خواطر حزينة عن امرأة كثيرة في مجتمع قليل
بقلم/ أحمد الزرقة
نشر منذ: 9 سنوات و 5 أشهر و يومين
السبت 25 يونيو-حزيران 2011 10:30 ص

1

كيف يكتب القليل عن الكثير وهل يمكن للعدم أن يصف الوجود،وكيف للغياب أن يتراجع عن قراره ،مازلت مصدوما ولم أستوعب حتى اللحظة خبر رحيل الدكتورة رؤوفة حسن عن الحياة الفانية بشكل مباغت وغادر مليء بالاحتجاج الصامت حد الجمود. رحيل هادئ ممتلئ بالألم الممزوج بوجع الخذلان،كمن يرسل رسالة احتجاجية قاسية وعاتبه ضد سطوة الفراغ الذي تركه غيابها عن الساحة والإحداث في البلد الذي وهبت له سنوات عمرها تغرس فيه قيم الحب والحرية والتضحية والشجاعة والإقدام والصبر والعمل بصمت في قضايا طالما كانت محظورة ومسكوت عنها تتعلق بقضايا النساء والعنف ضدهن والتمييز الاجتماعي والسياسي والثقافي ضد النساء في مجتمع ذكوري مخدوع حتى في ذكوريته ومشكوك في أخلاقه التي تتنكر لكل شيء.

2

من اقترب منها او عرفها أو تعامل معها وهي الاعلامية القديرة التي بدأت العمل الاعلامي باكرا عندما كان عمرها 11 عاما في اذاعة صنعاء ، وكانت اول يمنية تعمل في الصحافة المكتوبة ، وأشهر يمنية عملت في التلفزيون اليمني وكان برنامجها في التلفزيون اليمني (انا وانت وهو ) في سبعينيات القرن الماضي واحدا من أشهر البرامج السياسية والاجتماعية اليمنية والذي استطاعت من خلاله ايصال صوت المواطنين ومشاكلهم لرأس الهرم السياسي وكانت تحاصر ضيوفها في البرنامج من الوزراء والمسئولين بأسئلتها واستفساراتها دون خوف أو وجل.

البروفيسورة رؤوفة حسن مؤسسة كلية الاعلام ومركز الدراسات النسوية في جامعة صنعاء والمحاضرة في عدد من أعرق الجامعات الاوربية والامريكية، كانت من اشهر الشخصيات اليمنية المعروفة على مستوى العالم،كانت تتقن الحديث باربع لغات حية،دائما ماكانت تقول عن نفسها "لا أقول شيء لا يمكنني فعله" وهذا فعلا ما كان يلمسه كل من تعامل معها، ولمسته انا شخصيا خلال تعاملي الطويل معها، التي لم تبخل علي خلالها بالنصيحة والمشورة ووقفت الى جانبي كثيرا ، لم اشعر يوما خلال فترة معرفتي بها التي بدأت خلال دراستي للصحافة في كلية الاعلام التي كانت هي من حاربت وسعت لإنشائها في اليمن في بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي ، بأنها تمارس دور الاستاذ ولم يكن يرق لها ان يتقمص أحد أمامها دور الطالب، كانت مكتملة حد الكمال متواضعة تواضع العلماء، لم تكن تحب الكذب أو النفاق كانت واضحة كوضوح الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر.

