بين ضبابية الرؤية وآمال الغد 2
بقلم/ رفيقة الكهالي
نشر منذ: 9 سنوات و 4 أشهر و 19 يوماً
السبت 28 إبريل-نيسان 2012 04:14 م

تركيا التاريخ من الأنقاض الي النجومية ,,

في حلقتنا الثانية من سلسلة مقالات لإنزال الدراسة التي قمنا بها في منظمة مساواة للتنمية السياسية وحقوق الإنسان بتعز والتي بعنوان (الدولة المدنية بين ضبابية الرؤية وآمال الغد ) , كنا في الحلقة الأولى قد تعرضنا لمقدمة تمهد للموضوع , وقمنا فيها برصد ميداني لأكبر التحديات والمعوقات التي تقف امام تحقيق الدولة المدنية في اليمن , وذكرنا فيها اننا سنعتمد مقارنة بين عدة تجارب ناجحة منها التجربة التركية والتجربة الماليزية لأخذ الدروس المستفادة من كلا التجربتين ,, ,,

 دراستنا لكل ذلك تمهد للخروج بنتائج قد تكون مهمة لإمكانية تعميم هذه التجربة او بعض جوانبها في بلادنا , او الاستفادة منها في سبيل تطوير اليات ووسائل الأداء المدني لأحزابنا السياسية , التي نتمنى ان تصل الي ما وصل اليه حزب العدالة والتنمية التركي , من انجازات أبهرت العالم شرقه وغربه , ومن نجاح في تأسيس الدولة المدنية الحديثة , ذات الفكر والنهج العصري المنفتح على مواطنيها والدول الأخرى في زمن العولمة والفضاءات الكونية الرحبة ,,,

وبداية لابد من سبر أغوار تلك التجربة , والغوص في أعماق الخلفية التاريخية كنموذج , ودراسة المراحل التي مرت بها الحياة السياسية حتى وصلت الي ما نراه اليوم من نجاح منقطع النظير , وتمكين اتي اكله على مستوى السياسية الداخلية والخارجية لتركيا الحرة ,,

حقيقة , ان دراسة الخلفية التاريخية التي خرجت فيه الأحزاب الإسلامية التركية الي النور , والتي كان أخرها حزب الرفاه الإسلامي , الذي انقسم فيما بعد الي حزب السعادة , وحزب العدالة والتنمية الحاكم الآن , بقيادة رجب طيب اوردغان وعبدالله غول ,, يساعدنا في محاولة فهم الأبعاد والعوامل التي أدت الي كل ذلك النجاح , بالرغم ان الحزب يقوم على المرجعية الدينية فهو حزب اسلامي بالأصل , لكنه استطاع ان يتعايش مع العلمانية الاتاتوركية بذكاء , بل وطوعها لما فيه الصالح العام , فساهم في قيادة دولة مدنية أصبحت رقما صعبا بين مثيلاتها من الدول الحضارية المتحضرة ,,,, 

,,,ولمزيد من الفهم ارجو متابعة هذه المقتطفات التاريخية التي وردت في كتاب لعلي الصلابي بعنوان ( الدولة العثمانية , عوامل النهوض , وأسباب السقوط ) ,ضمن سلسلة صفحات من التاريخ الإسلامي .. ذكر لنا مسائل تاريخية كثيرة , أوضحت لنا مراحل النضال السلمي المرير الذي خاضته الأحزاب الإسلامية مع استبداد وديكتاتورية النظام العلماني الكمالي , وفي اماد طويلة من معركة امتدت قرابة قرن من الزمان ,, حتى وصلت الي النسخة الناضجة المتطورة التي بين يدينا اليوم ,,,

,,, في الواقع , تركيا تتميز عنا , بان جذور مشكلتها ظهرت الي الوجود بشكل علني وسافر ,,, بمحاربة الاسلام والإسلاميين ,, في بداية القرن العشرين , وقبل الحرب العالمية الاولى ,, عندما تحالفت القوى اليهودية والماسونية وبعض الاتراك المثقفين , فقاموا بإنشاء جمعية الاتحاد والترقي , حاولت هذه الجمعية باستماتة ان تنقل مشاعر الاتراك من ولاءهم للإسلام وللخلافة الاسلامية انذاك , الي ثقافة علمانية تقوم على القومية ( الطورانية ) , نسبة الي جبل توران الموطن الاصلي للأتراك في المنطقة الشمالية الشرقية لإيران حاليا ,,

