المفهوم السياسي للثورة الشعبية
بقلم/ احمد طلان الحارثي
نشر منذ: 8 سنوات و 11 شهراً و 3 أيام
الأربعاء 27 إبريل-نيسان 2011 10:07 م

تقوم الدولة على ثلاثة أسس: (وطن وشعب ونظام) فإذا ما تخلف أحد هذه الأسس أو أنعدم تفككت الدولة بمعناها الحقيقي ، وهذا الحال ينطبق على اليمن نظراً لانهيار النظام العام وتحوله إلى نظام شكلي ذابت فيه جميع سلطات الدولة وتحولت إلى يد فرد يتحكم بها كيفما يريد خارج نطاق الدستور والقوانين النافذة.

وبما أن الشعب مالك السلطة ومصدرها بموجب نص المادة الرابعة من الدستور فإن الشعب قد أسقط شرعية رئاسة علي عبد الله صالح وأصبح في حكم المخلوع ولم يعد له سلطان على الشعب اليمني ، لأنه أُعطي تفويضاً شعبياً لممارسة مهام محددة ولكنه عجز عن القيام بتلك المهام فكان من حق الشعب أن ينزع ذلك التفويض بعد أن ثبت فشل رأس النظام ومعاونيه في الواقع العملي ، ولم تعد لديه أي شرعية تُمكنه من ممارسة سلطاته التنفيذية لأنه فقد مقومات سلطته على اعتبار ما ذكرناه في بداية الموضوع حول أسس قيام الدولة ، إذ أن أهم مقومات الدولة لم تعد تحت سيطرة سلطات الرئاسة ـــــ الوطن والشعب ـــــ فمن ناحية الشعب ، فإن أعداد جماهير الثورة الشعبية المتواجدة في ساحات التغيير وميادين الحرية ــــ الثابتة الصامدة منذ بداية الثورة ـــــ تفوق الأعداد التي يحشدها النظام يوماً في الأسبوع ، باستثناء من حشدهم في ميدان التحرير وينفق عليهم من المال العام لضمان استمرار بقاؤهم ، هذا من ناحية ومن ناحية ثانية فإن المساحات التي تحتلها جماهير الثورة على مستوى العاصمة والمحافظات أكثر بكثير مما يتواجد عليه أنصار (الرئيس المخلوع) ، وهذا ينبني عليه قرار شعبي صارم بضرورة الاستجابة لمطلب جماهير الثورة الشعبية المتمثل في سقوط رموز النظام الفاشلة بحكم كثرة من يتواجدون بشكل دائم يطالبون ((بإسقاط النظام)) ولا عبرة بحشود النظام التي تقف أمام عدسات التصوير التابعة للنظام ولمدة دقائق معدودة فقط ثم يولون الأدبار على أمل زخات جديدة من الملايين لكي تعاود الاحتشاد من جديد وهكذا دواليك.. وعلى اعتبار المساحة والسكان فإن ميدان التحرير مساحة ومن فيه من الأشخاص يمثلون أقلية من حيث استناد علي عبدالله صالح عليهم كجماهير مؤيدة له قياساً بالأعداد الهائلة من الناس الذين يحتلون مساحات شاسعة في العاصمة صنعاء ومعظم المحافظات اليمنية وبالتالي فهم مصدر الشرعية الشعبية التي من حقها المطالبة بإسقاط علي عبدالله صالح فوراً.   

ولهذا قام الشعب اليمني بثورة شعبية سلمية أدواتها المظاهرات والمسيرات والاعتصامات في الساحات والميادين العامة مطالبة بإسقاط هذا النظام الفردي المستبد ورموزه الفاسدة لكي تبني على أنقاضه نظاماً وطنياً ديمقراطياً حقيقياً يعبر عن تطلعات الجماهير في الحرية والعدالة والمساواة وقد انطلقت هذه الثورة منطلقاً دستورياً بعد أن تأكد للشعب استحالة الإصلاح السياسي من قبل رموز النظام الحاكم واستحواذه على كافة مفاصل الدولة وتحويلها إلى دولة عائلية وأسرية تتحكم فيها مجموعة صغيرة من المنتفعين (أعوان الحاكم المستبد).

ومما ينبغي التأكيد عليه ضرورة أن تحافظ هذه الثورة على سلميتها التامة وعدم الانجرار وراء تطرف وإرهاب الحاكم والالتزام بعدم مجاراته لما يريد الوصول إليه من مغامرات جنونية تهدف إلى صرف الثورة عن مسارها الأساسي بشتى الوسائل ، كما يجب التنبه إلى أن هناك وسائل سياسية يتبعها هذا النظام الفاسد تهدف إلى تشويه سمعة الثورة الشعبية السلمية في الداخل والخارج على حد سواء ومن أهم تلك الوسائل: محاولة إيقاع الشباب الثوري في فخ تجاوز بعض نصوص الدستور حتى يسهل عليه إقناع الخارج بأن هذه ثورة انقلابية من شأنها عدم الالتزام بالأسس السياسية التي تنظم علاقة البلاد داخلياً وخارجياً وعلى وجه الخصوص محاولة النظام إشاعة تعطيل نص المادة الخامسة من الدستور الذي جاء فيه: (يقوم النظام السياسي للجمهورية على التعددية السياسية والحزبيةوذلك بهدف تداول السلطة سلمياً وينظم القانون الأحكام والإجراءات الخاصة بتكوين التنظيمات والأحزاب السياسية وممارسة النشاط السياسي ولا يجوز تسخير الوظيفة العامة أو المال العام لمصلحة خاصة بحزب أو تنظيم سياسي معين).

فيا شباب الثورة حافظوا على مبادئها ومنطلقاتها السياسية حتى لا تتعرض للإجهاض على أيديكم ، وتحققوا أهداف أعدائكم بدون أن يخسروا شيئاً ، لأنهم يريدون لكم ذلك من خلال توجيه بعض مرتزقتهم وأزلامهم ودسهم في صفوفكم وترديد بعض الشعارات وبالتالي تسجيلها وإبلاغها إلى من درجوا على مغالطتهم طوال عقود من الزمن من أجل استخدامها كدليل على صدق إدعاءاتهم التي كانوا يخوفون بها دول العالم ، حتى تظل تلك الدول مناصرة لهذا النظام الفاسد المستبد وتضمن له أطول مدة للبقاء.