3

طالما كان مكتبها في مؤسسة برامج التنمية الثقافية ملاذا للكثير من الشباب والشابات والطلاب والعاطلين عن العمل والباحثين عن نافذة أمل كانت تمنحها لكل من يزورها خلال فترة المساء يومي الاحد والاربعاء من كل أسبوع دون مواعيد مسبقة،كان يجتمع حول طاولتها شباب وسياسيين وصحافيين وباحثين اجانب وطلاب جامعة،تستمع لهم جميعا وتشركهم في النقاش حول القضايا العامة والانشطة التي تقوم المؤسسة بتنفيذها،تصغي للجميع بانتباه شديد وتعلق بذكاء شديد والابتسامة لا تفارق محياها،لم تعلن تبرمها أو ضيقها من أحد ولاترتفع نبرة صوتها في وجه أحد حتى وإن كان حادا في طرحه،يخرج كل من التقاها بانطباع مريح، فقد كانت تعرف كيف تمنح كل شخص حلولا بسيطة وعملية مستوحاة من مشكلته، التي كانت تنظر اليها باعتبارها تحمل في طياتها حلولها، وببساطتها المعهودة لا تقدم حلولا أو تمنح وعودا بل توجه صاحب المشكلة لاعادة التفكير فيها من زوايا عدة حتى يجد هو بنفسه حلا لها،ويبدأ في إقتراح الحلول التي تلائمه،وتظل هي ترمقه بابتسامات رقيقة، وترتب طريقة تفكيره،ليكتسب خلال وقت قصير دروس في الثقة والعصف الذهني تعجز عشرات الكتب او المحاضرين إكسابه تلك القدرة.

4

عاشت للناس وخصصت وقتها وجهدها لمناصرة قضايا النساء والمهمشين والشباب،كانت عالمة حقيقية ومفكرة استثنائية تحمل كل جملة تقولها خلاصة تجربة طويلة، وتعكس نظرة فيلسوفية عميقة، بلغة بسيطة يفهمها الكل.

كانت تحاضر وتدرس في عدد من أشهر وأعرق جامعات العالم في فرنسا والمانيا وأمريكا وهولندا وتونس وغيرها.. وتتحدث بطلاقة الانجليزية والفرنسية والألمانية، لم أعرف شخصا يعمل ساعات اطول منها، وكانت اذا انهمكت بعمل ما تنسى كل ما عداه, واذكر انها في مرات كثيرة كانت تنسى أن تأكل وتستمر في العمل من الصباح الباكر حتى المساء وعندما تنتهي تقول كنت أقول إني نسيت شيء ولم اتذكره، لتبتسم ابتسامة عريضة وهي تقول نسيت أن أتناول الغداء.

5

يصعب علي ان أكتب عن الدكتورة بايجاز شريط الذكريات والمواقف يتزاحم في مخيلتي، ومازلت لحد اللحظة غير مدركا أو مستوعبا كونها رحلت،دونما وداع أخير، ودون ان أستعد لتلقي نبأ ؤفاتها الذي صدمت به خلال اتصال تلفوني وقبل ان اجيب كان هناك على الطرف من يقول عظم الله أجرك في الدكتورة رؤوفة حسن،لم استطع الرد لاني لم استوعب حقيقة ما حدث.

التقيت بالدكتورة رؤوفة حسن لاول مرة شخصيا في قاعة الادريسي بكلية الاداب في العام 1996م عندما كنت طالبا في السنة الاولى لكلية الاعلام وكانت تدرس مادة الاعلام التنموي، دخلت بهدوء شديد حاملة قبل بدء المحاضرة بدقائق وكنا نترقب دخولها بنوع من التساؤل والحذر فمن منا لا يعرف الدكتورة رؤوفة حسن مؤسسة كلية الاعلام وأول عميد لها، كان سؤالها الاول لنا من لديه معرفة بمعنى فجوة المعرفة، لم يكن غالبيتنا إن لم يكن جميعنا نعرف الاجابة، وبعد ان فشلنا في الاجابة عن سؤالها, أجابت بهدوء وبسلاسة لنكتشف ان فجوة المعرفة هي احدى نظريات الاعلام التنموي الحديث، كان ذلك متقدما جدا وصادما لنا، فقد كنا ندرس مادة نظريات الاتصال والاعلام ولم يكن فيها ما يغري وكانت مادة مملة اشبه بسرد تاريخي، كان لمحاضراتها دوما طعم مختلف عن ما تعودناه في محاضرات كلية الإعلام ، كانت تؤمن أن العملية التعليمية هي عملية تفاعلية وتشاركيه وليست مجرد تلقين بين طرفين أحدهما يحاضر و الآخر مستمع.