 تلك الثقافة التي تفتخر بمقاتليها الأجداد الأبطال الأوائل مثل جنكيز خان , وطغرك , وتيمورلنك ,, وتتغنى بأمجاد المغول ,, ودياناتهم الوثنية , وتغض النظر عن حجم الجرائم والدمار الذي مارسته تلك النماذج بحق الشعوب التي احتلتها بقوة الحديد والنار ,, وانتشرت مقولة ( نحن اتراك فكعبتنا طوران ) , ,محاولة لتغريب سريع وفصل للأتراك عن شرقه المسلم , وخلافته الاسلامية ,,,, 

هذه الجمعية تبنت الافكار الغربية المضادة للإسلام تماما , وحاولت بكل قوتها قطع العلاقة بين الاتراك والدول الاسلامية ,, وبتخطيط اوربي يهودي ماسوني نجحت الجمعية في التطاول على رمزية وقداسة الخلافة الاسلامية ,, وعلى السلطان عبدالحميد الثاني انذاك , هذا السلطان الذي وقف حجر عثرة امام الصهيونية التي سعت الي انشا وطن قومي لليهود في فلسطين ,, فدبر له حادثة 31/4/1909 م ,, وبالفعل استطاعت هذه الجمعية ان تعمل على عزل السلطان , وحرمته من صلاحياته وسلطاته الدينية والمدنية ,, , ووجهت له تهم ملفقة استغلت فيها تعلق الاتراك بدينهم فخاطبت الجمهور خطاب عاطفي ديني ,, فاتهمته بإحراق المصاحف ,, والإسراف بأموال الامة ,, وقيامه بالظلم وقتل الابرياء ,,, وتأملوا معي مدى شيطانية الوسائل التي لعبت بعقول الناس ,,

في ظل هذه الاجواء انبعثت حركة مضادة قادها الاتراك المسلمين تقاوم محاولة التغريب , وتفضح تلك المؤامرة ,, تسارعت الاحداث بعدها وتفجرت الحرب العالمية الاولى 1914 ودخلت تركيا الحرب الي جانب المانيا والنمسا وفي مواجهة دول الحلفاء بريطانيا وفرنسا وروسيا والعرب ,,,

قسم العالم الإسلامي بين الحلفاء بعد هزيمة المانيا وتركيا ,, بل ودفعت تركيا نفسها الثمن , حيث اقتطع منها مضيق البسفور والدردنيل والأستانة لصالح روسيا ,, وفي عام 1917 اصدرت بريطانيا وعد بلفور الذي قضي بموجبه اقرار فلسطين وطن قومي لليهود الصهاينة ..

,, واستكمالا للمخطط الرهيب نفذت ابشع عمليات فصل تركيا عن دينها , وعملت الجهات الراعية التي ذكرناها على العمل على القضاء اولا على الخلافة الاسلامية لما تمثله من قداسة تلتف حوله ولاء قلوب المسلمين ,, كانت تلك القوى تدرك انها لن تستطيع ان تقضي على الخلافة بالسلاح والقوة ,, فعملت على صناعة قادة اتراك يساهمون في تنفيذ المخطط تجتمع فيهم صفات الديكتاتورية والاستبداد والعنف والانحلال الأخلاقي ,, فكان مصطفى كمال الذي اطلق على نفسه مصطلح اتاتورك ,, بمعنى ابو الاتراك ,, استغل هذا القائد الخطاب الديني في البداية , ليظهر كمدافع عن البلد وحدوده ونظامه السياسي , فاظهر تدين اثار به روح الجهاد ,, ورفع القران كشعار ,, كل ذلك للوقوف امام المخطط اليوناني الهادف الي ابتلاع مناطق واسعة من تركيا ,, وكذلك لدحر قوى الاعداء البريطانيين وغيرهم ,, وبالفعل قامت أطراف المؤامرة بالانسحاب والتراجع وبدون معارك ,, فقد كانت المعركة اعلامية بامتياز وتهدف فقط الي خلق صورة الزعيم البطل صاحب الانتصارات الوهمية القوية امام ضعف الخليفة العثماني ,,,

