ثلاثتهم سيرحلون ولكن بثمن أكبر
بقلم/ ياسر الزعاترة
نشر منذ: 7 سنوات و 4 أشهر و 20 يوماً
الأربعاء 04 مايو 2011 04:53 م

نتابع يومياً أخبار الثلاثة الجدد على قائمة التغيير في العالم العربي (الرئيس اليمني والليبي والسوري)، ولا أحد يعرف كم ستستغرق رحلة التخلص منهم، هم الذين يبدون أكثر تشبثاً بالسلطة من ثنائي (بن علي ومبارك).

كانت رائعة تلك الفتاة اليمنية التي علقت على فتوى العلامة علي عبد الله صالح (!!) بعدم جواز تظاهر النساء مع الرجال في الساحات، علقت بقولها له «أنت مثير للاشمئزاز»، وأقسم أنه كذلك، إذ تشعر أن شيئاً ما سيخرج من داخلك كلما سمعته يخطب عن الشرعية والدستورية وصناديق الاقتراع والناس الذين جاؤوا يبايعونه، مع أن تعدادهم لا يتجاوز عشرات الآلاف وقع تجميع أكثرهم بالمال والقات في العاصمة صنعاء وحدها، مقابل ملايين ازدحمت بهم الشوارع في معظم المدن اليمنية جاؤوا يهتفون بسقوطه.

مثير للإعجاب هذا الشارع اليمني بإصراره على رحيل هذا الطاغية الفاسد المفسد، فقد مضت عليه أسابيع طويلة وهو يملأ الساحات هتافاً وقوةً وعنفواناً رغم عدد الشهداء الكبير، ورغم تردد قوى المعارضة في رعاية الموقعة الأخيرة مع الطاغية وزمرته، ممثلة في عصيان مدني شامل وزحف نحو قصوره وقصور زمرته الفاسدة.

لولا بعض الدعم الخليجي والتبني الغربي لما كان بوسع هذا الرجل الإصرار على البقاء على هذا النحو، لكن الشارع اليمني سيكون أقوى وسيعزف لحن الانتصار ذات صباح أو مساء عندما يحزم المذكور حقائبه ويرحل غير مأسوف عليه.

الثاني هو العقيد الآخر صاحب حبوب الهلوسة، وأقسم أنني كنت أتساءل كلما سمعته يخطب أو يتحدث في مقابلة صحفية عن طبيعة المادة التي يتعاطاها، إلى أن عثرت على قصة حبوب الهلوسة التي «هلوسنا» بها هو ونجله العبقري سيف الإسلام الذي ضحك ذات زمن على جحافل من المعارضة الليبية وأقنعهم أنه «المهدي المنتظر» لليبيا، وليس مجرد ولد ينتظر الحصول على إرث أبيه، مع أننا لا نبالغ في لومهم لأن الأفق كان مسدوداً إلى حد كبير في تلك الآونة، أقله من وجهة نظر الذين يئسوا من قدرة الناس على تحدي الظلم والجبروت.

هذا الرجل نجح في جر الانتفاضة الليبية إلى مربع العنف المسلح، فكان أن تفوق عليها بعض الشيء، ويبدو أن المناطق التي يسيطر عليها وفي مقدمتها العاصمة لم تعد قادرة على التحرك السلمي، أكان خوفاً من البطش الرهيب، أم لأن الوضع الآخر لا يبدو مشجعاً بالنسبة للبعض، وهو ما نصرّح به لأول مرة في واقع الحال، مع أننا أشرنا إليه هنا قبل أسابيع في مقال بعنوان «الهاربون من سفينة الأنظمة الغارقة».

من الصعب على الليبيين أن يقتنعوا أن وزير داخلية عمل مع القذافي عشرات السنوات يمكن أن يغدو بين عشية وضحاها ممن يؤمنون بالديمقراطية والحرية، الأمر الذي قد ينطبق على كثيرين من بينهم وزير العدل، حتى لو كان متديناً بعض الشيء، لأن التدين وحده ليس كافياً لشطب نوازع التفرد، مع أن للرجل سمعته الحسنة التي يشهد بها كثيرون، وحين استنجد هؤلاء بآخرين من الخارج، رأينا أشخاصاً مشبوهين بعضهم من اللون الأميركي الفاقع.

ما ينبغي قوله هو أن القذافي سيرحل بقوة الجماهير وإصرارها، والآخرون أو بعضهم سيرحلون إذا تبين أنهم محض انتهازيين يريدون استغفال الشعب الليبي، من دون أن نتورط في مقولات بائسة عن مؤامرة أميركية لتغيير الأنظمة العربية وصناعة الفوضى الخلاقة، وهي مقولات يروجها أناس يتوزعون بين موتورين انتفعوا من هذا النظام أو ذاك، وبين بسطاء، وأحياناً يائسين لا يثقون بقدرات أبناء أمتهم.

الثالث الذي كتب على نفسه الرحيل، وقد كان بوسعه أن يبقى ويحصل على ثقة الناس هو بشار الأسد. وهو رجل طالما أعجب الناس بخطابه المقاوم والممانع، لكنه عجز عن أن يترجم نجاحه في السياسة الخارجية بنجاح مماثل في السياسة الداخلية.

من المؤكد أنه يدرك تماماً أن شعبه لا يتحرك استجابة لنداء خارجي، بل استجابة لنداء الحرية الذي يسكنه منذ عقود طويلة، والذي ازداد حضوره بعد ثورتي تونس ومصر، فكان الهتاف الأولي «الشعب يريد إصلاح النظام»، لكن الرصاص الحي ما لبث أن أنطقه قسراً بنداء آخر «الشعب يريد إسقاط النظام».

كلما سقط المزيد من الشهداء ستقترب نهاية النظام، وكلما كثر المعتقلون واشتد التعذيب في السجون، كلما ازداد الشعب إصراراً على الحرية، وهي حرية لن تفضي إلى تغييب خيار المقاومة والممانعة، بل ستزيده حضوراً وقوة، ومن يعتقد غير ذلك يهين شعباً بأكمله كان سيد المواقف القومية على الدوام.

*العرب القطرية