6

اربعة عشر عاما عرفت فيها الدكتورة واقتربت منها كثيرا تعلمت منها الكثير والكثير جدا، لكني كنت دوما اشعر اني ما زلت طالبا يتلقى دروسه من معلمه،كانت رحمة الله تغشاها تدهش كل من يستمع اليها بمنطقها البسيط والعقلاني ، وماكان أي احد مهما كانت حجته يستطيع كسب نقاشه معها،كانت موسوعة ثقافية واجتماعية وسياسية،تعرف خصوصية كل منطقة في اليمن ، وكانت تعرف مدى أهمية الذاكرة البصرية لدى اليمنيين وتأثيرها في صياغة توجهاتهم العامة والخاصة،وكانت دائما ما تؤكد ان الرسائل التي يوجهها الإعلام الرسمي والخطاب السياسي حول قضايا الوحدة اليمنية أو العنف والإرهاب هي رسائل خاطئة لاتخدم السياق العام للرسالة بل يكون لها مردود سلبي.

دوما ما كانت تقول لمن يسألها لماذا لم يتم إسناد أي منصب سياسي لك في اليمن في الوقت الذي اسندت مناصب سياسية لنسوة لا يمتلكن ولو جزء بسيط من مؤهلاتك وقدراتك ،وقبل ان تجيب كانت ترسم ابتسامة عريضه على وجهها وقول " لقد التزمت بالاستقلال السياسي رغم مخاطره في هذا المجتمع لهذا خسرت مناصب وكسبت نفسي".

كرست الدكتورة رؤوفة سنواتها العشر الاخيرة للغوص في تفاصيل تاريخ اليمن المعاصر وفي محاولة انشاء متحف لتاريخ اليمن المعاصر ابتداء بعام 1948م حتى اليوم ولانجاح ذلك المشروع قامت وعبر مؤسسة برامج التنمية الثقافية وبدعم وتمويل ذاتي وتبرعات عدد من رجال الاعمال بتنظيم سلسلة ندوات وورش عمل عن رداء الدولة في اليمن وأزياء القادة السياسيين في مختلف المراحل التاريخية وخصوصا في مناطق الدويلات والسلطنات والمشيخات في شمال وجنوب اليمن وصولا لقيام الجمهورية اليمنية في 1990م شارك في تلك الندوات عدد كبير من الباحثين المتخصصين في التاريخ وعلم الاجتماع وعلم السياسة وغيرها من التخصصات المرتبطة بالموضوع.

وبمجهود شخصي عكفت على جمع مكونات ومقتنيات ركائز متحف تاريخ اليمن المعاصر لفترة تزيد عن ست سنوات قامت خلالها بالسفر لمعظم المدن والمحافظات اليمنية، كما التقت بمئات الباحثين والسياسيين وحتى مواطنين عاديين،تكللت تلك الجهود باقامة ثلاثة معارض ضخمة في صنعاء وحضرموت وعدن،عرضت فيها المقتنيات التي حصلت عليها بعضها كهدايا والبعض الاخر كعهده شخصية مع موافقات من اصحابها بعرضها الدائم في المتحف الذي كان مقررا ان يقام بشكل دائم في صنعاء، ونجحت على الحصول على أمر بتخصيص مبنى له، لكن جهودها في تحويل حلمها لحقيقة ارتطم بالبيروقرطيه الحكومية نظرا لعدم صرف المبالغ المالية المخصصة لترميم المبنى بحيث يتم ترميمه بطريقة علمية كمتحف دائم، وعلى الرغم من متابعتها لدى كافة الجهات الحكومية إبتداء من رئيس الجمهورية ورؤساء الحكومات المتعاقبة خلال السنوات الست الاخيرة فقد ذهبت محاولاتها ادراج الرياح، في الجانب التقني استطاعت الحصول على وعود من جامعة المانية بدعم وتقديم التجهيزات الفنية والتقنية لتجهيز المتحف لكن تلك الوعود كانت مشروطة بترميم المبنى وتجهيزه.

7

غادرت الدكتورة رؤؤفة عالمنا ولكن حلمها مازال بحاجة لقليل من الوفاء لانجاز ذلك الحلم القومي والوطني، الذي من شأنه تقريب وحفظ التاريخ اليمني المعاصر بتحولاته الانسانية والاجتماعية والسياسية وجعله في متناول أجيال اليمن المتعاقبة.

alzorqa11@hotmail.com