وفي عام 1923م ظهر الوجه القبيح للقائد البطل اتاتورك فأعلن عن قيام الجمهورية التركية ومبادئها : الديموقراطية ,, الجمهورية ,, العلمانية وبرئاسته ,, واختير عبد المجيد خليفة بدون اية صلاحيات , وكان ورعا مثقفا يؤدي الفرائض فتعلق الناس به , وكان هذا التعلق هو اخر ما يريده اتاتورك فمنع الخليفة من الخروج ,,

وفي نفس العام اعلنت معاهدة لوزان التي فرضت فيها الدول الغربية كشروط للصلح مع تركيا منها : ان تقطع تركيا كل صلة لها بالإسلام , وان تلغى الخلافة الاسلامية تماما , وان يخرج الخليفة من البلاد وتصادر امواله , وان يتخذ دستور مدني غربي بدلا من الدستور الإسلامي القديم ,,,

وفعلا بدا بتطبيق بنود المعاهدة ,, وتمت محاربة الاسلام وكل ما هو إسلامي ,, أغلقت المساجد الغي الحجاب ,, فرض الأذان باللغة التركية ,, غيرت الحروف العربية في الطباعة الي الحروف اللاتينية , حورب التعليم الديني , وأغلقت المدارس والجامعات الإسلامية ,, وتم التوجه بقوة نحو الغرب ,, وبدأت بالتدريج تنفصل تركيا عن عالمها الإسلامي ,,,

وبعد الحرب العالمية الثانية ,, وظهور الازمات الاقتصادية وازدياد التدهور في حياة الناس , وانتشار الفساد المالي والإداري والأخلاقي بسبب قيادة العلمانيين ,,

بدأت تتشكل احزاب جديدة منها الحزب الديمقراطي برئاسة جلال بايار ,, ورئاسة الوزراء لعدنان مندريس,, وقد اعتمد الحزب في انتخابات 1950م على الجماعات الاسلامية , التي دعمته لأنه سمح ببعض الحريات الدينية ,,

بدأت الجماعات الاسلامية تتجه للعمل السياسي المنظم وظهر للوجود اول تنظيم سياسي تمثل بحزب النظام الوطني في 1970م ,, الذي حل بعد سنة من قبل المحكمة الدستورية العلمانية ,, ثم تشكل حزب السلامة الوطني 1972م بقيادة نجم الدين اربكان , واستطاع هذا الحزب في مدة قصيرة في تنظيم قواعد في 67 محافظة ,, وبدا في الاستفادة من الرأي العام المتعاطف مع خطاب الحزب الذي كان متوافقا مع برنامج الحزب القائم على الأخلاق والفضائل التي تعود الي الإسلام الحنيف ,,,

بدا الحزب بقيادة اربكان بشن حملات اعلامية ضد العلمانية ,, والديمقراطية ,, واعتبارها مؤامرة غربية ,, كما حارب الشيوعية , والاشتراكية , والرأسمالية ,, وعارضوا الوجود الأمريكي في الأراضي التركية ,, وافشلوا مخططات اليونانيون في بحر ايجه , ,, واتجه اربكان نحو إنشاء سوق شرقية مشتركة في مواجهة السوق الاوربية المشتركة التي رفض التعامل معها ,, وكانت حجة اربكان المقنعة ان تركيا بالنسبة للغرب متخلفة ,, لكنها متقدمة بالنسبة للشرق ,, ,, ومضى رافعا راية الأخلاق والأصالة والحياة الكريمة للمواطن التركي ,,, ودعا الي تطوير العلاقات مع العالم الاسلامي لما يقارب من 50 دولة اسلامية سكانها اقرب من المليار ,, انتقد الصهيونية وهاجم اليهود ومؤامراتهم المستمرة ,,

فاز الحزب بنسبة 11,9 من اصوات الناخبين في انتخابات 1973 ومثل في المجلس الوطني التركي ب 45مقعد ,, ثم كون اول حكومة ائتلافية بسبعة وزراء مع حزب الشعب الجمهوري العلماني ب 18 وزير ,,

استطاع الحزب تنشيط الثقافة الاسلامية ونشرها وخلق الوسائل العديدة من إعلام وقوانين ,, فكانت كل هذه النجاحات سبب لتدخل الجيش وانقلب في 1980 م , ذلك الانقلاب الذي قضى على التعددية السياسية ,, وحظرت جميع الاحزاب وقدمت قيادات حزب السلامة الي المحاكمة بمن فيهم اربكان ,,, قادة هذا الانقلاب يقفون الان امام القضاء لمحاكمتهم على جرائمهم في ذلك الوقت ,,,

