الثورة الشبابية السلمية في اليمن
بقلم/ دكتور/محمد لطف الحميري
نشر منذ: 8 سنوات و 9 أشهر و 23 يوماً
الخميس 09 يونيو-حزيران 2011 10:25 م

قال لي أحدهم لم أكن أتوقع أن يتحول هذا المجتمع اليمني القبلي المحافظ والذي سمعنا عن تقاليده وعاداته الكثير يتحول بين عشية وضحاها إلى مجتمع متحضر رسخ بكل اقتدار في أذهان الشعوب العربية الأسلوب السلمي في الاحتجاج وفي العصيان المدني من أجل التغيير على طريقة المهاتما غاندي .. قلت له : وماذا تعرف أيضا عن هذا المجتمع .. قال : الصورة النمطية التي أقنعتنا بها وسائل الإعلام أن اليمن بلد شعبه مسلح بل وتتكدس في مدنه وقراه أكثر من ستين مليون قطعة سلاح وتتفشى فيه الأمية والكثير من الأمراض الاجتماعية التي تخلصت منها مجتمعات عربية مجاورة مثل ظاهرة الثأر، فكل قبيلة لايمكنها إلا أن تعيش في ترصد وصراع مع قبائل أخرى ... والحقيقة أن مانراه اليوم في شوارع اليمن أزال كل الغشاوات التي جعلت على أبصارنا ورانت على قلوبنا ، فقد أفاق العرب والعالم على صور إنسانية وحضارية راقية .. الملايين تتنظم كل يوم في مسيرات تطالب بإسقاط النظام الجمهوملكي .. ترفع أصواتها تهتف وتغني بكل اللغات ومن مختلف القبائل والشرائح والتيارات السياسية .. تلاشت كل العادات السيئة والدعوات الجاهلية .. الفرد القبلي تخلى عن سلاحه وعن ثاراته وعقده الاجتماعية ، يقف بجانب المرأة بكل رقي تجمعه وأياها قيم التغيير والرغبة في يمن جديد .. فالثورات كما يقال كائنات اجتماعية حية تتغلب على أدران الزمن لأنها تولد من تزاوج الاستبداد والطغيان مع الفساد والفقر وكبت الحريات ومصادرة أنسنة الإنسان وتحويله إلى شيئ حقير مهدور على قارعة الزمن الحضاري.

الثورة الشبابية السلمية في اليمن دخلت شهرها الخامس ورغم ارتفاع صوت الرصاص على صوت الحكمة إلا أن شبابها مايزالون يصرون على مواجهة جهل الجاهلين بصدور عارية ... يهتفون بأعلى صوتهم أرحل لكن كما تقول الحكاية : بصقوا يوما في وجه ضفدع ،، فضحك وقال : مياه المحيط لم تبلل وجهي فماذا يفعل بصاقكم !!. النظام اليمني حاول مرارا جر البلاد إلى حرب أهليه ... وزع السلاح في القرى والمدن .. استخدم الصواريخ العابرة للأحياء ضد خصومه .. استخدم كل الحيل للهروب من استحقاقات الثورة وتجلياتها .. نصحه الأشقاء والأصدقاء بلسان حال يقول : العدل أرخص بكثير من الظلم ومن لا ينصت لسنن الله فإن تلك السنن لاتغفل عنه .. عرضت على الرئيس اليمني ونظامه مبادرة الخروج المشرف والإفلات من العقاب لكنه ناور واقترب وابتعد وفي الأخير رفض التوقيع .. كان مشهد التفاوض مثيرا للسخرية والضحك .. المعارضة توقع على المبادرة في غرفة مغلقة كما لوكانت تعقد صفقة بيعت في السوق السوداء .. والرئيس يرسل طائرة عمودية لانقاذ لجنة الوساطة ويأتي بها إلى قصره حيث يمتشق قلمه للتوقيع لكنه امتنع في اللحظات الأخيرة .. ومن بعد إدخال القلم في \"جرابه\" توالت أحداث مأساوية تخلص فيها الرئيس صالح من الضغوط الخليجية والأمريكية والأوروبية وخضع للضغوط الإلهية في خاتمة لم يمكن كل اليمنيين من مادحين وقادحين يتمنون أن يكون ذلك هو المآل .

رغم عشرات الجثث المتحللة في حي الحصبة ومنطقة حدة الراقية في العاصمة صنعاء وعشرات القتلى والجرحى في مدينة تعز التي تعبث بها الآلة العسكرية لقوات الحرس الجمهوري والتي حولت الكثير من مبانيها إلى ركام والتدمير الذاتي العبثي في مدن وقرى محافظة أبين إلا أن شباب الثورة مايزالون على ذلك الحماس والجلد والصبر وضبط النفس الذي تحلوا به منذ تطاير الشرر الأول للثورة ، لم يثنهم تجاهل الدول الغربية لثورتهم ونضالهم ولم تلن لهم قناة وهم يرون المؤامرات الرامية لاغتيال الثورة وتحويلها إلى مجرد أزمة سياسية تحل بطريقة تخلط أوراق الداخل وتضمن للخارج حساباته ونفوذه وتوازناته التي ربما تذهب أدراج الرياح لو قدر للفعل الثوري أن يأخذ مداه.

كثير من المحللين والمراقبين يرون أن ثورة الشباب اليمني السلمية ماضية في تحقيق أهدافها رغم الداء والأعداء ومن تلك الأهداف بناء دولة مدنية تقوم على المؤسسات التي سوف تضع حدا للاستبداد والفساد وتجعل الديمقراطية وسيلة وليست غاية لتسهيل وتنظيم حياة الناس .. ربما سيكتب التاريخ يوما أن الثورة الشبابية السلمية اليمنية من أنصع الثورات الإنسانية فقد ولدت من مجتمع مليئ بالتناقضات والمفارقات .. أما وقودها من الشباب والشابات الذين تغص بهم ميادين الحرية والتغيير فلا يزالون كل يوم يبتدعون وسيلة للنضال لتحقيق أهداف ثورتهم وهم يتمثلون في فعلهم الثوري شخصية ابن تيمية الذي قارع الظلم والاستبداد فختم حياته في سجن بدمشق .. ضرب بالنعال أكرمكم الله حتى طارت عمامته .. لكنه كان يمثل الحداثة والرغبة في حياة يسودها العدل في عالم منحط خرج عن سكة التاريخ .