون الانجرار الى الكتابة التي تستحضر الجدل العقيم في أزمان يكون فيها التساؤل ضرباً من التجرؤ, ونحن نقارب مادة إعلامية تتظلل بمصادقة أسماء لها من الثقل ما للمدى الذي تصله اثير الفضائيات التي اقسرت ذاكرتنا الصورية على تقبلهم كونهم الصفوة المنتقاة من العلماء الإعلام,وليس حذرا ولا عجزا, ولكنه القرف من الانجرار الى حفل صاخب من الزعيق بعبارات الاستهداف والتحريض والتخوين والتسخيف التي من المحتم ان تصيب من يتحدث عن أي مما تحصل على رضا ومباركة وتمويل طوال العمر,حتى لو كان مسلسلا تلفزيونيا..

كثير من الحرج نصادفه في كتابات الكثير من المثقفين الذين هالهم كل ذلك التبسط مع التاريخ الذي يتعامل به الكاتب د. وليد سيف مع سيناريو عمل استهلك من الجدال والرفض والقبول ما كان يفترض به ان يكون اكثر نضجا في مقاربة احداث يكاد الناس يحفظونها عن ظهر قلب,وتحير نكاد نتلمسه امام كل ذلك البذل من المال دون ان يكون ذلك دافعا له -وللمخرج الكبير- الى الاهتمام اكثر بإتقان العمل,فمما يؤسف له ان تكون تلك الضجة الإعلامية وذلك التكتم على أسماء وطبيعة الأدوار,وشهرة الأسماء التي أسبغت بركتها على العمل ليست بكافية لانجاز مادة اعلامية قابلة لأن تشاهد.

كغيره من المواقف الكثيرة التي تفتحت لها خزائن مشايخ الساحل والصحراء,فان هذا المسلسل الذي تكلف ما يقترب من ميزانية بعض اشهر الافلام في العالم لم يكن في المستوى الذي يبرر تلك الرعاية الرسمية والحمائية التي جعلت المؤلف يتمترس خلفها ضد الفتاوى المتواترة التي دمغته بالتطاول على مقام الصحابة ووصلت بالبعض الى تجييش الشبكة العنكبوتية والتهديد باللجوء الى القضاء لمنع عرضه على شاشات رمضان,كما ان المشاهد التي مرت علينا حتى الان,وأظهرت المعالجة الدرامية للأحداث موضع الخلاف -كحالة مالك بن نويرة مثلا-قد تشير الى ان الغلة التي من الممكن الحصول عليها لدعاة شريعة التمييز والاقتلاع كان من الممكن نوال الأكثر منها بسعر ارخص وجهد اقل من خلال توظيف اكثر ذكاءً للعديد من الأقلام التي تملك الكثير من البلاغة والقليل من الحياء..

ثم ما هذه الجرأة مع التاريخ لكي يتعامل النص مع قامة كبيرة تستظل بها مساحة كبيرة من التاريخ العربي والاسلامي بحجم سيرة الخليفة والصحابي الجليل عمر بن الخطاب(رض) لأغراض وأبعاد سياسية وطائفية ضيقة وخدمة للتداعيات والتناقضات السياسية التي ينغمس بها المحور القطري السعودي في اكثر من مكان في المنطقة,فنرى الرجل يقوّل ما لم يقله او ينطق عن لسانه باقوال غيره في اشارات لا معنى لها ولا تبرر التكاليف الضخمة التي تكبدها انتاج المسلسل وتثير الكثير من الشبهات على مسارعة لجنة الاشراف الفقهي والتاريخي برئاسة الشيخ يوسف القرضاوي الى وضع بصمتها على العمل دون العناية حتى بالتوقيت الزمني لنزول الآيات.

كما ان طول الاعداد والتريث الطويل من قبل كادر المسلسل يتناقض تماما مع الاخطاء الفادحة التي رافقته والتي تدل على ان القائمين عليه كانوا مشغولين بارضاء نزعات معينة لدى الجهات الممولة اكثر من تقديم عمل يراعي الدقة التاريخية المطلوبة ويقدم اضافة درامية مهمة تتوازى على الاقل مع مادفع فيه من اموال,كما انه من الغريب ان يهمل العمل تماما بعض الاحداث الكبرى التي عاصرت حياة الخليفة الثاني ويغيب شخصيات ومواقف لها الكثير من التأثير على سير الاحداث ويتجاوز تماما ما ذكرته الكتب عن المواصفات البدنية للخليفة الثاني (رض)في اختياره للبطل الذي كان يؤدي دوره ببرودة قاتلة وضاع وسط الاداء العالي لبقية نجوم العمل والذي يفتقر الى الإمكانيات الصوتية الملائمة والجهورية التي كانت لصوت الخليفة عمر(رض)مما حدا بالمخرج الى دبلجة صوته بصوت الفنان\"اسعد خليفة\"مما يضع الكثير من علامات الاستفهام حول اختياره لمثل هذا العمل المكلف وربطه بعقد باهظ يمنعه من التمثيل لعشرة اعوام قادمة مدفوعة الاجر رغم تواضع إمكانياته الواضح وعدم تمكنه من الدور.

وهذا قد يدل على ان القائمين على تلك الأعمال وأمثالها,كما ننقل عن الدكتور حماه الله ولد السالم\" لا يُراعون البيئة التاريخية، من درْس وكتب وخط ودلالات ولبْس وغذاء وأثاث وحتى طريقة الجلوس والاجتماع والحرب والسلم ونظام الدولة، فكلها مختلة وينقصها عبق التاريخ وروح العصر الذي وجدت فيها.وهو ما قد يشي بان الهدف من العمل قد يكون تمرير رسائل معينة تتعلق بالتقاطعات الطائفية والمذهبية دون العناية بالجوانب الأخرى التي أكلت كثيرا من جرف العمل واهميته.

والأكثر مدعاةً للرثاء هو الصدمة التي سيحس بها فرسان المنتديات المتأسلمة الذين وجدوا انفسهم داخل الضجيج الذي رافق الإعلان عن المسلسل دون ان يكون في أيديهم ما يجالدون به في معركتهم الأبدية ضد الآخر سوى لقطات متفرقة لا تغني ولا تسمن ,وانهم لم يجدوا أنفسهم الا امام قصة طويلة يكون فيها الصحابة العظام خلفية ضبابية لعلاقة \"وحشي\" برفيقته الصبور.

ينقل لنا الأستاذ يوسف محسن عن ريتشار لونثال قوله: (ما الذي يدفعنا او يدفعهم الى التلاعب بالماضي؟ ، اننا نغير الماضي لكي نصبح جزءا منه ولكي نجعله ايضا ملكا لنا.وغالبا ما نغير الماضي من اجل (تحسينه) او تضخيم الجوانب التي نجدها ناجحة او فاضلة او حسنة وبالاحتفاء بما نفخر به وبإهمال كل ما هو وضيع وقبيح ومخجل فيه)..وهذا ان صح على الأسلوب الذي طرحه القائمون على العمل الا انه لا يلغى ان هذا المسلسل قد يكون العبث الاكثر كلفة والأقل جودة الاشد اساءة للرموز التاريخية..والاهم انه من أكثر الأمور التي تقض مضجع التاريخ وتقلق طمأنينته على المستقبل الذي دفن تحت ركام الأخطاء المتكررة.