اضطرت القيادة العسكرية الي اعادة الديمقراطية تحت الضغط الدولي الغربي ووضعت دستور يعطي لرئيس الدولة الحق في فرض حالة الطوارئ , وحل البرلمان , والدعوة الي انتخابات جديدة , وعدلت القوانين بحيث تعطى السيطرة للقيادة العسكرية على الحياة اللسياسية في تركيا ,,

اعلن الدستور 1982م ثم تشكلت احزاب سياسية فظهر حزب الرفاه الاسلامي الذي هو امتداد لحزب السلامة الوطني ,

استطاع حزب الرفاه 1994م ان ينجح في الانتخابات المحلية وحصل على اكبر البلديات , ثم تسلم السلطة في ائتلاف حكومي مع حزب الطريق القويم في 96 م وأصبح اربكان رئيس الحكومة واستطاع في مدة بسيطة ان يقوم بإصلاحات اقتصادية كبيرة ,, ودعا الي سوق اسلامية مشتركة , ارتفعت الرواتب ,, وضرب اعضاء الحزب أروع الأمثلة في النزاهة والطهارة والقدرة على التخطيط والإدارة ,, قدم الحزب احسن الخدمات الي المواطنين ,, وفر فرص عمل لكافة الفئات ,, تضاعفت ميزانية البلدية خصوصا في اسطنبول ,, دعا الي انشاء قوة اممية اسلامية عن طريق مجلس اسلامي مشترك ,,, كل تلك النجاحات جعلت المحكمة الدستورية ذات التوجه العلماني تحل الحزب مرة اخرى وتصادر كل املاكه في 1997م

بعدها خرج الي النور حزب العدالة والتنمية وهو حزب مدني يمزج بجدارة بين المحافظة والحداثة , أنشا الحزب في 14/8/ 2001م , وخلال فترة قصيرة استطاع هذا الحزب النجاح في الحصول على نسبة 34% من أصوات الناخبين في الانتخابات المحلية 2002م ,, وحصد نسبة 42% في انتخابات 2004م ,, ثم استطاع مؤخرا النجاح في ادارة وتنمية تركيا الحديثة ,,, حتى اطلق على توجهه الجديد بعصر العلمانية المؤمنة ,,,,

ما اسرار المسيرة الطويلة لنضال الإسلاميين , وما مبادئ حزب العدالة والتنمية , التي وردت في نظامه الأساسي , ورؤيته الفكرية , وبرنامجه السياسي , وفي إدارته لعلمية التنمية الشاملة , وفي نجاحه الاقتصادي , وما الفرق بين قيادة اربكان واردغان , ما التغيير الحقيقي الذي احدث , وما اوجه الشبه بين وضعنا والوضع التركي , وما اوجه الاختلاف بين التجربتين الماليزية والتركية , وكيف يمكن الاستفادة منهما في بناء دولتنا المدنية ,, كلها مسائل سنتطرق لها في حلقاتنا القادمة باذن الله تعالى , فكونوا على الموعد ,,,

يقول الشاعر الكبير عائض القرني :

انصت لميمية جاءتك من امم مدادها من معاني نون والقلم

سالت قريحة صب في محبتكم فيضا تدفق مثل الهاطل العمم

كالسيل كالليل كالفجر اللحوح غدا يطوي الروابي ولا يلوي على الاكم

اتى اليتيم ابو الايتام في قدر انهى لامته ما كان من يتم

محرر العقل باني المجد باعثنا من رقدة في دثار الشرك واللمم

* رئيسة منظمة مساواة للتنمية السياسية وحقوق الانسان

عودة إلى كتابات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
د. ضيف الله بن عمر الحدادالشهيد.. ابو الشهداء.. رحيل من نوع آخر
د. ضيف الله بن عمر الحداد
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
د. محمد جميح
تكتيك «الحكم بالتحكُّم»
د. محمد جميح
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
فواز رشيد ردمان
عدن تنتفض ضد سياسة الانتقالي
فواز رشيد ردمان
كتابات
تيسير السامعىهواجس ... ثورتة ...
تيسير السامعى
صادق الفائشيمن فرعنك يافرعون
صادق الفائشي
مشاهدة المزيد