آخر رسائله: مهما طال الليل فلا بد من إشراقه الصبح، وجولة الباطل ساعة والحق إلى قيام الساعة

السبت 30 إبريل-نيسان 2011 الساعة 10 مساءً / مأرب برس- علي الغليسي
عدد القراءات 14362

أول شهداء الحرية والتغيير بمحافظة مأرب.. كان من أوائل المعتصمين سلميا للمطالبة بإسقاط النظام.. كان رقما مميزا في صفوف شباب الثورة السلمية فحجز الرقم (1) في قائمة شهداء الكرامة.. لم يكن الشهيد/ محمد بن علي حسين شايعة بن جلال شخصا يحب أن يتوارى بين الصفوف، بل كان دوما في الصدارة، عملاقا في المقدمة رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

في مسيرة الاثنين 14 مارس الماضي كان أبو أسامة يتصدر الصفوف هاتفا بإسقاط النظام، يصدح برحيل صالح ونظامه ويصرخ في وجه الظلم والطغيان والاستبداد.. لم يعرف يوما المهادنة والمراوغة فتمسك منذ نعومة أظافره بنهج الإصلاح، وسار على درب النضال السلمي، فلقي ربه وهو ثابت على مبادئه، ملتزما بقناعاته وأفكاره التي عاشها حيا وقدم روحه رخيصة من أجلها.

كم من الناس يموتون يوميا بأسباب متعددة (حوادث طرق، جلطة دماغية، نوبة قلبية، مرض عضال، ثارات قبلية..الخ) وهؤلاء لم يختاروا مكان وسبب موتهم.. لكن صناع الكرامة والتغيير ورواد الحرية والشموخ سلكوا مسلك العزة والإباء واضعين أرواحهم على أكفهم فيحدث موت أحدهم أثرا بليغا في مجتمعه حتى وإن مات على فراشه فما بالك إذا نال الشهادة بنيران غادرة؟! لا شك أن ذلك سيولد حافزا لمحبيه من بعده لمواصلة المشوار والموت على ما مات عليه.

غادرنا محمد بن علي شايعة بن جلال وصعدت روحه إلى بارئها يوم السبت 23 إبريل بعد 41 يوما من إصابته برصاص مرافقي محافظ مأرب اثناء تفريق اعتصام سلمي امام مبنى المحافظة 14 مارس الماضي.. وظل طيلة فترة تلقيه العلاج يعاني آلام الإصابة البليغة ويتابع أخبار الثورة الشعبية ويتواصل مع الشباب في ساحة الحرية، وبوده لو كان صحيحا معافى ليواصل معهم الاعتصام ويشاركهم فرحة النصر بتحقيق أهداف الثورة.. لكن ذلك أضحى أملا بالنسبة له حال دونه ألم الفراق وحتمية الموت، غير أن عزاءنا أنه معنا خطوة بخطوة يشاركنا الثواب والنضال.. فروحه الطاهرة لم تغادر الساحة، ورؤاه المتميزة لم تبرح مكانها في المحاضر، وصدى أفكاره لم يفارق مخيلة الشباب الذين استقطبهم إلى الساحة أو أولئك الذين عمل معهم في إطار (تجمع الإصلاح).

ولد الشهيد/ محمد بن علي حسين شايعة بن جلال في العام 1972م ودرس المرحلة الابتدائية في مدرسة الفتح بحصون آل جلال، ثم درس الإعدادية والثانوية بمعهد الصديق العلمي وتخرج منه في العام 1991م امتاز أثناء دراسته بالجد والاجتهاد، أحب معلميه وأحبوه وكان من الطلاب المتميزين في التحصيل العلمي، لديه من البنين ثلاثة (أسامة، علي، صالح) ومن البنات (بشائر، عبير، ملحة)، حصل على منحة دراسية إلى جمهورية العراق ودرس في كلية الإدارة والاقتصاد بجامعة المستنصرية ببغداد تخصص إدارة أعمال وتخرج منها في العام 2000م، جاءت إليه الاتصالات من إحدى الدول الخليجية ليحصل على فرصة عمل لكنه آثر خدمة بلده والبقاء بين أهله ومحبيه ليشارك في بناء الوطن وتنميته، فتقدم إلى شركة النفط اليمنية التي التحق بها موظفا ثم مديرا لقسم المستودعات بالشركة... أتيحت له فرصة مواصلة الدراسات العليا فالتحق بجامعة العلوم والتكنولوجيا ونال درجة الماجستير في إدارة الأعمال نهاية العام 2009م.

يقول أحدهم عرفت في الشهيد/ محمد بن جلال صفات كثيرة الاستقامة والإيثار والأخلاق الحسنة وصدق الحديث والمعاملة وتقديم النصح وإصلاح ذات البين، كان لا يبخل على إخوانه بالابتسامة، فما إن يلقاك حتى يبتسم قبل السلام والكلام، شخص خدوم يحب توفير الراحة لزملائه وإخوانه.. يناقش الأوضاع العامة فيشرح المشكلة ثم يبحث في النقاش عن الحلول ويتجنب تشعيب الأمور.. رجل قليل الكلام كثير العمل.. يجيد فن الإتيكيت ويهتم بالذوقيات.. أنيق في ملبسه يتقن ترتيب أجندته ويعمل على أن تكون أموره منظمة سواء في حياته الخاصة أو العامة.. فحمك الله يا أبا أسامة وهنيئا لك الشهادة، فرجل مثلك تستحق سيرته العطرة صفحات وصفحات تعجز أقلامنا عن تدوينها في ظل حالة الفجيعة التي ألمت بنا والحزن الذي يعتري قلوبنا والدموع التي تنهمر من عيوننا.. لقد بات مقعدك خاليا إلا من صورك التي تزين الساحة، لكننا نسأل الله أن تكون الآن في (مقعد صدق عند مليك مقتدر).

يا أبا أسامة.. لقد رويت بدمك الغالي شجرة الحرية وكنت أول شهداء التغيير في محافظة مأرب، فلك منا العهد أن نواصل السير على ذات المنهج وفي نفس الدرب دون كلل أو ملل حتى ننتصر للأهداف التي سقطت من أجلها، وللمبادئ التي طالما ناصرتها.. لقد منحتنا برحيلك عن الحياة الدنيا إرادة صلبة وعزيمة فولاذية بألا نتراجع قيد أنملة عن تحقيق مطلبنا المتمثل في رحيل هذا النظام الأسري الفاسد.. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

آخر رسالة SMS من جوال الشهيد

إليكم نص الرسالة الأخيرة التي بعثها الشهيد/ محمد بن علي حسين شايعة بن جلال إلى رفاقه في درب الثورة من المرابطين "قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا وافعلوا الخير لعلكم تفلحون".. مهما طال الليل فلا بد من إشراقة الصبح، وجولة الباطل ساعة والحق إلى قيام الساعة، والصبر ساعة والنصر آت إن شاء الله".


كلمات دالّة